أكدت جوديث كيبر، إحدى أبرز الخبراء العالميين في شؤون الشرق الأوسط، أن الانشغال بمهاجمة سياسة الولايات المتحدة الأميركية من قبل وسائل الإعلام والحكومات ليس في مصلحة القضايا العربية في شيء، حيث ينبغي توجيه اهتمام أكبر بإصلاح الشأن الداخلي بدلا من الاهتمام بشكل مبالغ فيه بالسياسة الخارجية الأميركية، على حد تعبيرها. وفي حوار أجرته معها «البيان» على هامش منتدى الإعلام العربي، قالت كيبر التي تعمل مستشارة لبرامج الشرق الأوسط ومديرة أمن الطاقة في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية: إن القنوات الفضائية أحيانا تشكل رأيا عاما غير دقيق عن القضايا العالمية، ما يتسبب في خروج ردود أفعال خاطئة من قبل الشعوب. وتاليا نص الحوار:

ـ كيف تقيّمين دور وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام العالمي حول المنطقة العربية؟

ـ لاشك أن وسائل الإعلام تلعب دورا حيويا في تكوين الرأي العام في أي منطقة بالعالم والمنطقة العربية بالطبع ليست استثناءً في هذا الصدد.

غير أن الوضع في الشرق الأوسط بشكل خاص مختلف، حيث يؤدي عدم توافر الحرية اللازمة لوسائل الإعلام لكشف الحقائق على صفحات الجرائد والقنوات الفضائية التي تملكها الحكومات إلى إخفاء قدر كبير من الحقيقة إن لم يكن كلها. المشكلة في العالم العربي أنه يعاني قيوداً غير موجودة في معظم مناطق العالم.

غير أن انعقاد منتديات كهذه التي نحن فيها يفسح بعض المجال لمناقشة موضوعات متعلقة بالشارع العربي ويساعد على إلقاء الضوء بشكل واسع على المشكلات التي تواجهها الشعوب ما يساعد الحضور الأجنبي الموجود على تكوين أفكار أكثر شمولية عن الوضع.

الحرية في العالم العربي

ـ كيف يرى الغرب هامش الحرية في العالم العربي؟

ـ المشكلة تتمثل في أن الحكومات غير ديمقراطية لأنها لم تُنتخب من خلال الشعوب ومن ثم لا يوجد مكان لحكم القانون الذي هو أساس التقدم في أي مجتمع. هذا لا يعني أنه ليست هناك دول أكثر ديمقراطية من غيرها. فهناك محاولات ديمقراطية لا يمكن تجاهلها.

وأعتقد أن وسائل الإعلام تلعب دورا مؤثرا في هذا الصدد، حيث بوسعها إحراج الحكومات ودفعها دفعا إلى طرق دروب الديمقراطية والالتزام بحكم القانون وذلك في ظل الزخم الإعلامي الكبير الذي نشاهده من خلال المدونات والصحف الإلكترونية وحتى الجرائد التي توزع بالمجان. مثل تلك الوسائل الإعلامية تكشف الحكومات أمام العالم ولا تجعل أمامها بدا سوى الشفافية والانفتاح على العالم.

أميركا وحرية التعبير

ـ ولكن ألا ترين أن هناك تناقضا بين دعوة الحكومة الأميركية إلى حرية التعبير وانتقادها بعض وسائل الإعلام التي تدّعى واشنطن أنها تشوه صورتها أمام العالم؟

ـ لا شك أن انتقاد الحكومة الأميركية لوسائل الإعلام سواء في العالم العربي أو في الصين أو روسيا أو حتى في أوروبا في غير موضعه. لكن على الوجه الآخر نرى أن وسائل الإعلام العربية لا تقف مكتوفة الأيدي، بل إن ردود الأفعال أحيانا تكون مُبالغاً فيها بشكل كبير. لذا فإنه لا يمكن إعفاء طرف دون الآخر من المسؤولية في هذا الصدد.

ـ و لكن ألا تعتقدين أن ما يطلق عليه حملة «كسب العقول والقلوب» التي تقودها الولايات المتحدة في العالم العربي مكتوب عليها الفشل في ظل ازدواجية المعايير التي تعاني منها الولايات المتحدة سواء على المستويين السياسي والإعلامي؟

ـ أرى أن العرب لا يُجيدون فن الدبلوماسية حتى مع أنفسهم. فهم يفتقدون القدرة على القيام بما يكفي من مبادرات دبلوماسية فيما بينهم لرأب الصدع الداخلي وتحسين العلاقات. لا يجب على العرب الانشغال بالسياسة الخارجية الأميركية على حساب مشاكلهم الداخلية. فهم يتعين عليهم العمل على الأرض من أجل تحسين علاقاتهم بالعالم وتحسين وضعهم على الخريطة العالمية.

الولايات المتحدة لها القدرة على التعامل مع ما يوجه إليها من انتقادات، إذ إنها لديها القوة والوسيلة على التعامل مع تلك الانتقادات، في حين أن العرب هم من سيتضررون من هذا الأمر لأن الهجوم على أميركا بلا طائل في حين أن المشكلات الداخلية العربية هي التي بحاجة إلى تركيز أكبر. فهناك حاجة ماسة إلى تكريس حرية التعبير وتوزيع عادل للثروات وتعضيد القدرة على اتخاذ القرار. كل هذا أهم بكثير من توجيه الاتهامات إلى الولايات المتحدة عبر الشاشات الفضائية.

تأثير القنوات الفضائية

ـ كيف تنظرين إلى تأثير القنوات الفضائية في العلاقات الدولية؟

ـ أرى أن القنوات الفضائية لها أثر أكثر مما ينبغي في تكوين الرأي العام وذلك في ضوء أنها وسيلة سريعة لالتقاط الأخبار سواء من قبل المواطن العادي أو المسؤول صانع القرار على حد السواء. غير أن محتوى تلك القنوات في كثير من الأحيان يفتقد إلى الموضوعية اللازمة في ضوء أن معظم تلك القنوات تكتفي بعناوين الأخبار من دون عرض موضوعي وتحليلي لها ما يساهم في كثير من الأحيان في تكوين رأي عام بين الشعب هو في الواقع غير دقيق في ضوء أن ما حصلوا عليه من معلومات هو في الأصل غير كامل الأركان. غير أنه في الوقت ذاته لا يمكن تجاهل أن القنوات الفضائية تسببت في إنماء الوعي السياسي بين أفراد المجتمع العاديين، الأمر الذي يتبين من خلال ازدياد أعمدة الرأي التي يكتبها أناس عاديون في الصحف اليومية.

ـ لا يمكننا إنهاء الحديث معك من دون إلقاء بعض الضوء على تطورات الملف النووي الإيراني؟

ـ أعتقد أن الولايات المتحدة ستجد أنه من المناسب التحرك في ضوء تقرير بيكر ـ هاميلتون الأخير الذي يوصي بالدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران. فأميركا تمتلك من الوسائل ما لا تمتلكه الدول الأوروبية في التعامل مع الإيرانيين الذين يجب أن يعلموا أيضا أن طريقة تعاملهم مع الملف النووي غير مقبولة للمجتمع الدولي بشكل عام. آمل أيضا أن يستطيع الكونغرس الأميركي بأغلبيته الديمقراطية دفع الرئيس بوش إلى التعامل مع إيران في ضوء هذا التقرير المهم والذي يمكن من خلاله تحقيق نتائج ملموسة بعيدا عن الحروب الكلامية الدائرة بين الطرفين والتي لن تفيد القضية في شيء.

ـ ماذا عن العراق؟

ـ الوضع هناك معقد للغاية. وأرى أيضا أنه يجب التحرك من خلال تقرير بيكر ـ هاميلتون.غير أنني لا أرى أي إمكانية لانسحاب قريب من العراق.

أجرى الحوار: حاتم حسين