برزت في الآونة الأخيرة دعوات لرفع الولاية عن الفتاة عند الزواج فكانت موضة فرضتها المطالبات الغربية الحديثة للمساواة بين الجنسين، والتي تدعي أنه من حرية المرأة، ومساواتها بالرجل يكون عن طريق رفع ولاية والدها عنها في مختلف تصرفاتها، ويرى العلماء أن الدعوة إلى حرية اختيار الزوج المناسب حق يراد به باطل من الذين يدعون التحضر والمدنية، وهم في دعواتهم يجدون من يروجون لأفكارهم السامة عن جهل أو عن قصد لزرع الوهن والضعف في مؤسسة الأسرة، والتي هي من أقوى المؤسسات في الإسلام.

خاصة وأن ولاية الرجل على المرأة في الإسلام ليست تجبراً على المرأة بل لون من ألوان التكريم، فالولاية وسيلة إسلامية للحفاظ على حياء المرأة وصيانة كرامتها في مكرمة، ووليها هو الذي يباشر عقد الزواج نيابة عنها .

د. يحيى بدر أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب يعتبر الزواج من سنن الله تعالى في خلقه وهي فطرة فطر الله عليها جميع المخلوقات، ويوجد في كل المجتمعات مجموعة من الأعراف، التي تحدد هذه العلاقة والتي تبدأ باختيار شريك الحياة، وجرت العادة في معظم المجتمعات أن المبادرة في اختيار شريك الحياة تكون من جانب الرجل متى توفرت له القدرة على الزواج دون اشتراط سن معينة، وترتبط على ذلك العديد من الالتزامات التي تقع على عاتق الرجل من المهر وتأثيث مسكن الزوجية وغير ذلك.

ويرى بدر أنه في المجتمع العربي والإسلامي عموماً نجد أن الولاية دائماً للرجل وفي الوقت الذي يسمح للرجل بقدر كبير من الحرية توجد العديد من المحرمات الدينية والقيود الاجتماعية للمرأة، ومنها:حق تزويج نفسها بنفسها حيث اقتضى العرف لدينا بضرورة وجود الولي على الفتاة المقبلة على الزواج، حتى لا تخطيء باسم الحرية في هذا الأمر المهم ويمكن القول إن هناك أهمية وضرورة اجتماعية في ولاية الرجل على الفتاة المسؤول عنها عند الزواج لدعوة الشرائع الدينية ومنها الإسلام.

وغير ذلك من منطلق أن النساء دائماً ناقصات عقل ودين وأن الزواج لا يتم إلا من خلال الولي والشهود والإعلان والمهر وغير ذلك، أن مجتمعاتنا العربية مجتمعات أبوية تنتمي إلى الرجل دائماً وتتحدد الأنساب دائماً في خط الذكور، ومازال الذكر في كثير من المجتمعات الآن له السيطرة والغلبة والأفضلية على المرأة ربما لقوته الفيزيقية أو لقدرته على الكسب، وأنه يحمل اسم العائلة بل إن عدم إنجاب الذكور في كثير من الأسر يؤدي بالرجل إلى الزواج مرة أخرى..

كذلك الخوف على مستقبل البنت بعد الزواج، وهذا يؤدي إلى تدخل ولي أمرها عند الاتفاق على ترتيبات الزواج لضمان حسن معاملة الزوج وتقييد حريته في التصرف بعد الزواج من خلال مؤخر الصداق أو إعلان مسؤوليته عن الحياة الزوجية، وبالتالي.

دور العائلة

ويشير بدر إلى أن الولاية على الفتاة تؤكد أهمية دور العائلة أمام مسؤوليتها تجاه الفتاة عند حدوث الخلافات الزوجية، فهي لا تتخلى عن الفتاة مطلقاً وكأن هناك اتفاقاً متبادلاً على أن خضوع البنت لأوامر وليها يقابله من الناحية الأخرى التزام أدبي تجاهها بمساعدتها بعد الزواج، كما أن وجود الولي دائماً يضفي العقلانية على الاتفاقات المحيطة بالزواج فالفتاة دائماً تفكر وتتصرف بعاطفتها، والتي قد تجلب عليها المشاكل بعد ذلك وتنظر تحت قدميها فهي تكون دائماً قصيرة النظر عند اتخاذ قرار قبول الزواج، وبالتالي ترتيباته.

بينما تعتبر قرارات الولي عقلانية وبعيدة المدى، وينظر لما بعد عملية الزواج ومن أسباب ذلك الخبرة والتجربة التي يتمتع بها الولي بينما تكون الفتاة قليلة الخبرة، إن الولاية والقبول بها تجعل من حق الفتاة عند حدوث الخلافات الزوجية بأن تذهب عند بيت أبيها أو وليها وتستطيع أن تعيش فيه بحرية حتى مع أطفالها ويصبح من اللازم أن ينفق عليها ولي أمرها حتى تحل خلافاتها مع زوجها، موضحاً أن الولاية تؤكد أهمية العائلة في مواجهة الزوج وهي تأكيد على أن لها كبير عائلة يحميها ويدافع عنها.

وبالتالي نرى أن الولاية تؤكد الالتزام المادي والأدبي والروحي للأب أو للولي تجاه الزوجة وهي لضمان حسن سير الزوج ونجاح عملية الزواج واستمرار العلاقة الزوجية وإصلاح ذات البين عند حدوث المشكلات والتأكيد علي خضوع الفتاة لأوامر أسرتها وأنها خرجت وتربت في بيت فيه قيم وأصالة.

ويوضح د. بدر أن دعوات رفع الولاية عن الفتاة عند الزواج ظهرت حالياً نتيجة الدعوات الغربية للمساواة بين الجنسين وأن الفتاة حرة في تصرفاتها واختيار ما تشاء للزواج، وبالتالي فهي تدعو إلى أن يكون الزواج مدنياً والناس في مجتمعنا الآن يتأثرون بتلك الدعوات من خلال وسائل الإعلام علي الرغم من اختلاف القيم والعادات الاجتماعية الغربية على القيم العربية والإسلامية ودعوة مؤسسات المجتمع المدني للمزيد من الحرية للمرأة.

فمثلما أصبح لها الحق في العمل وشغل أرفع المناصب ليصبح لها حرية تزويج نفسها بنفسها مع تعسف بعض الآباء أو أولي الأمر في استخدام هذا الحق وإجبار الفتاة على الزواج من شخص معين قد لا يناسبها كأن يكون فارق السن بينهما كبيراً أو تكون هناك فوارق تعليمية أو اجتماعية أو ثقافية وما يترتب على ذلك من فشل هذه الزيجات.

ويذكر أن هناك العديد من الأضرار المترتبة على رفع ولاية الرجل على ابنته، فذلك يعتبر مخالفاً للشرع والعقيدة وتعاليم ديننا، كما أنه يقلل من أهمية أسرة الفتاة في مواجهة تعسف الزوج، ويؤدي إلى تورط كثير من الفتيات في زيجات مع أزواج غير صادقين وغير أمناء عليهم ويبحثون فقط عن المنافع المادية والاقتصادية كما أنها تزيد من نسبة الطلاق وربما تشرد الزوجة والأبناء الصغار وتعمل على تحلل القيم والمبادئ والأعراف المتغلغلة في الأسرة العربية.

ويضيف أن فشل الزواج قد يؤدي إلى الأمراض الاجتماعية في المجتمع، ولذلك فنحن ننادي بحل هذه المشكلة بأن يتم ذلك من خلال زيادة وعي الفتيات بحقوقهن وواجباتهن والتنشئة الاجتماعية السليمة والترابط الأسري ودور وسائل الإعلام ودور العبادة في التوعية بأهميتها علاوة على أهمية الحوار الأسري وعدم تسلط الأب أو ولي الأمر في أمر زواج الفتاة المسؤول عنها وعدم التعسف في استخدام هذا الحق.

الرعاية والنصرة

د. صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن يقول: الولاية في الإسلام معناها الرعاية والنصرة، ولهذا اشترط الإسلام لزواج المرأة أن يكون عن طريق الولي، لأن الولي يرعى شؤون ابنته ويقف بجانبها من أجل نصرتها ورفع شأنها وإعلاء قدرها والولي هو أقرب الناس إلى المرأة وأقربهم الأب، ثم الجد فأقربهم في الميراث وأحقهم في الولاية، ولكن بعض الأولياء يسيئون استخدام هذا الحق فقد يكره ابنته على الزواج ممن لا تحب.

وقد يمنعها من الزواج ممن تحب ونرى أن هذا الأب كان يجب عليه أن ينظر إلى مصلحة ابنته فإن كانت صغيرة ليس لها خبرة بالحياة فلوليها أن يزوجها أما إن كانت كبيرة بالغة عاقلة رشيدة بكراً كانت أم ثيباً فعلى ولي أمرها أن يأخذ رأيها في ذلك فإن قبلت الزوج فحسن وإن رفضته كان لها الحق في الرفض، وقد استدل الفقهاء على ذلك بأن امرأة جاءت إلى رسول الله، فقالت يا رسول الله: «إن أبي زوجني من ابن أخيه وأنا له كارهة ليرفع بي خسيسته».

فقال لها النبي «إن شئت رددنا نكاحك وإن شئت أجزنا ما صنع أبوك» فقالت يا رسول الله «أجزت ما صنع أبي ولكنني أردت أن أعلم النساء أنه ليس للآباء عليهن من سبيل»، وهذا يدل على أنه لا يجوز إكراه المرأة علي الزواج مطلقاً مادامت بالغة عاقلة رشيدة، ولهذا قال الرسول الكريم «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» والولي هنا ليس معناه أن من حقه أنت يستبد أو يظلم .

ويرى أن هذا الولي جعله الله خادماً للمرأة يتصرف بما فيه مصلحتها ويحقق لها رغباتها مادام ذلك لا يؤدي إلى معصية الله عز وجل ولهذا كان علي الآباء أن يحسنوا اختيار أزواج البنات، وألا يسيئوا التصرف بحال من الأحوال وإلا كانوا آثمين لمخالفتهم، لقوله تعالى «ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف»، فإذا كان الإسلام قد نهى الولي عن عضل المرأة فإن مخالفة هذا النهي يغير حرمة الفعل.

وذلك لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف، فإذا وجدنا أن الولي قد عضل المرأة فعلينا أن ننتقل إلى ولي آخر من أقارب الأب حتى نتمكن من تزويج البنت ممن ترغب والولاية عندها تكون للعصبات فقط أما الخال ومن في حكمه من الأقارب، فليسوا أولياء إلا إذا وكله الولي الأقرب وجعله وكيلاً عنه في تزويج المرأة أما في غير ذلك فلا يصلح الخال أن يكون ولياً وإن كان الرسول قد اعتبر الخال بمنزلة الوالد فذلك ليس من باب الولاية وإنما هو من باب الرعاية والتكريم فقط، ولهذا كان على الأولياء أن يراقبوا الله عز وجل في تصرفاتهم نحو بناتهم.

ويشير د. صبري إلى ضرورة عدم الاستماع إلى الصيحات، التي تنادي بين الحين والحين بوجوب إلغاء الولاية على المرأة، وتؤكد أن ولاية الرجل علي المرأة لون من ألوان تكريم الإسلام للمرأة، ليحافظ على حيائها وليصون لها كرامتها فهي مكرمة ووليها هو الذي يباشر عقد الزواج نيابة عنها، أما إلغاء الولاية أو عدم الاعتراف به فهي دعوة إلى الفوضى وقد يكون مصير المرأة إلى الضياع والتشرد وسوف يجعل منها الرجل وسيلة للأهواء والشهوات مشردة في الطرق، وهذا ما يتنافى مع منهج الإسلام في رعاية المرأة والاعتزاز بها وينبغي أن نكون على يقين أن ما شرعه الإسلام ينبغي ألا يغيره إنسان.

حق شرعي

د. محروس محمد مدرس بقسم الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة يقول: إذا منع الولي المرأة من الزواج لغير أسباب وجيهة، فقد أباح الشرع لها أن ترفع أمرها إلى القاضي ليزوجها أو ليوكل غير وليها من عصبتها ليقوم بأمر نكاحها هذا إذا كان المتقدم لها عدلاً يتوافق مع أسرة الفتاة ودينها أما إذا كان سفيهاً فإنه يجوز للأب أن يعترض على هذا النكاح وأن يمنعها حرصاً على مستقبل هذه الفتاة وحياتها.

ويوضح أن الله سبحانه وتعالى أمر بعدم العضل، فقال تعالى «ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف»، وفي نفس الوقت أعطى رسول الله المرأة الحرية في اختيار زوجها وعدم تحكم والدها فيها وعدم تزويجها من غير كفء، فقد روي عن ابن عباس أن النبي قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» والأمر كما هو موجود في كتب الفقه مختلف فيه لكن الحكمة تقتضي أن يتوافق الوالد مع ابنته في اختيار الزوج فلا تتزوج البنت إلا برضاها استجابة، لقول النبي «البكر تستأمر والآيم تعرب عن نفسها» قيل إن البكر تستحي قال «أذنها صمتها» فأوجب الشرع استئذانها ورضاها.

ويضيف: يجب ألا نزوج المرأة إلا برضاها وأن يكون الولي موافقاً مباشراً لهذا الزواج حتى تسير الأسرة علي هدي الإسلام وحتى لا تنقطع العلاقات بين الأسر وحتى لا يظهر العقوق بين الآباء والأبناء.

من جانبه يشير المستشار فريد نصر رئيس محكمة الجنايات بالقاهرة إلى أن الولاية على الزواج هي حق شرعي ينفذ بمقتضاه الأمر على الغير وتنقسم الولاية إلى ولاية عامة وولاية خاصة، والخاصة تتمثل في النفس والمال والنفس وهي ولاية الزواج، موضحاً أن جميع العلماء اتفقوا على أن المرأة لا تزوج نفسها ولا ينعقد العقد إلا بوجود الولي أي أن العقد لا يعقد إلا بإذن وليها واستدلوا على ذلك بحديث الرسول «لا نكاح إلا بولي».

وقول السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل»، وإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن حدث خلاف بينهم فالسلطان القاضي ولي من لا ولي له، أما الإمام ابي حنيفة وأبو يوسف في المذهب الحنفي خرج عن رأي جمهور العلماء وقال إن المرأة العاقلة البالغة لها الحق في مباشرة العقد لنفسها سواء كانت بكراً أو ثيباً.

وقال: إلا إنهم أشاروا إلى أن وليها هو العاصب، الذي يرث في المرأة ويستطيع أن يطعن ويعترض علي زواجها في حالتين إذا زوجت نفسها بغير كفء، أو كان مهرها أقل من مهر المثل لأن الولي يلحقه العار من أن المرأة تتزوج من شخص غير كفء فيرفع الأمر للقضاء ويفسخ العقد.

ويرى أنه إذا كان المهر أقل من مهر المثل يستطيع الزوج أن يوقف حكم فسخ العقد ويكمل مهر المثل، لقوله تعالي: «فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره»، وكذلك اتفق العلماء على أن المرأة غير البالغة لا يصح زواجها إلا بولي، أما البالغة العاقلة فيرى جمهور الفقهاء بضرورة إذن وليها أما أبي حنيفة وأبو يوسف أجازوا زواجها بنفسها بدون إذن وليها وكل ما للولي إذا وجد أن الزواج غير كفء أو أن مهرها أقل من مثلها أن يعترض، لأن العار يلحق بالولي، وأياما كان الأمر سواء كان لها حق زواج نفسها بنفسها أو بدون إذن وليها فلابد أن تستأذن المرأة قبل أن يعقد الولي الزواج، لأن الزواج معاشرة لا تدوم إلا بالتراضي.