يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النجم: (والنجم إذا هوى،ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، علمه شديد القوى). 1-5.
لذلك كان اختيار زوجات النبي اختيارا إلهيا، كرمهن الله سبحانه وتعالى بصحبة و عِشرة هذا النبي الكريم، وجعل هذا التكريم تكريماً أبدياً في الدُنيا والآخرة، وكيف لا، وقد جعلهن سبحانه وتعالى أمهات للمؤمنين والمؤمنات كافة منذ ارتباطه بهن وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، فيقول سبحانه: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم). الأحزاب 6.
وقد كانت لهذه الأمومة تكاليفها ومسؤولياتها، تلك المسؤولية التي تجعل من تصرفاتهن القدوة الحسنة لكل المسلمات على وجه الأرض، ليس في زمانهن وحده بل لكل زمان يأتي من بعدهن على الإطلاق.
ونساء النبي صلى الله عليه وسلم خصهن الله سبحانه وتعالى من البداية بأحكام وتشريعات انطبقت عليهن خاصة دوناً عن غيرهن، فقد حُرم عليهن أن يتزوجن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا يقول الله سبحانه وتعالى : (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) الأحزاب 93.
وقد كان أجرهن مضاعفا في الثواب والعقاب فيقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً إياهن: (يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يُضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا، ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقاً كريما). الأحزاب 31. ويتبين لنا من ذلك أن زوجاته صلى الله عليه وسلم لم يكن كأي نساء بل كن خيرة نساء عصرهن وأفضل نساء قومهن، وقد كُن من أقوام شتى، فمنهن العربية، ومنهن اليهودية، ومنهن المسيحية.
وكذلك كان للتشريع للزواج منهن أسباب شتى، كالزواج من السيدة «زينب بنت جحش» التي أُلغى بزواجه منها حكم التبني وأصبح محرماً في الإسلام، وللتوفيق بين القبائل والصلح بينها وذلك يبدو جلياً في زواجه من السيدة «جويرية بنت الحارث» وهكذا فقد شُرع لنبينا الكريم الزواج من أكثر من واحدة على هذا النحو، لسبب خاص اختصت كل واحدة منهن، وسوف يتضح ذلك في سردنا لقصة كل واحدة من أمهات المؤمنين على حدة رضي الله عنهن جميعاً وأرضاهن، وجعل لنا فيهن الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة.
تتناول قصتنا اليوم سيرة أولى أمهات المؤمنات بعد رحيل السيدة الجليلة (خديجة) التي ظل النبي متأثراً برحيلها ولم يتوقف عن تذكرها والوفاء لذكراها وظل عاكفاً عن الزواج بعدها لمدة عامين، ولما رأى الصحابة ما برسولهم من حزن فأشفقوا عليه من هذه الوحدة فأشاروا عليه أن يتزوج، وجاءته السيدة «خولة بنت حكيم السلمية» زوجة الصحابي «عثمان بن مظعون» وعرضت عليه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج، ولما سألها قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، والثيب هي من مات عنها زوجها.
والبيئة الجاهلية في ذلك الوقت كانت إحدى عاداتها التعدد بغير حساب، ومع ذلك فقد مكث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين عاما لم يعرف بيته التعدد ولم تعرف حياته الزوجية إلا واحدة.... ولما تُوفيت رضي الله وكان رسول الله في حوالي الثانية والخمسين، كانت البيئة على حالها إلا أن الإسلام قد حدّ من عدد النساء اللاتي تحت عصمة الرجل الواحد، وشرع العدد بأربع فقط بعد أن كان الرجل الواحد في حوزته أكثر من عشر أو خمس عشرة امرأة..!
وذهبت السيدة خولة إلى بيت السيدة سودة بنت زمعة بن قيس العامرية لتستطلع رأيها.... وكانت السيدة سودة زوجة لأحد المسلمين الأوائل وهو السكران بن عمرو، وقد هاجرت معه إلى الحبشة ولما أحس السكران بدنو أجله عاد إلى مكة، واشتد به المرض حتى مات بمكة، ودُفن بها.
لم يكن للمرأة قبل الإسلام الحق في أن ترث زوجها، بل قد تكون هي نفسها إرثاً لإحدى أبنائه من زوجات غيرها، وكان التشريع الإسلامي في بداياته، فلم يكن لسيدتنا سودة بنت زمعة بيت ولا مأوى، إلا بيت أبيها الذي لم تشرق على قلبه أنوار الإسلام بعد....فعادت وهى المسلمة المؤمنة المهاجرة إلى بيت مازال يعبد الأصنام، بل وأكثر من ذلك، أخ من أشد الناس كفرا، وتعصباً ضد الإسلام..!
لكن الله سبحانه وتعالى ما كان ليرضيه أن يحدث ذلك بمؤمنة فأوحى إلى رسوله بالزواج من سودة، والتي أثار الزواج بها الكثير من المشركين، والذين تعجبوا أشد العجب لهذا الزواج فلم تكن رضي الله عنها ذات شباب ولا جمال...حتى أن سيدتنا سودة نفسها تعجبت هي أيضا عندما دخلت عليها من تريد أن تخطبها لرسول الله حين قالت لها: «ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة يا سودة؟
فسألت سودة وهي لا تدري مرادها: وماذا يا خولة؟
قالت أرسلني رسول الله أخطبك عليه..؟!
وجاهدت السيدة سودة نفسها وربما طلبت منها إعادة ما قالته مرة أخرى، ولما تأكدت مما سمعت قالت لها وددت... أي وافقت.. ادخلي على أبي واذكري له ذلك.
ولعلنا نلحظ هنا احترام السيدة سودة لأبيها رغم أنها كانت أرملة وكبيرة السن إلا أنها لم تنس فضل أبيها وفضل استئذانه، قبل أن تبت في شيء من شؤونها.
كما أننا نذكر رحمة الرسول الكريم بالمؤمنين والمؤمنات، وكيف أن زواجه من هذه السيدة الكريمة لم يكن بدافع من الرغبة ولا بغرض من أغراض الدنيا، بل كان بدافع من الرحمة أن تُفتن هذه المؤمنة في دينها، فما كادت خولة بنت حكيم تذكرها له حتى مد يده الرحيمة إليها تسند شيخوختها، وتهون عليها ما ذاقت من قسوة الحياة، ولعلنا هنا نسمع عن أخي السيدة سودة الذي كان غائباً في سفر حين تزوجت أخته وكان مازال مشركاً إلى أن هداه الله فكان يقول بعد إسلامه : «إني لسفيه يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوج رسول الله من أختي...».
عُرف عنها رضي الله عنها الشيء الكثير من خفة الظل، ففي مرة صلت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل فقالت له:
«صليت خلفك الليلة يا رسول الله فركعت حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم». عاشت رضي الله عنها حتى أسنت عند رسول الله فخشيت أن يفارقها أو يُطلقها فجعلت يومها لعائشة ونزل فيها قول الله تعالى: «وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير..» النساء128.
وقد قالت لرسول الله حينئذٍ: «والله ما بي على الأزواج من حرص، ولكنى أحب أن يبعثني الله يوم القيامة زوجا لك».
عاشت رضي الله عنها حتى عمّرت إلى المئة وتوفيت بعد خلافة عمر بن الخطاب.
ولعلنا نلحظ في قصة هذه السيدة الكريمة مدى محبة الله سبحانه وتعالى لها، فقد أكرمها بالزواج من خيرة خلقه، واهتم بشأنها حتى بعد زواجها وأنزل فيها قرآناً، وذلك كله لا لشيء غير أنها أخلصت في عبادتها، وحافظت على صلاتها، وأطاعت كلام ربها، فكانت من أهل الصلاح والتقوى فشرفها ربها بأن جعلها من بيت أهل النبوة تُروى سيرتها العطرة على مر العصور فصلاة الله وسلامه عليكم أهل البيت واللهم اجعل لنا في سيرتهم العبرة والموعظة الحسنة.
إعداد ـ جيهان محمود