أكد عبدالله شليفر، الأستاذ المساعد في معهد الشرق الأوسط وأحد أبرز الصحافيين المحنكين الذين عملوا في تغطية أخبار الشرق الأوسط لدى عدد كبير من وسائل الإعلام العربية والأميركية على امتداد 30 عاما أن الإعلام السيئ يتسبب في شيوع نظرية المؤامرة في الشارع العربي التي بدورها تقود إلى العزوف عن المشاركة السياسية. وفي حوار أجرته معه «البيان» على هامش منتدى الإعلام العربي، تطرق شليفر، الذي عمل رئيسا لمكتب العربية في واشنطن، إلى المشكلات التي تواجه الإعلام العربي وسبل حلها وطبيعة العلاقة بين الإعلاميين العربي والغربي. وتاليا نص الحوار:
* هناك ما يمكن وصفه بعلاقة متناقضة المشاعر تجمع بين الكره والحب بين الغرب، لاسيما الولايات المتحدة الأميركية من جهة والإعلام العربي، لاسيما القنوات الفضائية من جهة أخرى. كيف ترى تلك العلاقة بوصفك مقيما في الشرق الأوسط وتتمتع بخبرة طويلة مع الإعلام الغربي؟
ـ أولا أريد البدء بالجانب العربي. فعدد كبير من العاملين في مجال الإعلام العربي لاسيما القنوات الفضائية يعلمون أن مفهوم حرية الإعلام هو مفهوم غربي في الأساس. على سبيل المثال نجد أن عددا كبيرا من القائمين على قناة «الجزيرة» الفضائية تلقوا تعليمهم المهني واكتسبوا خبرتهم الكبيرة في هذا المجال من واقع عملهم في الإعلام الغربي من قبل، لاسيما في بريطانيا وبالتحديد في هيئة الإذاعة البريطانية.
هؤلاء يعلمون جيدا أن الإعلام الغربي هو الأفضل في العالم، ويعلمون في أن الدقة في استقاء المعلومات والموضوعية في عرض المواضيع وعدم عرض رأي على حساب رأي آخر هي عناصر تمثل أساس الإعلام الصحيح. والإعلاميون العرب أنفسهم يعلمون أن كل تلك العناصر متوافرة في الإعلام الغربي ومن ثم ترى أن علاقتهم قوية بنظرائهم الغربيين.
ولكن في الوقت ذاته هناك حالة من عدم الرضاء عن السياسة الأميركية في العالم بشكل عام وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. النخبة العربية من إعلاميين ومفكرين عرب تقدر نواح كثيرة في الثقافة الأميركية، مثل نظام التعليم ونظام الرعاية الصحية وقدرة الدولة على استيعاب أجناس كثيرة داخل مجتمعها من دون أن تكون هناك المشكلات التي تعاني منها أوروبا في هذا الصدد.
المسلمون في أميركا، سواء الأفارقة أو هؤلاء الذين يأتون من دول آسيوية أو لاتينية، بعضهم يملك من الثروات ما لا يملكه المواطن الأميركي ذاته. إنهم ينظرون إلى أميركا باعتبارها أرض الفرص. لك أن تعلم أن منفذي أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم يأتوا من أميركا باستثناء واحد أو اثنين في حين أن منفذي هجمات بريطانيا جاء معظمهم من داخل البلد..
باختصار يمكن القول إن هناك تقديرا للثقافة الأميركية ولكن في الوقت ذاته هناك امتعاض من السياسة الأميركية . جميع الإدارات الأميركية السابقة كأن ترى الأمور أولا من منظور إسرائيلي يهودي ولكن ما حدث على أيدي الإدارة الأميركية الحالية هو غير مسبوق وأوجد حالة غير مسبوقة من الكره بسبب انحيازها غير الطبيعي لوجهة النظر الإسرائيلية.
وحتى عندما يكون لدى هذه الإدارة مبرر في القيام بخطوة ما، فإنها تفرط في أداء المطلوب منها إلى درجة تأتي بنتائج عكسية. وخير مثال على هذا هو الحرب في أفغانستان، حيث كانت أميركا تحظى بدعم دولي حتى من قبل الدول العربية ولكنها أفرطت في أداء المطلوب منها إلى درجة أضرت بمكانتها. ثم انظر في الفارق بين ما حدث أثناء إدارة بوش الأولى عندما تم غزو العراق بسبب غزوها للكويت وما حدث في حرب العراق الأخيرة.
* ألا يوجد هناك أمل في إيجاد تفاهم أكبر بين الجانبين؟
ـ في أميركا هناك محاولات تُبذل من قبل مؤسسات عدة تضم أطرافا معتدلة من أجل تقريب وجهات النظر مع المنطقة العربية. بالفعل هناك محاولات لم يسبق لها مثيل تشترك فيها شخصيات كبيرة مثل وزيرة الخارجية الأسبق مادلين ألبرايت وغيرها لجسر الهوة مع العرب وإيجاد بديل لتحسين العلاقات لأنهم يعلمون أن هناك أزمة واقعة بالفعل. هناك شخصيات بارزة يحذرون من خطوة الهجوم على إيران مثل بريجينسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق.
* وكذلك سيمور هيرش.
ـ نعم وسيمور هيرش، لكن هيرش أنت تعلم أنه سينتقد الحكومة الأميركية مسبقا ولكن أن يأتي النقد من شخصية مثل بريجينسكي فهذا هو الجديد في الأمر. هناك كتاب جيمي كارتر الأخير عن الصراع العربي الفلسطيني ومهاجمته للوبي الصهيوني. مثل هذا الكتاب لم يكن ليصدر بهذه الصورة منذ 10 أعوام لأن اللوبي الصهيوني كان سيمنعه. غير أن سياسة الحكومة الأميركية الحالية حطمت كل القيود الإعلامية. وذلك بصرف النظر عن كون كارتر هوجم بعد ذلك وبقوة، لأن مثل هذا الكتاب ما كان ليصدر بهذا الشكل قبل 10 أعوام.
* ولكن ألا ترى في الوقت ذاته أن الإعلام الأميركي مختلف الآن عن الإعلام الأميركي الذي أسقط الرئيس الأسبق نيكسون بسبب فضيحة ووترغيت على الرغم من أن الجميع يعلم أن ما يفعله بوش الابن الآن هو أكثر خطورة مما كان يفعله نيكسون.
ـ الأمر مع نيكسون كان مختلفا. نيكسون كان شخصية مكروهة. فهو قد استعدى الجميع وكان الجميع ينتظر له سقطة ليسقطه. ووتر غيت لها خلفية يجب أن يعلمها الجميع وهي أن كل الصحف حصلت على معلومات الفضيحة من مصدر رفيع في الاستخبارات الأميركية وكل الأطراف تعاونت للإطاحة بنيكسون بمن فيهم رجال المخابرات لأنه كان قد استعدى وكالة «سي آي إيه» ومكتب التحقيقات الفيدرالي في آن واحد وكان يريد تكوين جهاز استخبارات خاص به هو وحده يستطيع من خلاله التجسس على الحزب الديمقراطي.
لقد كان نيكسون يعاني من جنون العظمة. الأمر مع بوش مختلف. فالإعلام الأميركي يحب بوش ولكنه يكره سياسته. أما نيكسون وعلى الرغم من أنه حقق الكثير من الإنجازات السياسية إلا أنه كان مكروها. ولذا فعندما سقط انتهز الإعلام الفرصة وأطاح به. وسائل الإعلام الآن تقول إن ديك تشيني كاذب وتسرد كل أكاذيبه المتعلقة بالعراق.
* ولكن مع احترامي لرأيك، فإن الصحف الأميركية الكبرى مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» غدت مثل صحفنا القومية التي تنحاز بشكل أعمى للإدارة الأميركية؟
ـ هذا غير صحيح فعندما تقول المعارضة شيئا فإنه يُعرض في الصفحات الأولى لتلك الصحف.
* هذه هي الأخبار، لكنني أتحدث عن أعمدة الرأي والافتتاحيات التي تعبر عن شخصية وتوجه الصحيفة وتؤثر في الناس بشكل أكثر.
ـ الافتتاحيات دائما لها حساباتها الخاصة ولكن ما أريد التأكيد عليه هو أن الوضع الآن تغير عما كانت عليه الحال في بداية حرب العراق ، حيث توجد حملة شرسة ضد الحرب.
* هذا بعد أن بدأت تعود جثث الجنود الأميركيين من العراق وأفغانستان.
ـ هذه الأكفان غيرت من انفعالات الشعب ولكن الكذب هو الذي غيّر من اتجاه الإعلام. فالصحف الأميركية هي التي كشفت النقاب عن فضائح سجن أبو غريب على سبيل المثال. فالصحافة الأميركية قد تغيرت في الفترة الأخيرة ليس على مستوى العراق فحسب وإنما على مستوى مسارات السلام العربية الإسرائيلية. نعم لدينا محطات مثل «فوكس» التي تتبنى توجهات متشددة، ولكن لدينا في الوقت ذاته قنوات أخرى تعبر عن وجهات نظر معتدلة.
* هذا يقودني إلى سؤالك عن منظورك لمشكلة الإعلام العربي؟
ـ منذ 15 عاما كان التلفزيون العربي هو الأسوأ بين كل الأبواق الإعلامية الأخرى على الإطلاق. وأنا هنا أتحدث عن التلفزيون المصري بشكل خاص من واقع أنني أقيم في مصر منذ فترة طويلة. منذ 15 عاما لم يكن لدى التلفزيون أي مراسل في الخارج. كانوا يعتمدون على نشرات وكالة أنباء الشرق الأوسط فحسب.
مصر ودول الشام بشكل خاص تأثرت سلبا بالنموذج الفرنسي في الإعلام بسبب الاحتلال. هذا النموذج الفرنسي يختلف عن نظيره الأنجلو ـ ساكسوني في كونه إعلام حزبي في حين أن الإعلام الأنجلو-ساكسوني يقوم على التفريق بين الخبر والتحليل والافتتاحية.
كل الصحف الفرنسية وقتها كانت إما يسارية أو يمينية أو تتبع حزب الوسط. في حين كان الإعلام الأنجلو ساكسوني كان يعرض ما تقدمه الحكومة بدقة على الرغم من اختلافه معها. كان من المفترض أن تكون الصحافة العربية أكثر دقة في العالم من واقع أنها تعتمد على الثقافة الإسلامية، التي بدورها تقوم على النقل الدقيق لأحاديث الرسول محمد (ص). ولكن هذا لم يحدث. فقد طغى الأسلوب على المحتوي وفن زخرفة الحديث على الحقيقة..
* هذا يقودني للحديث عن هامش الحرية في الإعلام العربي ودور الحكومات.
ـ بالطبع أمر سيء أن تتدخل الحكومة في عمل الإعلام وهذا ما نراه في العالم العربي وهذا أمر معلوم. ولكن النقطة التي أريد التأكيد عليها هي أنه يجب أن يكون هناك رقابة ذاتية وهذا غير موجود في العالم العربي بشكل كبير ويتجلى من خلال الصحف الصفراء التي تفتقد ثقة القارئ على الرغم من أنها بعيدة عن قبضة الحكومة.
* كيف تقيّم التأثير السلبي للإعلام العربي في الشارع العربي؟
ـ الأثر بالغ الضرر بلا جدال. الإعلام السيئ يولد ما يمكن وصفه بنظريات المؤامرة. هذه النظريات تتسبب في عزوف الشعب عن المشاركة السياسية كما يتضح في معظم البلدان العربية. الأثر الثاني هو اللامبالاة الأخلاقية كما يتضح في التعامل مع قضية دارفور الآن وما حدث في العراق إبان حكم صدام حسين من إبادة للشيعة.
لقطات من المنتدى
حفل توزيع الجوائز على الفائزين استغرق نحو 30 دقيقة وبدأ في الرابعة بعد الظهر.
مي تسلمت جائزة التكريم الخاص لوالدها الكاتب العربي اللبناني جوزيف سماحة وسلمها لها طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة السفير الذي ألقى كلمة قصيرة وجه فيها الشكر لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولنادي دبي للصحافة.
وألقت مي كلمة شكرت فيها دبي الأرض الطيبة وقامت بعد ذلك بمصافحة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وتوجيه الشكر له.
بدأ الحفل بتقرير تليفزيوني سريع عن أهم الأحداث في العالم العربي خاصة احداث العراق وفلسطين ولبنان والجزائر ومصر والكويت والبحرين والامارات.
مريم الفلاسي قدمت الحفل وكانت كالعادة متألقة في تقديمها للضيوف والفائزين.
