تمر دول الشرق الأوسط حالياً بفترة ازدهار اقتصادي، لقد تخطت معدلات النمو الاقتصادي المسجلة خلال السنوات الثلاث الأخيرة كل تلك المسجلة في المنطقة منذ النمو الهائل للطفرة النفطية الأخيرة في السبعينات. لا عجب في أن تكون نتائج سوق العمل في هذه البيئة إيجابية.

وتخطى نمو التوظيف ككل نمو القوى العاملة، بينما انخفضت البطالة الإقليمية. واستناداً إلى مصادر البنك الدولي، وصلت نسبة البطالة الإقليمية إلى 15% من القوى العاملة في عام 2000، وبحلول 2005، كانت نسبة البطالة قد انخفضت إلى 13 بالمئة، ونفترض أنها استمرت في الانخفاض خلال السنة الماضية.

بالرغم من هذا التقدم، يبقى التحدي الأكبر والأهم في إيجاد فرص عمل في المنطقة، خاصة بالنسبة للنساء والشباب. لا تزال معدلات البطالة في الشرق الأوسط الأعلى من بين الدول النامية، باستثناء إفريقيا جنوب الصحراء.

بالإضافة إلى ذلك، تشير الدلائل إلى أن القطاع العام كان مسؤولاً عن خلق أكبر نسبة من الوظائف في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، إما من خلال التوظيف مباشرة في القطاع العام، أو بصورة غير مباشرة من خلال الإنفاق العام وتقديم الدعم المالي للعمالة. وليس بالضرورة أن تكون هذه الوظائف منتجة، وتعتبر استمرارية الوظائف التي خلقها القطاع العام على المدى البعيد، حتى ضمن سياق الإيرادات النفطية العالية، أمراً مشكوكاً فيه.

يجب فهم نتائج سوق العمل الإقليمية ضمن سياق الخصائص السكانية الإقليمية ونمو عرض اليد العاملة. في السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة نمواً هائلاً للقوى العاملة، لأن الأطفال الذين ولدوا في فترة النمو المرتفع للسكان في السبعينات والثمانينات وصلوا الآن إلى سن العمل. فبين عام 2000 و2005 فقط، أضيف إلى القوة العاملة ما يقارب 20 مليون شخص، بمعدل نمو سنوي يساوي 6 ,3 بالمئة.

معدل النمو هذا أعلى بكثير من معدلات نمو القوى العاملة في الدول النامية الأخرى وأعلى من تلك التي سجلت في مناطق مثل أميركا اللاتينية وشرق آسيا منذ الخمسينات. يتوقع أن تنخفض معدلات نمو القوى العاملة الإقليمية وإجمالي عدد الوافدين إلى السوق، مع ذلك ستبقى مرتفعة في المستقبل المنظور. وستشهد المنطقة حوالي 6,3 ملايين وافد جديد في السنة على مدى الـ 15 سنة المقبلة.

إن الضغوط الاقتصادية المرتبطة بمعدلات عالية لعاملين جدد من فئة الشباب تُعزز بالاتجاهات المتغيرة للمشاركة في سوق العمل. والواقع أن حصة الراغبين في تأدية دور ناشط في سوق العمل تكبر، وإن الموظفين الشباب في الشرق الأوسط يزدادون تعلماً ولديهم توقعات متزايدة فيما يخص الوظيفة ومستوى العيش.

هذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى النساء، فبينما بقيت معدلات مشاركة القوى العاملة للرجال مستقرة، ازدادت نسبة المشاركة بالنسبة للنساء. في عام 2000، المشاركة الإقليمية للقوى العاملة من النساء قدرت بـ 5, 27 بالمئة من مجموع النساء في سن العمل. وبحلول 2005 ازداد هذا الرقم ليصل إلى 5, 30 بالمئة. خلال هذه الفترة، نمت القوى العاملة للنساء في المنطقة بمعدل سنوي قدر ب1,5 بالمئة.

ما زالت الاقتصادات الإقليمية تواجه مشكلات في إيجاد وظائف منتجة للعديد من هؤلاء النساء، ومعدلات بطالة النساء في الشرق الأوسط تقريباً ضعف معدلاتها بالنسبة للرجال. تشكل النساء فقط 21 بالمئة من إجمالي القوى العاملة،

وعلى الرغم من ذلك فهن يمثلن حوالي نصف العاطلين عن العمل. النتائج متشابهة بالنسبة للشباب في المنطقة، فالبطالة بين الفئات التي تتراوح أعمارهم بين 15 ـ 24 سنة تعتبر ضعف البطالة المسجلة بين القوى العاملة الإجمالية، والبطالة لشباب المنطقة تتراوح بين 2 ,23 بالمئة بالنسبة إلى إيران، وحوالي 4, 47 بالمئة بالنسبة إلى الجزائر، بينما قدر معدل البطالة مؤخراً في دولة الإمارات العربية المتحدة بحوالي 60 بالمئة.

كما تخفي التغيرات الإيجابية الحالية في معدل البطالة في المنطقة تنوع التجارب داخل كل دولة. وتأتي النتائج الإيجابية لسوق العمالة خلال الطفرة النفطية الحالية بشكل كبير من انخفاض معدلات البطالة في الدول النفطية الغنية.

على سبيل المثال، تمكنت كل من الجزائر وإيران، بفضل مصادرهما النفطية العالية، من الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط لخلق وظائف جديدة. وانخفضت معدلات البطالة في الجزائر من 8, 29 بالمئة سنة 2000 إلى نسبة قدرتها التقارير ب3 ,15 بالمئة سنة 2005، وفي الفترة نفسها، انخفضت نسبة البطالة في إيران من 8, 13 بالمئة إلى 0, 11 بالمئة.

كذلك، ازدادت نسبة خلق فرص العمل في دول الخليج، لكن طبيعة تجزيء سوق العمل في هذه الاقتصادات ـ بين المواطنين وغير المواطنين من جهة وبين القطاع العام والخاص من جهة أخرى ـ يعني أن البطالة بين المواطنين تبقى مشكلة خطيرة.

ورغم تفاوت التقديرات، تشير البيانات الحديثة عن دول الخليج إلى أن البطالة بين المواطنين قد تصل إلى 4, 12 بالمئة في البحرين و3, 8 بالمئة في السعودية و0, 10 بالمئة في عُمان و6 ,11 في قطر و15 بالمئة في الإمارات العربية المتحدة.

إن نتائج سوق العمل للاقتصادات غير النفطية ومستوردي النفط الصافي في المنطقة مختلفة تماماً مقارنة مع نتائج الاقتصادات النفطية، فمعدل البطالة في مصر ارتفع من 0, 9 بالمئة إلى 0, 11 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية، ومعدل البطالة في الأردن ارتفع من 2, 13 إلى 6, 14 بالمئة.

أما سوريا، التي تحافظ على قدرة إنتاج نفطية كبيرة لكنها تتحول بسرعة إلى مستورد نفطي صافي، فقد شهدت ارتفاعاً في نسبة البطالة من 2, 11 بالمئة عام 2000 إلى 3, 12 بالمئة عام 2005. كذلك الحال بالنسبة إلى اليمن، وهي أيضاً دولة نفطية تواجه انخفاضاً كبيراً في احتياط النفط، شهدت ارتفاعاً في نسبة البطالة من 5, 11 بالمئة عام 2000 إلى 3, 16 بالمئة سنة 2005.

في الاقتصادات غير النفطية في المنطقة، لم نشهد نتائج إيجابية لسوق العمل إلا في المغرب وتونس بين عامي 2000 ـ 2005، حيث انخفض معدل البطالة من 22 إلى 3 ,18 بالمئة، ومن 4 ,15 إلى 2 ,14 بالمئة على التوالي. وتعكس النتائج الإيجابية هذه إلى حدّ بعيد واقع المغرب وتونس، وهما الأكثر تنوعاً في المنطقة وتتمتعان بأكثر معدلات نمو القوى العاملة انخفاضاً في المنطقة ـ لأنهما كانتا من أولى الدول التي حدّت من النمو السكاني في المنطقة.

رسالة لندن ـ هبة القدسي

بقلم: بول داير - الخبير الاقتصادي ـ كلية دبي للإدارة الحكومية