من بين أكبر المشكلات التي تهدد النظام التعليمي هي حالة الخصومة القائمة بين البيت والمدرسة، ما يجعلنا نتطلع لآلية مغايرة أداتها شراكة فاعلة على أرض الواقع كما هو متبع في المجتمعات المتقدمة، بعدما كشفت استبانة أن 50% من أولياء الأمور لا يسألون أبناءهم عن بطاقات الدرجات و40% من الطلاب يقضون وقتا طويلا في التحدث إلى أصدقائهم عبر الهاتف، و40% من الطلاب يذهبون إلى النوم بعد الواحدة صباحا.

ولا جدال أن العلاقة بين الطرفين لم تصل في مجتمعاتنا العربية بشكل عام إلى مستوى ما ننشده لهما من شراكة، وإنما يمكن تصنيفها في إطار انفصال بينهما، وبقيت النتيجة التي ترتبت على عدم تفاهمهما، تعثر كثير من الأبناء لنجد أنفسنا أمام الآلاف منهم، ما يدفعنا للتساؤل: لماذا صرنا لهذا الواقع، وما هو الحل للخروج من نفق مظلم يرنو إلى لغة حوار جادة تواكب مصلحة الأبناء.

محمد صالح بداه نائب مدير إدارة العلاقات والتوجيه المعنوي بوزارة الداخلية وصف العلاقة بين البيت والمدرسة بقوله إن البيت يعد اللبنة الأولى في تربية النشء، ويقع عليه العبء الأكبر في خلق علاقة قوية ومتينة ومؤثرة مع المدرسة، معتبرا دور الأسرة فاعل في تنشيط مجالس الآباء وجعلها أكثر أثرا وفاعلية، وكذا توعية الأبناء بأهمية المجالس المدرسية كمجلس الطلاب ودوره في المجتمع المدرسي، والأسرة أيضا منوط بها دعم المدرسة معنويا وماديا لأداء رسالتها على أكمل وجه.

ولفت بداه إلى أن متابعة البيت للطالب يشعره بعدم فك الصلة بينهما بمجرد دخوله المدرسة، وان مشاركة البيت في أنشطة المدرسة من اجتماعات وندوات وغيرها ينعكس أثرا ايجابيا على نفسية الطالب، مضيفا أن على المدرسة المبادرة بإعلام البيت عن أية ملاحظة تخص الطالب دراسيا أو سلوكيا.

فعالية المشاركة

وتابع بداه: عندما كنت أعمل في دبي قبل الانتقال إلى أبوظبي كنت احرص على دائما على زيارة مدارس أبنائي للسؤال عنهم، والآن أتابعهم عبر الهاتف، ومن منطلق إحساسي بأهمية التكاملية بين البيت والمدرسة أحرص على المشاركة بفعالية في اجتماعات المدارس والمنطقة التعليمية، مشيراً إلى دعوته لمشاركة تعليمية رأس الخيمة في ملتقى تعليمي، داعيا أولياء الأمور لتقوية علاقاتهم بمدارس أبنائهم لإشعار إدارة هذه المدارس بالاهتمام وعناية الأبناء ما يجعل المدرسة تتفاعل.

من نتائج ذلك كما يرى بداه، احترام المدرسة وتقديرها للبيت، واحترام البيت وتقديره لدور المدرسة، وخلق جيل فاعل لما فيه خير المجتمع، معربا عن أمله في أن تعزز هذه التكاملية الحتمية بين البيت والمدرسة قوة الدولة، وتساهم في خلق جيل يلعب دور الأب الصالح مستقبلا مع أبنائه مما يؤدي إلى خلق مواطنين منتجين ونافعين لوطنهم.

في وجهة نظرها المغايرة نوعا ما تساءلت محاسن سعادة مديرة مدرسة العالم الجديد الخاصة : لماذا نرسل أبناءنا إلى المدرسة، وما هو الدور الحقيقي للمدرسة، وما حاجتها للأسرة؟، معتقدة أن أبناءنا في هذا العصر لم يعودوا بحاجة فقط للانجاز الأكاديمي العالي والدرجات العالية فقط، مع علمها بأنها أداة الحكم على أداء الطالب والمدرسة، الأمر الذي يعد إجحافا بحق وعقلية الطالب الذي يعرف أكثر مما يعلم وفيه ظلم للمدرسة أيضاً، فيما يحتاج المتعلمون إلى تنمية قدراتهم ومواهبهم الخاصة، وتنمية مهارتهم الحيوية اللازمة للتعايش والعمل في عالم أكثر ما يوصف أنه عالم اقتصادي مادي تحكمه معايير العولمة والانفتاح، مرتئية انه إذا كانت الأسرة مطالبة بدور أكاديمي وحصول ابنها على درجات عالية، فهل بإمكانها إكسابه هذه المهارات التي تحتاج إلى نوع مختلف من الممارسات التربوية؟

واستطردت قائلة : عندما نطالب الأسرة بالتعاون مع المدرسة فما هو المطلوب منها، مجيبة ان المطلوب في الغالب هو حث أبنائها على المذاكرة، مفندة ذلك بانجاز الكثير من المذاكرة والتكليفات، فإما ان يجلس أحد الوالدين مع الابن أو الأبناء أو يتقاسمان العمل فيما بينهما وإن كان للأم نصيب الأسد في هذا العمل إن كانت ظروفهما تؤهلهما لهذه الوظيفة، مشيرة إلى انها وظيفة لطول المدة التي تقضيها مع أبنائها طوال العام الدراسي، وإن كانت الظروف لا تسمح تلجأ الأسرة إلى الاستعانة بمدرس خصوصي أو المعاهد المسائية إلى غير ذلك من وسائل تضر الطالب أكثر مما تنفعه، وكل ما سبق بحسب رأيها ينصب على هدفين المذاكرة وما يصاحبها من حفظ المعارف والمعلومات وإنجاز الأعمال الكتابية.

هرم الأهداف المعرفية

محاسن سعادة أشارت إلى أنه مطلوب من الأسر استكمال عملية التركيز على أدنى مستوى من هرم الأهداف المعرفية لتصبح وسيلة حفظ المعلومات وتذكرها هدفا رئيسيا تعمل عليه كل من المدرسة والأسرة، فيما أصبح الطالب بذلك مجرد وعاء لحفظ المعلومات سرعان ما يفرغ تلقائيا بعد الانتهاء من أقرب اختبار.

مديرة العالم الجديد الخاصة عادت تتساءل: ما هو الدور الحقيقي للمدرسة، وأين التنمية الذهنية للطالب وإكسابه مهارات توظيف هذه المعارف في الفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والتقويم وإنتاج الجديد والابتكار والإبداع والتفكير والدفاع عن وجهة نظره وقدرته على إصدار الأحكام والقرارات في قضايا معينة والمهارات الشخصية والانفعالية ومهارات إعداد البحوث والعمل ضمن فريق، مستفسرة : كيف نربي في الطالب الاعتماد على النفس واستقلالية الشخصية وحرية التعبير وإدراك الذات، ومن المسؤول عن ذلك، وهل بإمكان الأسرة إنجاز ذلك ؟، مجيبة بالنفي لأن هذا العمل كما ترى يحتاج إلى معلمين محترفين ومدرسة واعية لمسؤولياتها تتبنى رؤية طموحة وسياسات ومنهجيات عمل مخططا لها بعناية.

محاسن سعادة كمديرة مدرسة لا تطالب ولي الأمر ـ المشغول غالبا رغما عنه ـ بأي دور الذي يكون في الغالب استكمالا لدور المدرسة الاكاديمي ،معتقدة أن عدد أيام العام الدراسي وإن كانت أقل نسبيا مما هي عليه دوليا، فهي بنظرها كافية لانجاز المناهج وتحقيق أهدافها داخل أسوار المدرسة شريطة تعديل منهجيات معالجة المناهج والأهداف التربوية وشرط انتقاء ودراسة الأنشطة المصاحبة التي تعزز تحقيق هذه الأهداف.

مديرة العالم الجديد الخاصة ترى في ضوء ما تقدم ان الأسرة غير مطالبة بأي دور على الصعيد الاكاديمي أو الدراسي لأن هذا البند أحد مسؤوليات المدرسة، والمطلوب من الأسرة العناية بتربية أبنائها تربية صالحة، ومراقبتهم خلال فترة وجودهم في البيت وتهيئتهم للمدرسة والتأكد من قيامهم بواجباتهم بأنفسهم ومن تحضير كتبهم ودفاترهم والأدوات اللازمة، مشيرة إلى ان ذلك بحد ذاته عمل عظيم، وإن قامت المدرسة والأسرة بدوريهما وفق ما تقدم فلن يكون نفق العلاقة بينهما مظلما.

عجلة الحياة

جلال إبراهيم معلم الكيمياء بثانوية المعارف بدبي شخص الحالة التي آلت إليها العلاقة بين البيت والمدرسة انطلاقا من موقف مر به خلال عمله قال عنه: جاء إلى إحدى المدارس التي عملت بها يوما ما ولي امر طالب يدرس عندي، وفي يده بطاقة درجات ابنه الذي حصل على درجة متدنية في مادة الكيمياء في نتيجة آخر العام الدراسي، وطلب من إدارة المدرسة مساعدته في رفع درجة ابنه حتى ينجح، لحظتها انتابني شعور بالدهشة عندما علمت أن ولي الأمر يشغل موقعا وظيفيا متقدما، فأخبرته إدارة المدرسة ان الأمر قد حسم ولا مجال لرفع درجة الابن.

مدير المدرسة سأله مندهشا : ألم يكن من الأجدر بك متابعة ابنك من بداية العام الدراسي، أليس متأخرا جدا حضورك إلى المدرسة في هذا الوقت؟

وتابع: لاشك ان الجميع لديهم أعمالهم التي تأخذ جل وقتهم، وعجلة الحياة تدور بلا رحمة ولكن، الا يستحق فلذات أكبادنا أن نعتني بهم ونرعاهم لنرى فيهم غدا أفضل، ألا يجب على كل منا ان يقتطع بعض وقته ليشعر أبناءه بمتابعته لهم واهتمامه بأمرهم؟!

جلال يضيف : في الوقت الذي نرى فيه البعض وقد شغلتهم الحياة عن متابعة دراسة أبنائهم نرى آباء حرصوا كل الحرص على الحضور إلى المدرسة على فترات متقاربة للاستفسار عن أحوال أبنائهم وتحصيلهم الدراسي وانضباطهم وسلوكهم داخل الصف ما يبعث على الرضا والارتياح، لافتا إلى أن العلاقة التكاملية الحتمية بين البيت والمدرسة شغلته كثيرا فأعد استبانة أراد بها الوقوف على مدى التعاون بينهما لما فيه مصلحة الطالب.

وأوضح معلم الكيمياء بثانوية المعارف أنه حلل نتائج الاستبانة وأذهلته نتائجها التي جاءت على النحو التالي: 25% من الطلاب لا يسألهم أحد في البيت عما درسوه في يومهم الدراسي، و30% من الطلاب لا يسألهم أحد عما كلفوا به من واجبات، ونحو 50% لا يجدون من يعاونهم في الإجابة عن واجباتهم، ونحو 50% آخرون لا يسألهم احد في البيت لم تأخرت في العودة إلى البيت عندما يخرج مساء، و40% من الطلاب يقضون وقتا طويلا في التحدث إلى أصدقائهم عبر الهاتف، و40 % من الطلاب يذهبون إلى النوم بعد الواحدة صباحا، و50 % فقط من أولياء الأمور يسألون أبناءهم عن بطاقات الدرجات، و40 % آخرون تتم متابعتهم في المدارس بواسطة الأم.

محمد عبيد محمد ولي أمر طالب بالصف العاشر قال إنه يحرص على توصيل ابنه إلى مدرسته صباحا، والذهاب لأخذه إلى البيت نهاية اليوم الدراسي، وكذا يحرص على السؤال عنه لدى الإدارة ومعلميه اطمئنانا على مستواه التحصيلي وسلوكه داخل المدرسة، مدركا محاولته أن يجعله يدرك معه أهمية التسلح بالعلم والحصول على أعلى الدرجات العلمية.

وعن خروج ابنه في المساء أشار إلى انه مهتم جيدا بمعرفة مع من يخرج، إلى جانب حرصه على عودته قبل الثامنة مهما كانت الظروف، ولا ينسى أبدا سؤاله عن واجباته ومتابعته للتأكد من أدائه لها.

ولي الأمر المثالي.. ولكن

يقترح جلال إبراهيم لتفعيل التكاملية الحتمية بين البيت والمدرسة وصولا إلى بناء جيل واعد ضرورة اختيار توقيت مناسب ومدروس بعناية تامة لاجتماع أولياء الأمور في المدارس لضمان حضور اكبر عدد ممكن منهم، وتخصيص 20 درجة من درجات سلوك الطالب لحضور ولي الأمر إلى المدرسة بحيث يمنح الطالب هذه الدرجات حال حضور ولي أمره كل فصل دراسي، إلى جانب قيام إدارة المدرسة في نهاية العام الدراسي باختيار ولي الأمر المثالي والمتميز وتكريمه تشجيعا لغيره على التواصل مع المدرسة، وإعداد مطوية في نهاية العام الدراسي متضمنة أنشطة مدرسية لتجسيد وتعميق الصلة بين البيت والمدرسة، تشتمل على صور ومقتطفات لأكثر أولياء الأمور نشاطا وتفاعلا مع إدارة المدرسة على مدار العام الدراسي.

تحقيق: يحيى عطية