حذر تقرير اقتصادي عربي من ان الدول العربية سوف تواجه أزمة مياه حادة في المستقبل وبدرجات متفاوتة. ويؤكد التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2006 والذي تصدره الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وصندوق النقد العربي ومنظمة الاوابك والصندوق الاقتصادي والاجتماعي العربي ان هذا الوضع الخطير يتطلب العمل على تكثيف التعاون العربي المشترك في مجالات الاستغلال الأمثل للموارد المائية المتاحة وتنميتها وتحسين استخدامها وذلك من خلال تحسين كفاءة شبكات الري،
وترشيد ضخ المياه من الأحواض المائية الجوفية، والتركيز على زراعة المحاصيل ذات القيمة العالية والتي تستهلك كميات قليلة من المياه ويكون عائدها الاقتصادي اعلى، والتوسع في استخدام التقانات الحديثة في تنمية الموارد المائية البديلة من المصادر غير التقليدية كمعالجة مياه الصرف الصحي للأغراض الزراعية، وتحلية المياه لاغراض الشرب.
كما يمكن للتعاون العربي ان يشمل في هذا المجال، المسوحات اللازمة لتقييم المخزون من المياه الجوفية في الأحواض المشتركة بهدف استثمارها، اضافة إلى البحوث العلمية المتخصصة في مجال ترشيد استخدام مياه الري، والحد من الهدر، ونقل المياه، والتعاون بين محطات البحوث الزراعية لإدخال التقانة الحديثة في إدارة مياه الري في حقول المزارعين.
ووفقا للتقرير تقع الدول العربية ضمن المناطق المناخية الجافة وشبه الجافة، والتي تتسم بندرة الموارد المائية من حيث متوسط نصيب وحدة المساحة أو نصيب الفرد من المياه وبعدم ملائمة توزيعها الجغرافي وصعوبة السيطرة على الكثير منها واستغلاله. وتتمثل الموارد المائية العربية حوالي 1 في المئة من المياه المتجددة على المستوى العالمي. وتعتبر الدول العربية من أكثر مناطق العالم فقرا للموارد المائية،
حيث يبلغ المعدل السنوي لنصيب الفرد من المياه حوالي 1000م3 مقابل 75م3 على المستوى العالمي. وتبدو الصورة المستقبلية للوضع المائي أشد حدة، اذ يقدر ان ينخفض نصيب الفرد إلى حوالي 500م3 في عام 2025 وذلك في ضوء معدلات النمو السكاني المرتفعة، وتناقص كميات المياه التي ترد للدول العربية من الأنهار المشتركة التي تنبع من الدول المجاورة والتي تمثل حوالي نصف كميات المياه المتاحة.
الموارد المائية
وتتوزع الموارد المائية في الدول العربية بين المياه السطحية المتجددة، والمخزون المائي الجوفي الذي يتجدد بمعدلات محدودة سنويا، اضافة إلى كميات محدودة من المصادر غير التقليدية كمياه التحلية ومياه التنقية.
وتشكل الامطار السنوية أهم مصدر للمياه السطحية المتجددة، ويقدر الوارد المطري السنوي في الدول العربية بحوالي 285,2 مليار م3، ويتساقط حوالي 15 في المئة من هذه الكميات بمعدل 100 ملم سنويا على حوالي 67 في المئة من المساحة الإجمالية للدول العربية. وتعتبر هذه الكميات غير كافية للنشاط الزراعي، وتقتصر الفائدة منها على تغذية المراعي الطبيعية.
ويتساقط حوالي 20 في المئة من تلك الكميات بمعدل يتراوح بين 100 و300 ملم في السنة على حوالي 15 في المئة من مساحة الدول العربية، وتستفيد المراعي الطبيعية من هذه الامطار. وتتساقط النسبة المتبقية من كميات الامطار السنوية (65 في المئة) على حوالي 18 في المئة من المساحة الإجمالية بمعدل يتراوح بين 300 و1000 ملم في السنة، حيث تعتبر امطارا زراعية وتشكل أساسا للزراعة العربية، فضلا عما تساهم به في تغذية المياه السطحية والجوفية. ويتميز سقوط الامطار بالتذبذب وعدم الانتظار، مما يعرض العديد من مناطق الزراعة المطرية لموجات متكررة من الجفاف ويؤثر على الإنتاج الزراعي، وبالتالي على دخل السكان واستقرار البيئة.
50% هدراً
وتقدر الموارد المائية السطحية المتجددة في الدول العربية بحوالي 296 مليار م3 في السنة، يستخدم منها حوالي 50 في المئة، اما الباقي فهو عرضة للهدر والضياع، وتحظى الزراعة بالنصيب الأكبر من تلك الموارد، حيث تستحوذ على حوالي 88 في المئة منها، يلي ذلك الاستخدامات المنزلية بنسبة 7 في المئة، والاستخدامات الصناعية بنسبة 5 في المئة.
ويتكون حوالي 54 في المئة من المياه السطحية المستخدمة في الدول العربية من الأنهار الواردة بالانسياب الطبيعي من خارج الحدود، حيث يبلغ متوسط التصريف السنوي لنهر النيل حوالي 84 مليار م3، ونهر دجلة حوالي 48 مليار م3 ونهر الفرات حوالي 29 مليار م3، ويتصف استخدام المياه في الري عموما بكفاءة متدنية لا تتعدى 50 في المئة، نظرا لانتشار طرق الري السطحي التقليدية،
حيث تغطي حوالي ثلاثة أرباع مساحة الأراضي المروية في الدول العربية، اضافة إلى تدني مستوى التشغيل والصيانة لمنشآت الري، ويساهم الري السطحي في هدر كميات كبيرة من المياه، وارتفاع مستوى الماء الأرضي وزيادة ملوحة التربة واستنزاف بعض العناصر الغذائية في التربة وانخفاض إنتاجية الأرض وعائد المياه.
وعلى الرغم من ان بعض الدول العربية طبقت أنظمة الري الحديثة بالتنقيط والرش والتي تتصف بكفاءة عالية وأصبحت تمثل حوالي ربع المساحات المرورية في الدول العربية، فان ضعف كفاءة استغلال مياه الري لا يزال يظهر في زراعة محاصيل وتطبيق دورات محصولية لا تضمن تحقيق عائد اقتصادي مجد من الماء،
إلى جانب زراعة المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه وتقدر دراسة أعدها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية، ان تحسين كفاءة استخدام المياه بحدود 70 في المئة قد يساهم في توفير نحو 4, 28 مليار م3 من مياه الري الزراعي في السنة، تكفي لري مساحات إضافية تتراوح بين 3 و6 ملايين هكتار. وتشير المعلومات المتاحة انه توجد في الدول العربية طبقات مائية رئيسية وأخرى فرعية.
وتمتاز الطبقات المائية الرئيسية بمخزون احتياطي ضخم من الموارد المائية الجوفية بعضها متجدد كتلك المنتشرة على سواحل البحر الأبيض المتوسط الشرقية والجنوبية وفي مجاري الأنهار والوديان والسيول، وبعضها الأخر غير متجدد كتلك المنتشرة في إقليمي الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة العربية. اما الطبقات المائية الفرعية فتقتصر الاستفادة منها على تأمين مياه الشرب.
المخزون الجوفي
ويقدر إجمالي المخزون المائي الجوفي بحوالي 734 ,7 مليار م3 كما يقدر حجم التغذية السنوية بحوالي 42 مليار م3، ويتعرض هذا المخزون لاستنزاف جائر في بعض الدول العربية نظرا لإقامة مشاريع التوسع الزراعي الأفقي، أو لاستخدامها لاغراض الشرب، حيث يتم السحب والاستجرار العشوائي المفرط للمياه بمعدلات تتجاوز معدلات تجديدها، مما ينجم عنه انخفاض على مستوى المياه وتدهور نوعيتها وزيادة الملوحة فيها.
وتعتبر أحواض المياه الجوفية في الدول العربية أحواضا مشتركة بين مجموعة من الدول العربية المتجاورة، اذ يمتد حوض الحماد بين السعودية والعراق وسوريا والأردن، ويمتد حوض الخزانات الجوفية المشتركة بين الجزائر وتونس، وحوض الحجر النوبي بين مصر والسودان وليبيا وتشاد، وحوض طبقة الدمام الممتد فيما بين عدد من دول الخليج العربي،
ويتطلب مواجهة استنزاف المخزون الماء الجوفي في الدول العربية اعتماد أساليب الاستثمار الأمثل للمياه الجوفية من خلال خطط وبرامج تأخذ بالاعتبار التوازن بين المخرجات والمدخلات المائية، وتطوير شبكات الرصد المائي لمتابعة واستكمال عمليات المسح والاستقصاء المائي، واستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد وتطبيقاتها في الكشف والتنقيب عن المياه الجوفية.
وتقدر الموارد المائية غير التقليدية بنحو 6 ,10 مليارات م3 منها حوالي 5 ,2 مليار م3 من مياه التحلية وحوالي 1 ,8 مليارات م3 من المياه المعالجة بواسطة التقنية والمستخدمة للاغراض الزراعية في الدول العربية.
مياه التقنية
وبتقدير الزيادة المحتملة في عدد السكان وزيادة الطلب على المياه لكافة الإغراض، وبصفة خاصة لإنتاج الغذاء في الدول العربية ومقارنتها بالموارد المائية المتاحة لتلبية هذه الإغراض، يقدر العجز المائي اللازم لإنتاج الغذاء محليا بنحو 58 مليار م3 في العام. وبالنظر لعدم القدرة على زيادة الموارد المائية المستغلة حاليا في النشاط الزراعي والتي تقدر بنحو 297 مليار م3، فانه من المتوقع ان يرتفع العجز المائي في الزراعة في عام 2030 إلى حوالي 378 مليار م3 وبذلك يتبين ان اشكالية تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي العربي من خلال تطوير وسائل استخدام الموارد المائية لزيادة الإنتاج الزراعي ترمي بثقلها على الموارد المائية لتشكل بؤرة أزمة المياه في الدول العربية.
