يؤكد د. محمود إمبابي وكيل الأزهر الشريف السابق الدافع وراء تأليف كتاب يحمل عنوان «هذه حضارة الإسلام»، بعد أن زاد الهجوم على الإسلام، لكي يبين فيه لأنواع الحضارة الإسلامية، وليعرف بمصادر هذه الحضارة متناولاً في ذلك المسلك قضية الحرب في الإسلام وعلاقة العقيدة الإسلامية بالإرهاب، وكذلك حقوق الإنسان في الإسلام ووثيقة حقوقه. وقال إنه لما فسدت المعايير واختلت الموازين، وضاع الحق بين الناس، فوصفوا الإسلام بتهم هو منها براء، وافتروا عليه بأحاديث الإفك والبهتان، ونسبوا إليه أسباب تخلف المسلمين وتأخرهم، كان لزاماً على كل مسلم غيور - فضلاً عن العلماء - أن يسارع إلى توضيح الحقيقة وإبانتها دفاعاً عن الإسلام.

ويقدم المؤلف من خلال صفحات كتابه فكرة الحضارات في هذا العصر وخاصة الحضارة الإسلامية ويحاول الإجابة عن التساؤل الذي مفاده: ولماذا الحضارة الإسلامية بالذات؟

موضحاً حقيقة الحرب في الإسلام، وعلاقة الإسلام بالإرهاب، وحقوق الإنسان في الإسلام مذيلاً الكتاب بوثائق حقوق الإنسان الصادرة عن مختلف الجهات ليبين من خلالها أن الإسلام سباق في هذا الإطار.

يعرف د. إمبابي في الفصل الأول الحضارة الإسلامية بأنها نتاج لتفاعل ثقافات الشعوب، التي دخلت في الإسلام، سواء إيماناً وتصديقاً واعتقاداً أو انتماء وولاء وانتساباً، وهي خلاصة لتلاقح هذه الثقافات والحضارات التي كانت قائمة في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية لانصهارها في بوتقة المبادئ والقيم والمثل، التي جاء بها الإسلام هداية للناس كافة، ومن ثم فالحضارة الإسلامية نوعان، أولهما: حضارة إسلامية أصيلة وتسمي حضارة الخلق والإبداع، وقد كان الإسلام مصدرها الوحيد وعرفها العالم لأول مرة عن طريق الإسلام، وثانيهما: تلك الحضارة التي قام بها المسلمون في الأمور التجريبية امتداداً وتحسينا، كما عرضها الفكر البشري من قبل، وتسمى حضارة البعث والإحياء.

إرث مشترك

ويخلص من خلال تعريفه الجامع الشامل العميق إلى أن هذه الحضارة إرث مشترك بين جميع الشعوب والأمم التي انضوت تحت لواء الإسلام،وشاركت في بناء هذه الحضارة، وأسهمت في عطائها، وهي الشعوب والأمم التي كونت وشائج الأمة الإسلامية ونسيجها المحكم، فليست حضارة الإسلام حضارة جنس معين، فتكون بذلك حضارة قومية تنتمي إلى قوم مخصوصين، ولكنها حضارة جامعة شاملة للأجناس والقوميات جميعاً التي كان لها نصيب في قيام هذه الحضارة، ودورها في ازدهارها وتألقها، وفي امتداد تأثيرها ونفوذها إلى العالم الذي كان معروفاً خلال القرون التي سطع فيها نجمها واتبع إشعاعها وامتد نفوذها.

ويؤكد المؤلف خلال هذا الفصل أن التاريخ الإنساني ما هو إلا تاريخ الحضارات، ومن ثم لا يمكن فهم أو تفسير تطور البشرية دون الإقرار بهذه الفرضية، وتصدق هذه الفرضية على أجيال متعاقبة من الحضارات منذ الحضارات الفرعونية والسومرية والصينية، ومروراً بحضارات بلاد الرافدين والحضارتين الإغريقية والرومانية، ثم الحضارة الإسلامية والهندية وصولاً إلى الحضارة الغربية الحديثة.

مشيراً إلى أنه عبر التاريخ مثلت الحضارات مرجعيات الهوية التي يعرف بها البشر أنفسهم، أي أنهم رأوا في الانتماء الحضاري مستوى يفوق الانتماء الوطني أو القومي أو اللغوي أو العرقي أو غير ذلك، ونتيجة لذلك فإن أسباب نشأة وصعود الحضارات ثم انحدارها وسقوطها لم تكن محمل دراسة المعنيين بها من تخصصات مختلفة، تراوحت بين المؤرخين كما هو متوقع فحسب، لكنها شملت أيضاً علماء اجتماع وآخرين متخصصين في علم أصول الإنسان وعلوم الأجناس وفلاسفة ومنظرين سياسيين، وضمت هذه القائمة الكبيرة أسماء لها وزنها في تاريخ البشرية وعلومها، مثل: أوزوالد سبنجلر، أرنولد توبينبي، فاكس فيبر، إيميل دوركايم، أمانويل الدشتاين، وفيليب مرنانديز.

ويشير د. إمبابي في ذات الفصل إلى أن الحضارات الإنسانية تتصف بالديناميكية، حيث تنمو وتسقط، ونظرية الدورات الحضارية هي إحدى النظريات، التي قال بها كثير من فلاسفة التاريخ، وكان رائدهم في القول بها ابن خلدون، والتي تقوم على القول بأن التاريخ يعيد نفسه في دورات حضارية، وليس بالضرورة أن تتشابه تلك الدورات في الشكل والمظهر أو التفكير والثقافة، وإن كان يجري على كل منها الصعود والهبوط والانتكاس والتقدم، وقد خرج ابن خلدون بتصور أن الحضارات تتعاقب في الأمم على أربعة أطوار وهم: طور البداوة ثم التحضر، الذي يتبعه الترف ثم التدهور، وفي هذا الإطار يذكر كل الحضارات الكبرى الموجودة على الساحة العالمية حتى الآن وذلك بحسب التدرج التاريخي لنشأة هذه الحضارات وهي: الحضارة الصينية ثم الحضارة اليابانية ثم الحضارة الهندية ثم الحضارة الإسلامية ثم الحضارة الأرثوذكسية ثم الحضارة الغربية ثم حضارة أمريكا اللاتينية ثم الحضارة الأفريقية تلك التي تتعرض لكثير من الجدل بشأن جدية وجودها من عدمه.

وفي فصل الكتاب الثاني يتناول المؤلف شخصية مؤسس هذه الحضارة الإسلامية وهو بلا شك والنبي الخاتم حيث يعرض لموعده ونشأته ونزول الوحي ورحلته مع تأسيس هذه الحضارة تلك التي استمرت طويلاً ودمرت بجليل الأعمال وعظيم الأحداث، مشيراً في هذا الصدد إلى غزواته وحروبه وهجرته الأولى والثانية والتفاف المسلمين حوله لتأسيس دولة الإسلام، التي انتشرت بعد ذلك على يد خلفاء المسلمين.

ويذكر د. إمبابي في هذا الفصل أن الله تعالى حبا النبي المصطفى بصفات جليلة جعلت كل من يعرفه يحبه ويقترب منه ويضحي بكل غال ونفيس في سبيل تلبية دعوته والاستجابة لمطالبة أوامره، ومن ثم كانت الشخصية المحمدية التي رباها الله تعالي، فأحسن تربيتها من أهم مقومات قيام وانتشار هذه الحضارة بشكل أشار به كل المؤرخين فيما بعد، حيث كان صلى الله عليه وسلم يتسم بالعفو عند الخصام والتواضع في المعاملة والرفق مع الصغير والكبير في المعاملة والرحمة التي لا تخلو من الحكمة الإلهية بالإضافة إلى سعة الصدر والأفق وحب الأمة والكرم، الذي شجع الأخرى على الإنفاق بسخاء في سبيل إعلاء كلمة الله، وعراقة الأصل، وهذا كله دفع الصحابة يجلوه ويقدروه ويحرصون على تنفيذ أوامره.

مقومات الحضارة

وتحت عنوان أسس الحضارة الإسلامية يأتي الفصل الثالث من الكتاب ليناقش المقومات التي احتاجها العرب ليبعثوا مثل هذه الحضارة، تلك المقومات التي تجلت في الإسلام وحده الذي كان وراء هذا البعث العربي والإعجاز الحضاري الذي حققه العرب، حيث كان العرب في هذا الوقت الذي نزلت فيه الرسالة المحمدية في حاجة إلى عقيدة إلهية واحدة لتكون مصدر التجمع والتصور، ومنبع الفكر ومنهج الحياة مؤثرة في المبادئ والشرائع والأنظمة التي تنظم المجتمع أفراداً أو جماعات مع نظام مؤثر في الأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين، التي تسود المجتمع، وتؤلف ملامحه على سيادة القيم الإنسانية واستملاء الإنسان في العقيدة الإسلامية والنظام الاجتماعي الإسلامي.

ويؤكد المؤلف في هذا الفصل أن الحضارة الإسلامية قامت على أسس تتمثل في تلك العقيدة التي تنظم صورة الإنسان بالله تعالى وتعطيه قيماً معينة، وشريعة تنظم الحياة الاجتماعية حسب هداية الله تعالي ، ومن ثم كانت هذه العقيدة القائمة على التوحيد لها معطيات كانت وراء ما حققته الحضارة الإسلامية من سمو وإعجاز أدهش العالم ، ويأتي الأساس الثاني المتمثل في النظام الاجتماعي المتكامل الذي جاء به الإسلام، وصنع به الحياة الإسلامية، وهو نظام رباني اختاره الله تعالي للبشرية لينظموا حياتهم عليه، ويقوم هذا النظام على المساواة بين البشر والعدالة المطلقة والحرية في الاعتقاد والتفكير ويقول كذلك يقوم هذا النظام الاجتماعي على الأخوة الإنسانية والأخلاق والفضائل.

وينتقل المؤلف إلى فصل الكتاب الرابع الحرب في الإسلام ليخصص للوقوف على مشروعية الحرب في الإسلام رداً على الدعاوي التي تتهم الإسلام وحضارته بالعنف والتطرف، ليؤكد أن الإسلام جاء ليكون رسالة عالمية ، ورغم ذلك ينهى عن الإكراه في الدين، إلا أن الحرب جاء ليكون وسيلة للدفاع وليس أصلاً يستخدم لنشر هذه الدعوة ، فالحرب لا يمكن أن يكون وسيلة في الإسلام لحمل الناس على الإيمان به، لأن الإقناع الصادق القائم على الوجدان، والبرهان عماد اليقين الصادق، ولا يتسنى لأية قوة في الأرض أن تفرض على إنسان عقيدة يأباها قلبه وينفر منها عقله، ولكن الحرب جاءت من أجل حماية الدعوة من والمفسدين، فالجهاد في الإسلام جاء من أجل حماية التبليغ فمن شاء بعد ذلك فليؤمن، ومن شاء فليكفر.

ويقول د. إمبابي في هذا الإطار: ومادامت الحرب ليست أصلاً عن أصول الإسلام وليست غاية في ذاتها، فإن أول ما يجب على المسلمين إذا ساروا إلى غيرهم هم البدء بالدعاء إلى الإسلام، وهذا الدعاء قد يكون موجهاً لقوم لم تبلغهم الدعوة، فيجب إعلامهم حتى يكونوا على بينه من أمرهم، وقد يكون موجهاً لقوم بلغتهم الدعوة، ودعائهم مرة ثانية أمر مطلوب، ففيه مبالغة في الإنذار بما ينفع، وإشارة إلى أن الإسلام يؤثر السلم على الحرب في تبليغ دعوته، وإذا كان القتال في الإسلام لدفع فتنة الكفر ، فإنه لا يجوز قتال إلا هؤلاء الذين يمثلون الفتنة ويمكنون للشر بالفعل أو بالقول، ولهذا لا ينبغي قتل النساء والأطفال والمجانين،والذين لا يخالطون الناس وترهبوا في الأديرة، وكذلك الشيوخ الفانين لقوله تعالي: وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم.

ويحدد د. إمبابي في هذا الفصل التي تجعل دعوة الإسلام للسلم لا تكف ولا تنتهي بأنها تتمثل في ملاءمة المسلم لعقيدة الإسلام، التي تقوم على التعارف والتعاون سواء بين الأفراد أو الجماعات وهذا لا يتحقق في ظروف الحرب والخراب والدمار، وكذلك دعوة الإسلام للسم تقوم على رغبته الدائمة ودعوته إلى الحوار بين مختلف الأديان والأجناس لتبادل وجهات النظر وإبداء الرأي والإقناع به وفي ذلك يقول رب العزة ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة جادلهم بالتي هي أحسن، كما يدعو للسلم، لأنه يحث على تجنب الخصومات والنزاعات لأنها لا تفضي إلا إلى الخسران.

الإسلام براء

ثم ينتقل الكاتب إلى موقف الشريعة الإسلامية من الإرهاب، فيعرف الإرهاب بأن كلمات القتال، والحرب قد تدل على معنى محمود ، كما قد تدل على معنى مذموم، بحسب نوع الإرهاب أو القتل أو الحرب، وعليه فلكي تؤدي المعنى المذموم الذي يراد لها أن تؤديه في الاستعمال الذي بدأ يشيع الآن، فلابد من تقييدها بوصف مثل العدواني أو الظالم، هذا أمر لازم ولاسيما للمسلمين، إنه لا يجوز أبداً أن نحصر كلمة الإرهاب في المعني المذموم مادام كتاب ربنا قد دل على أنها يمكن أن تستعمل بمعنى محمود.

ويرى د. إمبابي في كتابه أن الأمر لا يحتاج إلى كبير من عناء لإدراك براءة الإسلام من تهمة الإرهاب، إذ الإسلام والإرهاب نقيضان لا يلتقيان، ولا يمكن أن يلتقيا أبداً، فالإسلام دين رباني أكمله الله وأتمه وأنزله على خير خلق محمد صلى الله عليهوسلم وبعثه به للعالمين داعياً إلى الهدى والصراط المستقيم، فاجتمع بذلك في الإسلام خير الدنيا والآخرة، وهذه الربانية عاصمة الإسلام من التمويل والفساد، وميزة فريدة له دون غيره من الشرائع والنظم والمذاهب والأفكار، تجعله بريئاً مما يدعيه المبطلون، ويروجه المغرضون من تهم الإرهاب، والإسلام أيضاً هو دين الوسطية منطوقاً ومفهوماً فهو دين عنوانه ومعدل والتوسط والخلو من العوج والتطرف وجميع ذلك يبعد عنه لا محالة تهمة الإرهاب، لمن فاتها بطبيعته وخصائصه.

كما أن تشريع الجهاد في الإسلام أمر لا يعطي لأحد الحق في القول بإرهاب هذا الدين، فالجهاد عمل جماعي لا يستقل به فرد أو بعض أفراد، ولا يؤتي ثماره إذا صار عملاً فردياً، ولذلك كانت أمور الحرب في الإسلام مهمة الدولة المسلمة، فهي التي تقرر مكانه وزمانه في ضوء إمكاناتها وإمكانات عدوها تفعل ذلك بعد استشارة الناس، لأنه أمر يهمهم جميعاً.

القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل