القوامة والعدل أساس الملك، ويرتبط العدل بالتقوى حيث يلمس القلوب من قريب، وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري حيث ربطه بالله بمستوى عال رفيع على هدى من العقيدة في الله ومراقبته.
والإنسان ضعيف تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم أو القضاء بينهم وبين الناس.. وفى هذه المواقف يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل، على هدى من الاعتصام بالله وحده ومراقبة الله وحده، اكتفاء به في مناصرة ذوي القربى، وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه، وهو سبحانه - اقرب إلى المرء من حبل الوريد يسمع ويرى (يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) 135 النساء، (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) 90 النحل.
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال: يرى أمر الله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى.
(يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) 8المائدة.
ومنزل هذا القرآن يعلم حقيقة المجاهدة الشاقة في إقامة العدل على النحو الذي يرضي الله وفي النفس البشرية ضعف. تجاه ذاتها وتجاه ذي القربى، وتجاه الضعاف من المتقاضين، وتجاه الأقوياء أيضاً. وتجاه الوالدين والأقربين، وتجاه الفقير والغني تجاه المودة وتجاه الشنآن. ويعلم أن التجرد من هذا كله يحتاج إلى جهاد شاق جهاد للصعود إلى هذه القمة على سفوح ملساء لا تتعلق فيها النفس بشيء إلا بحبل الله والعروة الوثقى التي لا انفصام لها والقلوب المرتبطة بالله وعلى صلة به لا يحجبها عن العدل شنآن أو تهديد . بل العدل صفة من صفاتها .
إنها أمانة القوامة على البشرية، والحكم بين الناس بالعدل.. انها أمانة القيام بالقسط، بالقسط على إطلاقه في كل حال، وفى كل مجال.
القسط الذي يمنع البغي والظلم في الأرض والذي يكفل العدل بين الناس والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين.. ويتساوى الأقارب والأباعد، ويتساوى الأصدقاء والأعداء.. ويتساوى الأغنياء والفقراء.
شهادة لله . وتعاملاً مع الله وتجرداً من كل ميل ومن كل هوى ومن كل مصلحة ومن كل اعتبار.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها. أوصاني بالاخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبراً.
فالعدل فريضة عليا من أهم الفضائل التي قام عليها هذا الدين القيم.
وقال أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته يوم بويع للخلافة:
فاني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .
إنها كلمات لها أثر وسلطان على القلوب.. القوي ضعيف حتى يأخذ منه الحق، والضعيف لا يضيع حقه لضعفه، فهذا ميزان العدل الإلهي.
إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المرتقى قط، إلا حين أن تتعامل في هذا الأمر مع الله. حين تقوم لله متجردة من كل ما عداه . إنه هو الذي يناديهم (كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله).
فالنفس حين تستشعر تقوى الله وتحس أنه عينه على خفايا الضمير وذات الصدور. لا بد هي متجردة مستقيمة على العدل لتحيا البشرية وتتمتع في ظل العدل، ليكون هذا العدل فريضة ويكون الدين كله لله .
رجاء علي