تنظم كلية الدِّراسات الإسلامية والعربية بدبي ندوة علمية دولية هي الثالثة في تسلسلها تحت عنوان «القيم الحضارية في السنة النبوية» تتضمن المبادئ والأفكار المتعلقة بدراسة القيم والمفاهيم الحضارية في ضوء السّنة النبوية المطهرة.

وتستضيف الكلية عددا كبيرا من العلماء والأساتذة والباحثين المتخصصين في السنة النبوية على مدار ثلاثة أيام تبدأ من يوم الأحد الثاني والعشرين من ابريل الحالي وحتى الرابع والعشرين من ذات الشهر.

وتأتي هذه الندوة العلمية بناء على توجيهات رجل الأعمال جمعة الماجد رئيس مجلس أمناء الكلية لإبراز محاسن السنة النبوية وضرورة تنسيق دور العلماء ومواقفهم في توعية الأمة بالقيم الحضارية لها.

ويشير الدكتور محمد عبد الرحمن إلى أن الندوة العلمية الثالثة للحديث الشريف تهدف إلى توعية المجتمع بأهمية السنة وقيمها الأخلاقية في جميع ميادين الحياة ونشر محبة الرسول صلى الله عليه وسلم بين الأجيال، وخدمة الإسلام بما يليق بمكانته وفق مقتضيات العصر ومستجداته.

وتأسست لهذا الغرض الأمانة العامة لندوة الحديث الشريف بالكلية برئاسة الدكتور حمزة المليباري وسبعة من الأعضاء من شتى الجامعات والكليات في العالمين العربي والإسلامي.

ويشير الدكتور حمزة إلى أن من خصائص الندوة الثالثة مشاركة عدد كبير من الباحثين الأكاديميين من دول عربية وإسلامية وأجنبية، مؤكدا أن الأمانة العامة بدأت في التحضير مبكرا لضمان نجاحها، مشيرا إلى أن الأمانة تلقت عددا كبيرا من البحوث وصل عددها على 90 بحثا، تم تحكيمها على عدة مراحل مختلفة وبشكل سري وبطريقة علمية أكاديمية متبعة في المجلات العلمية المحكمة في الجامعات العريقة، فتم اختيار 30 بحثا بعناوين مختلفة يغطي معظم المحاور.

وقال إن من أهداف الأمانة العامة عقد مؤتمر دولي كل سنتين بالكلية حول أهم موضوعات العصر التي تتعلق بالحديث الشريف، وطبع الأبحاث المقدمة في كتاب مستقل وتوزيعه على المؤسسات العلمية داخل الدولة وخارجها، وبناء عقول واعية لخدمة السنة النبوية والحديث الشريف، ومعالجة المشكلات في المجتمع عن طريق السنة.

القيم الحضارية

وعن دور السنة النبوية في ترسيخ القيم الحضارية في النفوس يقول دكتور مازن حريري أستاذ الفقه المقارن المساعد بجامعة تعز باليمن في بحثه إن السنة النبوية الشريفة حرصت على غرس القيم الحضارية في المجتمع المسلم، وعملت على رعايتها وتنميتها وترسيخها في نفوس المسلمين؛ كي تثمر أخلاقًا حسنة، ومناهج رائعةً يسلكها المسلمون في شتى مجالات الحياة، والذي يطلع على أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويتمعن فيها يلحظ اعتناء السنة بهذه القيم، واهتمامها بترسيخها في النفوس؛ لما لهذا الأمر من أثر بارز في رقي الأمة المسلمة، وبناء حضارتها و نهضتها وعزها.

وأضاف: نظرا لتعدد القيم المستخلصة من أحاديث السنة، وكثرتها واتساع مجالاتها، فإن هذه الدراسة اقتصرت على بيان دور السنة النبوية الشريفة في غرس القيم الاجتماعية والأخلاقية، وترسيخها في نفوس المسلمين من خلال الأحاديث التي تتحدث عن المسجد فقط؛ لأن المسجد يعد مؤسسة اجتماعية، ومنبرا روحيا، وساحة أخلاقية، كما يعد نموذجا مصغرا للمجتمع المسلم عموما؛ لذا فإن الاقتصار على الأحاديث الواردة بشأنه يحقق المطلوب في تتبع القيم الحضارية الاجتماعية والأخلاقية في السنة النبوية المطهرة.

وقال إنني استنبطت القيم الاجتماعية التي توجه السلوك وتضبط التصرفات الإنسانية المختلفة، وتحث على وحدة المجتمع وتماسكه، والتزام أفراده بالنظام و الانضباط، وتقوية روابط الإخاء والمساواة بين المسلمين، واتضحت أيضا قيم الإتقان وإجادة الأعمال سواء أكانت دينية أم دنيوية، وقد برزت هذه القيم بشكل واضح في أحاديث صلاة الجماعة في المسجد.

وأوضح أنه من خلال أحاديث أخرى برزت القيم التي تحث على رعاية المرأة، واحترامها والاهتمام بحقوقها، والتنويه إلى دورها الفاعل في المجتمع، والقيم التي تهتم بالفقراء والمساكين والمحتاجين وترعاهم، كما ظهرت القيم التي تراعي فطرة الإنسان وتلبي حاجته إلى الترفيه والترويح عن النفس بالمباح المشروع، ونشأت القيم التي تحرص على دماء المسلمين وأرواحهم.

وعن اهتمام الإسلام بالمرأة قال: اهتم الإسلام بالمرأة وحرص على رعايتها وإعطائها حقوقها بعد أن كانت سلعة تباع وتشترى وتدفن حية...، وفي السنة ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من خلال أقواله وأفعاله أن يؤكد على هذا الاهتمام، فحديث حمل أمامة في الصلاة يدل على ذلك بوضوح: فعن أبي قتادة الأنصاري قال «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص، وهي ابنة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها». فقد أراد صلى الله عليه وسلم تغيير الصورة السيئة للمرأة عند العرب وكراهتهم للبنات، وعدم التفريق بينهن وبين الذكور في المحبة والرعاية والاهتمام.

وقد كرَّم الإسلام المرأة واحترمها، ولم يضطهدها أو يحجر عليها، أو يأمر بحبسها في بيتها للخدمة ونحو ذلك كما يدعي أعداء الإسلام، بل جعل لها حرية الخروج، وممارسة النشاط الإنساني، والتمتع بمباهج الحياة من غير فتنة أو ريبة.

وأشار إلى أن الأحاديث تدل على أن للمرأة أن تخرج إلى المسجد للصلاة فيه في أي وقت، وأنه لا يحق للرجل أن يمنعها حتى ولو بالليل، وفي ذلك إشعار بأن للمرأة حقوقا ينبغي أن تراعى وتحترم. مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وقوله: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فَأْذَنُوا لهنَّ».

ولم يمنع الإسلام من مخالطة المرأة في أي حال من أحوالها حتى وإن كانت حائضا، في حين كانت المرأة في بعض الأديان تترك لوحدها، وتعزل حال حيضها كأنها قذر ينبغي اجتنابه. والأحاديث تشير إلى أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يعتنين به ويخالطنه وهن حيَّض، بل ويكون ذلك وهو صلى الله عليه وسلم معتكف في المسجد.

ومما يؤكد على هذا المعنى ويدل عليه بوضوح تلك الروايات التي تذكر أن امرأة من الأنصار هي التي حظيت بشرف عمل المنبر للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يخطب إلى جذع نخلة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا قال: إن شئت، قال: فعملت له المنبر...».

وقال هناك جملة من الأحاديث تحث على الصبر والإخلاص والتواضع والوفاء والعفة والرفق والتيسير، واستخلصت القيم الذوقية والجمالية التي تحث على أن يكون المرء نظيفا في بدنه وثوبه ومكانه، وألا تقع عينه على قبيح، وألا يَشم إلا أطيب ريح ولا يُشم منه إلا كذلك، وألا يسمع إلا أحسن الأصوات، فيصبح حسه الذوقي مرهفا، فيشمئز من كل قذر وقبيح.

وما يدل على حرصه صلى الله عليه وسلم على ترسيخ القيم الذوقية والجمالية في نفوس أصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة، فقد حثهم على أمور وحذرهم من أمور قد تبدو صغيرة في نظر البعض إلا أنها تدل على رقي في الذوق كبير، منها سنته صلى الله عليه وسلم في السواك واستعماله في أوقات مختلفة وخصوصا عند الوضوء والصلاة، ومنها منع مَنْ أكل الثوم والبصل من ارتياد المسجد.

وقال إنه في حديث الأذان الذي يرويه عبد الله بن زيد إشارة واضحة إلى تلك القيم الجمالية التي حرصت السنة على ترسيخها في النفوس، من خلال تدريب الأذن على سماع أندى الأصوات وأجملها بعبارات تعبدية تتكرر خمس مرات في كل يوم وليلة، فعندما أخبر عبد الله بن زيد النبي صلى الله عليه وسلم عن الرؤيا التي رأى الأذان فيها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ هذه لرؤيا حقٍّ، فقم مع بلال فإنَّه أنْدَى وأَمَدُّ صوتًا منك، فألقِ عليه ما قيل لك ولْيُنَادِ بذلك ...».

ويتأكد هذا الحس الذوقي والجمالي في الاختبار الذي أجراه النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار مؤذن حسن الصوت من بين عدد من الرجال، كما ورد عن أبي محذورة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نحو عشرين رجلاً فأذَّنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلَّمه الأذان ...)).

فهذه السنة التي تحث على أن يكون المرء نظيفا في بدنه وثوبه ومكانه، وألا تقع عينه على قبيح، وألا يَشم إلا أطيب ريح، وألا يسمع إلا أحسن الأصوات، في عبادته في المسجد وفي شأنه كله؛ لهي سنة ترسخ أعلى القيم الحضارية في الذوق والجمال.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذه القيم إذا ترسخت في النفوس، فإنها وإن كانت ظاهرية إلا أن فوائدها ستنعكس على باطن المرء وجوهره؛ لأنه لا يصح أن يحرص الإنسان المسلم على جماله الخارجي، ويكون قلبه وأفعاله بلا ذوق ولا جمال، فمن صفا ظاهره استجابة لأمر الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يصفو باطنه وتستقيم تصرفاته وفق منهج الشريعة الإسلامية، وإلا كان منافقا والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وأكد الدكتور مازن حريري القيم السابقة ليست مجرد نظريات فكرية أو تصورات خيالية، فقد ثبت بالدليل القاطع أن جيلاً تربى في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم على هذه القيم، وترسخت في نفوس أصحابه، فآتت أكلها وأنتجت ثمارها اليانعة الطيبة، فتحول من جيل أقرب إلى البداوة في قيمه ومثله، وأشبه بمن يعيش حياة الغاب، إلى جيل راقٍ شامخٍ في قيمه رائعٍ في مثله، فتَوَجَّه سلوكه الاجتماعي إلى كل خير.

ترابط المجتمع

وحول اهتمام السنة النبوية بترابط المجتمع يقول الدكتور إكرام الله إمداد الحق عبد الرحمن أستاذ مساعد بالقسم العالي بمعهد الحرم المكي الشريف: إن موضوع الحفاظ على القيم الحضارية الأخلاقية والمبادئ العليا في المجتمعات الإسلامية هو موضوع الساعة ، لأن هذه القيم باتت مهددة نتيجة الصراع بين تلك المثل وبين الانحلال الفكري والثقافي المتواصل، وإن مما اهتمت به السنة النبوية الشريفة اهتماماً بالغاً، وعنيت به عناية فائقة، إبراز القيم الحضارية في موضوع ترابط المجتمع الإسلامي بين أفراده، فرسمت للمسلمين أطراً عاماً ومنهجاً تاماً، فإن تمسكوا به وساروا عليه زال عنهم ما وقعوا فيه من التفكك والتخلف والتخاصم والتخاذل، وسادت المحبة والألفة والإخاء وعم التسامح والترابط والوفاء .

ولهذه الأهمية البالغة في هذا الجانب الحيوي المهم للمجتمع الإسلامي - ولا سيما بعد ما تبدل كثير من القيم الحضارية والمثل العليا التي أرساها الإسلام، وتغير النظر إليها تأثراً بقيم واردة وأفكار وافدة على المسلمين.

وأكد أن الإسلام والسنة المشرفة اهتما ببيان القيم الحضارية في حسن تعامل الناس مع السلطان وولي أمر المسلمين، الذي هو صاحب التصرف في شأن الأمة، وبيده زمام أمور الدولة وقيادة الأمة، وحث صلى الله عليه وسلم أمته على طاعة ولي الأمر في قوله : (من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني) ، فلا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعته والانقياد له، في المعروف وفي غير معصية الله تعالى.

وقال إن من المبادئ الحضارية العليا في السنة النبوية حسن التعامل مع الأهل والأولاد، فالزوجة الصالحة هي خير متاع الدنيا للرجل يقول صلى الله عليه وسلم (الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) وقد جعل الإسلام لكل منهما حقوقاً على الآخر، بأدائها تكون أجواء الأسرة موحية بالأمن والراحة لهما وللأبناء ولجميع أفراد الأسرة، ولاشك أن الأولاد هم زينة حياة الإنسان وهو مسؤول عنهم وعن تربيتهم وتأديبهم وتعليمهم، والنفقة عليهم يقول صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) و الزوجة والأولاد هم أفراد كل أسرة في كل بيت وبصلاحهم تصلح أمور البيت وتستقيم شؤونه، وصلاح البيت هو صلاح المجتمع، وصلاح المجتمع هو صلاح الأمة، وبه تبرز القيم الحضارية العليا في المجتمع، بحصول الوفاق والوئام والمحبة بين أفراد الأسرة.

وأوضح الدكتور إكرام الله نصوص السنة المطهرة التي أبرزت القيم المثلى في التعامل مع الوالدين وذوي القربى، فالتعامل مع الأب والأم الذين هما العمودان الأساسان للبيت له تأثيره الخطير إيجاباً، وسلباً فالأب القائد الذي تقع في عهدته مسؤولية توجيه الأسرة، والوقوف بوجه كل ما من شأنه تهديد كيان الأسرة، والأم لها الدور الأكبر في توجيه الأولاد الوجهة الصحيحة، وإن أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى حق الوالدين، وقد قرن الله عز وجل حق الوالدين بحقه سبحانه في غير ما آية، وحق الأم أعظم من حق الأب فهي تستحق من الولد الحظ الأوفر من البر؛ فالعلاقة المتينة والترابط الوثيق بين الولد ووالديه هما مصدر الاستقرار في البيت، وهما المنهج السليم في مجال التربية والتهذيب، ليعيش على الفضيلة مساهمين مساهمة فعالة في بناء المجتمع الفاضل.

دبي ـ السيد الطنطاوي