بعثت الاستراتيجية «بثقة جديدة» في أوساط المستثمرين ودوائر المال والأعمال.. وكبرى الشركات العالمية بشأن فرص الاستثمار في الإمارات، وجاءت الاستراتيجية الجديدة لتعكس الواقع المتميز الذي تعيشه دولة الإمارات وجرى تتويجه مؤخراً باحتلالها قمة مؤشر التنافسية بين الدول العربية.
بالرغم من أن الشرق الأوسط لا يزال يعاني من تداعيات الحروب أو شبح اندلاع حروب أخرى... إلا أن الإمارات ومنطقة الخليج تشهدان انتعاشاً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق، وهذا الانتعاش يتجسد في معدلات نمو مرتفعة تتعدى حاجز الـ 8% بالإضافة إلى فوائض مالية هائلة. وأكثر المؤشرات وضوحاً هو التقدم الملحوظ لدولة الإمارات، فضلا عن البروز الهائل لدبي لكي تصبح أحد المراكز المالية البارزة في المنطقة.
ويكفي أن يمد المرء بصره ليرى عملية تشييد المدن الجديدة، وظهور المراكز المالية ليتأكد من وجود «موجة غير مسبوقة» من السيولة المالية في منطقة الخليج. ويكفي للدلالة على حجم الطفرة العمرانية ـ التي تقع الإمارات في القلب منها ـ ان المشروعات العقارية التي يتم تشييدها بامتداد المنطقة تجاوزت حد الـ 1000 مليار دولار (تريليون دولار).
ووفقا لمعهد التمويل الدولي فإن اقتصاديات دول الخليج قد نمت بـ 74% خلال السنوات الثلاث الماضية، الأمر الذي جعلها تحتل المرتبة الـ 17 في قائمة الدول الأعلى دخلا مقارنة بعدد السكان (17 ألف دولار مقارنة بـ 11 ألف دولار منذ 3 سنوات) ووسط هذا كله تقف دولة الإمارات على قائمة الدول العربية الأكثر تنافسية، كما أن دبي تقدم نموذجاً رائعاً للنمو ولنجاح خطط تنويع مصادر الدخل والاستغلال الأمثل للموقع الفريد والثروة البشرية.
إن نموذج النمو الذي اعتمدته حكومة دبي قد أصبح الآن تتم محاكاته ليس فقط داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، بل من قبل الدول بمنطقة الشرق الأوسط الكبير، وذلك من أجل تحفيز النمو بها والحفاظ عل نمو اقتصادي حقيقي وخلق تناغم ما بين نسيجها الاجتماعي لتحقيق حالة من الرضا والأمن الاجتماعي مثلما يقول الخبراء. ولقد جرى توجيه عوائد النفط ـ التي سجلت أرقاما قياسية مؤخراً ـ إلى مشروعات واستثمارات جرى تصميمها لتوفر عائدات مجزية في المستقبل، وأغلب عائدات البترول قد جرى إنفاقها لتعزيز البنى التحتية اللينة والصلبة ـ بما في ذلك مشروعات الطاقة والمياه والنقل والصحة والتعليم.
وإذا ما أخذنا هذه العملية خطوة إضافية مثلما يقول فريدريك سيكره المدير العام السابق لمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي ـ والرئيس التنفيذي لأبراج كابيتال ـ أحد الصناديق الاستثمارية الخاصة الكبرى ـ فإنها تكشف عن «رؤية مقصودة لاجتذاب رؤوس الأموال من جميع انحاء العالم.
وطبقاً للخطة الاستراتيجية لدبي (2007 ـ 2015) التي سبق أن كشف عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في 3 فبراير الماضي، فإن إمارة دبي تستهدف تحقيق نمو سنوي نسبته 11% على مدى سنوات الخطة الثانية. وتستهدف الخطة الوصول بإجمالي الناتج المحلي إلى 108 مليارات دولا، وهو ما يعني زيادته بثلاثة أضعاف ما سبق أن تحقق خلال عام 2005 إلا وهو 37 مليار دولار.
ويقول سيكره بإعجاب «إنه لأمر جيد أن يتطلع المرء للذروة البعيدة»، وأشار الخبير الاقتصادي العالمي إلى أن ذلك هو ما ميز الإنسان.. ذلك ما ميز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. ثم توقف سيكره ليقول وهو يزن كلماته بدقة «لو استمرت دبي مكاناً تتعايش فيه الجنسيات والثقافات المتعددة بتناغم، فإن نسبة النمو الـ 11% يمكن أن تتحقق».
**رؤوس الأموال
ويضيف سيكره في حوار خاص لـ «البيان» بقوله ولكن حتى لونما الاقتصاد بنسبة 8% سنويا، فإن، ذلك يعني تدفق الكثير من رؤوس الأموال الدولية إلي البلاد».ويكمل سيكره القول بتأكيده «أذا أردت أن تصبح «مدينة عالمية» ـ يقصد دبي ـ مثلما تقول الخطة الاستراتيجية فان الشركات العالمية هي التي ستقود النمو، ولذا دع الشركات المتعددة الجنسية الكبرى تأتى إلى البلاد وتحضر معها قيمها العالمية».
وبالفعل فان العديد من المبادرات التي اتخذتها دولة الإمارات العربية المتحدة قد جرى تقليدها من قبل بقية دول المنطقة، وهو ما أسفر عن تدفق مستويات عالية من الاستثمارات الأجنبية. وتقوم حكومة الإمارات بفتح مزيد من القطاعات الاقتصادية أمام مشاركة القطاع الخاص، وتنمو قاعدة الوافدين ذوي المهارات العالية الأمر الذي يزيد من تعداد السكان.
ويضع ذلك كله الأساس لدورة متعاظمة من نمو البنية التحتية بصورة سريعة مدفوعة بتزايد طلب المستهلكين المتسارع على الأصول ـ مثل العقارات ـ والاستهلاك، ويمثل الطلب المتزايد هذا «بذرة» لنموذج نمو صناعي مستدام لا يعتمد بصورة منفردة على عائدات النفط فقط.
**نموذج متميز
وتقدم دبي نموذجاً متميزاً على هذه الرؤية المستقبلية لتنويع مصادر الدخل، فقد زادت مساهمة القطاع غير النفطي في إجمالي الناتج المحلي من 90% عام 2000 إلى 97% عام 2006. وكنتيجة طبيعية ملازمة للرؤية الاستراتيجية لتوليد النمو المستقبلي، فإن النمو قد تحقق من زيادة عائدات السياحة والتجارة والخدمات المالية والنقل والبناء. ويعقب فريدريك سيكره مدير عام المنتدى الاقتصادي العالمي السابق بالقول «إن جذور الإمبراطورية الاقتصادية المستقبلية لا تزال تنمو».
وهذه الجذور قد جرى رعايتها وسقيها بعناية من خلال قوانين وتشريعات بمواصفات عالمية، مع مراقبة منتظمة لتكاليف المعيشة وإقامة الأعمال في دولة الإمارات العربية، وتحسين «جودة الحياة» من خلال بنية أساسية أحسن. ومن المتوقع أن ينضم 882 ألف شخص إضافيين إلى قوة العمل بحلول عام 2015، وجزء كبير من هؤلاء سوف يكونون من ذوي المهارات العالمية.
..ويتوقف البعض أمام مسألة حالة عدم اليقين في المنطقة إلا ان الكثيرين في قمة «الاستثمار بالشرق الأوسط» التي نظمتها وكالة رويترز أكدوا أن المخاوف من المواجهة بين الغرب وإيران لن تؤثر على حالة الفوران الاستثماري بمنطقة الخليج، ويعلق فريدريك سيكره على ذلك بقوله:
بالرغم من حالة عدم اليقين في المنطقة، فإن ما يدعو للتفاؤل والثقة أن نرى ان حكومات مثل حكومة الإمارات لم تتراجع عن برنامج الخصخصة ويحيلنا سيكره إلى الماضي بتأكيده إنه حتى خلال المصاعب التي شهدها لبنان والعراق، فقد كانت الأمور تسير بصورة طبيعية في الإمارات، وهذا يرسل «رسالة استقرار» مما يمثل أمرا مطمئنا لرأس المال العالمي. ويقول سيكره إن الحكومات تترك القطاع الخاص يأخذ زمام المبادرة في هذا الانتعاش الاقتصادي، حتى في قطاع البترول والغاز او قطاع الكهرباء والطاقة.
**مشروعات الخصخصة
ويكشف فريدريك سيكره عن انه وفقا للأرقام التي جمعتها «ابراج كابيتال» فإن هناك فرصة هائلة تبلغ قيمتها تريليون دولار في مشروعات الخصخصة التي أعلنتها الحكومات في منطقة شمال افريقيا ـ الشرق الاوسط ـ جنوب اسيا «منطقة مينسا الكبرى»، ويعقب على ذلك بتأكيده ان نمو عمليات التصنيع والنمو السكاني يمثلان «فرصة لا تصدق» امام المستثمرين العالميين.
ويستمر سيكره في الكشف عن المزيد من الحقائق المذهلة بتأكيده أنه خلال عام 2006 فإن من بين 90 مليار دولار قيمة سوق تمويل المشروعات عالمياً فقد ذهب دولار من بين كل ثلاثة دولارات إلى منطقة الشرق الأوسط أي ما قيمته 30 مليار دولار»، وبالإضافة إلى ذلك فإن من بين جميع الأموال التي استثمرت في المنطقة فإن 78% من هذه الأموال جاءت من دولة الإمارات ـ وذلك من خلال شركات توجد مقارها الرئيسية في هذا البلد.
**الخطة الاستراتيجية
وإذا ما عدنا إلى الخطة الاستراتيجية لدبى التي تستهدف زيادة متوسط الدخل إلى 44 ألف دولار بحلول عام 2015 مقارنة بـ 31 ألف دولار خلال عام 2005و، ويقول سيكره «إن الدخل الفردي ينمو وهو بدوره يخلق قاعدة عريضة من رجال الأعمال وأن «الدخل المرتفع يعني زيادة الطلب على كل شيء» من العطور إلى الحديد». ويشير إلى أن الشركات بامتداد ألوان الطيف تطلب الأموال من أجل النمو، وهذا بدوره يجتذب أموالاً جديدة من جميع أنحاء العالم.
ويقول سيكره إن دبي خلقت نموذجاً لذلك، فكلما زاد نمو السكان في ظل ارتفاع القوة الشرائية.. كلما زاد نمو قطاع المؤسسات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة. ويضيف بقوله «إن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي أكبر الجهات التي تخلق الوظائف في أي اقتصاد في العالم، وتوفر أقصى درجات الغنى». ويتوقف الاقتصاد العالمي ليسجل ملاحظة مهمة بتأكيده أن دفع البلاد ـ أي الإمارات ـ باتجاه المستقبل هو أمر جديد كلياً يحركه الجيلان الثاني والثالث من رجال الأعمال الذين تعلموا في الغرب وأكثر تطوراً ويعرفون كيف يحافظون على «ميزة التنافسية».
**تحديات المستقبل
.. ويبقى أن واحدة من أكبر التهديدات «لنموذج النمو» الذي تبنته دبي ودولة الإمارات هو «زيادة الأسعار» الخاصة بالمواد الاستهلاكية والأصول مثلما يقول فريدريك سيكره، ويعقب بتساؤل مهم خاص «بالكيفية التي ستدير بها البلاد هذا النمو الذي حدث نتيجة سياساتها، وهو الأمر الذي سيحدد قابلية هذا النمو للاستمرار. فلا يمكن أن تستمر في النمو بصورة دائمة ومستمرة، فلابد من القيام بعمليات اندماجات، وأعتقد أننا سوف نشهد بعض المفاجآت.
ولم يملك فريدريك سيكره الاقتصادي العالمي الذي عمل لسنوات في المنتدى الاقتصادي العالمي ويعمل الآن انطلاقاً من دبي سوى أن يسجل تساؤلات عن المستقبل الخاص بالمنطقة، ويقول سيكره «هل نحتاج إلى ثلاث شركات طيران كبرى تخدم المنطقة أم نحتاج إلى المزيد؟.. هل نبني قدرات كبيرة للغاية في المطارات أم أنها ستكون كافية؟ هل جزر النخيل الثلاث والعالم ضرورية أم أنها كفاية؟ هذه بعض الأسئلة التي قد تحدد وجهة النمو في المستقبل.
وبالرغم من ذلك فإن سيكره يعتقد أن دولة الإمارات تحتل موقعاً استراتيجياً بالقرب من مناطق عالية النمو مثل الهند، وهذا سيكون محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي إذا ما جرت الاستفادة منه بصورة مؤثرة، ويضيف فريدريك قائلاً: إن الصين والهند في الوضع الراهن هما أكثر الاقتصاديات نمواً في العالم، وفي المستقبل فإن النمو سيعود إلى إفريقيا والإمارات هي في موقع ممتاز بالنسبة لإفريقيا أيضاً.
حوار: محمد صابرين
