ها هو الميدان السياسي، بجانب الميدان الاقتصادي والاجتماعي والرياضي والثقافي، يرينا أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رجل دولة من الطراز الرفيع، ومطلق مبادرات ورؤى أيضا.

وسموه من جانب آخر، رجل ميدان بكل ما يعنيه هذا المصطلح من معان سياسية واجتماعية وثقافية، وهو ما يجعل التعريف اللغوي للعمل، في مرتبة ثانية بعد الفعل، لان الميدان هو الفعل ذاته، كما يعرف ذلك المختصون والخبراء والعاملون في مجالات صناعة القرار.

القيادة هي الرؤية في الفكر، مثلما هي أيضا الحركة في الميدان، وهذه تشكل ما ادعوه (ثقافة الميدان) لدى سموه رعاه الله، كما أنها أصبحت ملازمة لشخصية القيادة السياسية، وتعبيراً عن المزاج النفسي لمواطن الإمارات، وعلامة من العلامات الفارقة في تكوين الشخصية العربية الإسلامية في العصر الحديث.

والميدان في ظروف بلادنا قبل أكثر من أربعين سنه، كان هو الوقوف على حركة الأجداد والآباء حيث هم في البر والبحر، ومتابعة تفصيلات أوضاع الناس في مناطق الحركة والعمل، كما في مجالس الحكام أيضا.

ومن عرف سموه عن قرب، أو أعاد قراءة بعض تاريخ طفولته وصباه، يدرك أن محمد بن راشد، القائد السياسي المحنك، مثلما هو في الفترة الحالية، هو ذلك القائد الذي نشأ وترعرع في (مدرسة راشد بن سعيد) بين مجلس والده، وبين المدرسة والكلية والصحراء ومجالات القيادة الأخرى. كما انه صاحب «وجهة نظر خاصة» في البناء والتحديث، وهي بعض شخصيته في تعبيراتها القيادية، التي جعلت من الميدان العملي محكاَ لاختبار القول، ومختبرا لفرز الناجح من الأكثر نجاحاَ.

وسموه تلخيص متكامل للعمل الميداني، بما يعنيه ذلك من احترام للزمن، وتقدير الرجال، ودراسة الظروف والإمكانيات، وآمال لا تقبل الانكسار في التطلع نحو المستقبل وهو ما لاحظه الأجانب قبل أهل البلاد.

هذا هو ما عمل به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ـ رعاه الله ـ إذ انه تعب على نفسه حقا من زاويتين: الأولى تتمثل في التعلم والتعلم والتعلم، والثانية: العودة إلى (مدرسة) والده الراحل، باعتباره خبرة، وقيادة.

وهو بهذا يكون إعادة قراءة لمنجز إنساني هو المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، في ظروف جديدة محليا وإقليمياً وعربياً وعالمياً، لتكون شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إضافة قيادية، ثقافياً وميدانياً، لمبادئ صناعة الأوطان الحرة.

وإذا ما أخذنا حياة الرجال العظام في تاريخ الأمم والشعوب، لوجدنا أن هؤلاء جميعا يشتركون في منطلق واحد هو احترام القول احتراماً وافراً، وجعل العمل رديفاً ملازماً للكلمة وأن التقدم متلازم بالقول والعمل.

وتلك هي (ثقافة الميدان) بحق. وهذه هي (قيادة الميدان) بعدما استكملت شروط الفعل الثقافي والمعنوي.

ويلخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تاريخاً، ممتداً من فن القيادة وعلومها، بقوله (لا اعرف فيما إذا كنت قائداً جيداً أم لا، لكن ما اعرفه أنني الآن في مركز قيادي، وعندي رؤية واضحة للمستقبل، تمتد عشرين أو ثلاثين عاماً لقد اكتسبت هذه الرؤية من والدي ، وهو يعتبر بحق في مقام الوالد لدبي، لقد أطلق المشاريع، ووقف عليها شخصيا، كان يعرف عنه انه كان يستيقظ باكراً قاصداً مواقع المشاريع ليشرف عليها شخصياً، وأنا أسير على خطاه أبقى على إطلاع على كل شيء، اذهب للمواقع، وأراقب، أقرأ الوجوه، اتخذ القرارات المناسبة، انطلق بخطى سريعة لتطبيق هذه القرارات بحماس وعزيمة عاليين).

نحن أمام فلسفة ورؤية عصرية وحديثة، تربط ما بين الماضي والحاضر باتجاه المستقبل، وتستحضر الأجداد والآباء إلى الأبناء، لتعليم الأحفاد، وتقرن ما بين الكلمة المكتوبة والموقف العملي والتطبيقي في الميدان. ونرى أن هذا التلازم بين القول والفعل، بين العقل والميدان، يعكس مفردات وثقافة غير تقليدية في مجتمعنا والمنطقة، حين نفحص (خطة دبي) حتى سنه 2015 في سياق نظرة سموه، لمكونات وملامح الخطة الاستراتيجية للحكومة الاتحادية 2008 ـ 2011.

تهدف (خطة دبي) لتحقيق نمو اقتصادي بمعدل 11% سنويا وهذا معدل قياسي غير تقليدي، إذ سيصل الناتج الإجمالي المحلي في سنه 2015 إلى 108 مليارات دولار، أي ما يقارب 400 مليار درهم، وزيادة حصة الفرد من الناتج إلى 44 ألف دولار. والهدف في (خطة دبي) كما هو في (الاستراتيجية الاتحادية) المواطن في المدينة والقرية.

ومن جانبنا فان هذين المشهدين الاثنين، يعنيان العمل الخاضع للتخطيط، واستثمار الطاقات بأسلوب عقلاني، وهو ما سنضعه نصب أعيننا حين نتوجه لتعبيد شارع في قرية أو بناء مجمع سكني في مدينة. على إنسانية هذه الفلسفة والرؤية، نشأت ونهضت وقامت حداثة إمارة دبي، وعلى هذا المنوال نتطلع إلى نهضة وطنية شاملة بجميع الميادين، في كل زاوية من بلادنا الحبيبة، لاسيما أن جيلا جديداً من القيادة، تتعانق في ضميره ووجدانه، أصالة الشيخ زايد وميدانية الشيخ راشد ـ رحمهما الله تعالى ـ وتشخصت في صاحب السمو رئيس الدولة، وإخوانهم أصحاب السمو حكام الإمارات، حفظهم الله ورعاهم جميعاً.