حملت آراء العديد من الإعلاميين والمختصين في الحقل الإعلامي الذين شاركوا في مؤتمر «حرية الإعلام في الإمارات» نظرة متفائلة لوضع الإعلام الإماراتي، حيث أجمعوا على ارتفاع سقف الحرية بشكل ملحوظ في الدولة مقارنة بالسنوات السابقة وبالعديد من الدول العربية والمحيطة، وأن المشكلة الحقيقية تتمثل فيما يسمى بالرقابة الذاتية التي تنبع من الصحافي ذاته أو من مؤسسته الصحافية مما يضع قيودا على طرح العديد من القضايا.
وأكدوا أن مسيرة التطور الإعلامي في الدولة لن تكتمل إلا بالتوطين في هذا القطاع، بجانب الاهتمام بالتدريب والتحفيز للكوادر الوطنية وفتح باب التراخيص للصحف وإصدار قانون ينظم عمل الصحافي ويضمن تدفق المعلومات بحرية لخدمة المجتمع.واستضاف مؤتمر حرية الإعلام في الإمارات الذي نظمته طالبات كلية الإعلام وعلوم الاتصال في جامعة زايد مجموعة من القيادات الإعلامية وأساتذة الإعلام حيث تم طرح العديد من الموضوعات ذات الصلة بالإعلام المحلي في خمس جلسات متنوعة.وقال معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي رئيس جامعة زايد في إحدى الجلسات إن إقامة هذا المؤتمر تعبير صادق عما وصلت إليه الإمارات من انفتاح وحرية في طرح القضايا الاجتماعية ومناقشتها.وأشار محمد يوسف رئيس جمعية الصحفيين إلى أن الدولة راغبة في التغيير وجادة فيه وتسير نحو التعديل في القوانين المختلفة وأن هذا التعديل فيما يتعلق بقوانين الصحافة سيرى النور قريبا.
وتناولت أولى جلسات أعمال المؤتمر موضوع التطور الملحوظ في الإعلام الإماراتي تحدث خلالها عبد اللطيف الصايغ الرئيس التنفيذي للمجموعة العربية للإعلام ومنى المري رئيسة نادي دبي للصحافة، حيث أشار الصايغ إلى موجات التدفق الإعلامي التي نعيشها اليوم بشتى أشكالها من صحافة مطبوعة وإعلام مرئي ومسموع وانترنت بمواقعه التي تهيمن عليها شركات كبرى مثل موقع «جوجل».إضافة إلى التقنيات الحديثة من الهواتف المحمولة إلى الألعاب الالكترونية وصعوبة السيطرة والرقابة على كل ذلك الكم الهائل من قنوات التدفق الإعلامي، مشبهاً هذا التدفق بمطاعم الوجبات السريعة التي انتشرت بشكل واسع. وقال إن الإعلام المتدفق جرس نقرعه اليوم وواقع لا بد من التعامل معه بوعي، وطرح الصايغ لمواجهة ذلك التحدي وحماية أبنائنا والأجيال القادمة حلين أساسيين تمثلا في التربية بدءاً من البيت والأسرة والتعليم المرتبط بالمدارس والجامعات بحيث يصبح الإنسان بذاته منتقيا ورقيبا على الأفكار التي تتدفق إلى عقله.
**طموحات عالمية : وحول حرية الإعلام يرى الصايغ أن قيادات الدولة تشجع على الاتجاه أكثر نحو الحرية ورفع سقفها وهذا يتناسب مع تطور الدولة وطموحاتها العالمية ولكن البعض يتعاطى مع هذه الحرية بشكل خاطئ ولا يتبع قواعد وأساليب العمل الصحافي الصحيحة لأسباب كثيرة تعود عادة لأغراض مادية وتجارية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تطورا أكبر حيث أصبحت العديد المؤسسات الصحافية اليوم تعتمد على ذاتها وتسعى لمزيد من الاستقلالية كما هو الحال مع المجموعة العربية للإعلام والتي نجحت في رفع نفقات عن كاهل الحكومة وحققت معدلات انتشار عالية وارتبط هذا النجاح بدراسات وتخطيط.كما أشار إلى أن المصلحة الوطنية هي الأساس ويجب أن يراعيها كل من يعمل في الإعلام فتكون الكتابة بأمانة وصدق دون عرقلة المرحلة التنموية في الدولة. وأشار إلى أن التدفق الإعلامي الحادث كانت له آثار ايجابية في خلق أفكار جديدة منها الاستفادة من الترفيه الذي يمثل اليوم صناعة ضخمة ولا يجب النظر لها على أنها مجرد تقديم مواد خفيفة تستخف بالعقول أو للتسلية بل بالإمكان أن توظف هذه الصناعة إلى خدمة العديد من الأغراض المفيدة ونحقق من خلالها الكثير من الايجابيات.
**حرية غير مكتملة
من جانبها عبرت منى المري من نادي دبي للصحافة عن نظرة متفائلة بالتطور الإعلامي بالإمارات ولكنها رأت أن هذا التطور بإمكانه أن يسير إلى مرحلة أفضل إذا غذي بقدر أكبر من الكوادر الوطنية لأن الافتقاد للكفاءات الوطنية في إعلامنا يجعل حريتنا غير مكتملة، مشيرة إلى أن مدينة دبي للإعلام تبهرها بضخامتها وتنوع مؤسساتها الإعلامية ولكنها تحزنها بعدم تبنيها للكوادر الوطنية.
واستغربت من كون الإعلام يدعو إلى التوطين في كافة القطاعات بينما لا يوجد توطين في القطاع الإعلامي ذاته وهذا تحدٍ يجب مواجهته. وذكرت المري عدة عوامل يجب الاهتمام بها لجذب الكوادر الوطنية للإعلام منها ضرورة مراجعة الكادر الوظيفي للقطاع الإعلامي، والاهتمام بفترات وبرامج التدريب لخريجي هذا المجال بما يضمن انجذابهم للعمل لأن للدولة خصوصيتها ويجب أن يأخذ المواطن مكانه الفعال والحقيقي في الحقل الإعلامي.
وأشارت إلى أن توجه الحكومة اقتصادي وتنموي بشري وأن أي إنفاق من الحكومة على المؤسسات الإعلامية يكون بهدف الدعم والتطوير وليس السيطرة، مشيرة إلى أن حرية الصحافة موجودة بشكل واضح، فاليوم لدينا صحف وأقلام تتحدث بقوة وتنتقد وتهاجم في إطار من الشفافية وإدراك المسؤوليات وقد تفوقت الدولة على كثير من الدول المحيطة بها.
وجاءت الجلسة الثانية لتناقش مدى الحرية التي وصل إليها الإعلام الإماراتي وفيها وجد جابر عبيد مدير إذاعة أبوظبي أنه لا يوجد إعلام حر شرقا أو غربا فأي إعلام ينتمي في النهاية لفئة معينة ويعبر عن وجهة نظرها، والإعلام في الدولة تطور بشكل ملحوظ ومساحة الحرية اتسعت فطبقا لتقرير منظمة مراسلون بلا حدود كانت الإمارات في السابق الرابعة عربيا وترتيبها المئة عالميا في مستوى الحريات الإعلامية الممنوحة لديها ولكنها في العام 2006 أصحبت الثانية عربيا بعد الكويت، ورقم 77 عالميا وكثير من التقارير العربية والعالمية التي أشارت إلى الحرية التي تمتع بها الإمارات.
وأكد جابر ما يسمى بالحرية المطلقة،ثم تحدث عن الحرية من منظور ممارسته لعمله الإعلامي موضحاً أن سقف الحرية ارتفع مقارنة بسنوات مضت مدللا بنوعية القضايا التي أصبح بالإمكان الحديث عنها مثل قضية «البدون» وكذلك النقد الذي يوجه للشركات والمؤسسات والذي يعتقد البعض أنه نقد شخصي أو تصفية حسابات بينما الأمر كله معني بالمصلحة الوطنية.وعبر جابر عن أسفه لعدم وجود مركز واحد من مراكز البحوث في الدولة يضم بحثاً حول حرية الإعلام في الإمارات رغم أهمية هذا المؤشر في تحديد ورصد واقعنا الإعلامي لمعرفة أين نحن بالنسبة للآخرين ونطور ذاتنا.
وأكدت منى بوسمرة أمينة صندوق جمعية الصحفيين على أهمية التدريب للكوادر، إضافة إلى رؤيتها لغياب التقدير للعنصر المواطن مدللة على ذلك باستقالة 5 إعلاميات مؤخرا لعدم وجود تقدير وتدريب وترقيات، كما أن هناك نحو 95 مواطنة مقيدات في جمعية الصحفيين ولكن في الواقع لا نراهم رغم تأكيدها لوجود منافسة شريفة مع الرجل في مجال الإعلام وأنها لم تتعرض لأي مضايقات منه بل وجدت التشجيع من كثيرين.
واختتم محمد يوسف رئيس جمعية الصحفيين المؤتمر بالحديث حول مرحلة أكثر تفاؤلا والمعنية بالمقترحات والرؤى التي رفعوها كجمعية صحفيين إلى المجلس الوطني للإعلام بهدف وضع قانون جديد يصون الصحافي ومهنته، موضحا أن رؤيتهم في هذا القانون تقوم على مبدأ أن الإباحية الأصل والمنع هو الاستثناء. وأشار إلى إنهم في إعداد القانون الجديد ركزوا على توصيف الصحافة ماهيتها وما هو عملها وطرحوا عدة نقاط أساسية منها ضرورة استبعاد عقوبة الحبس، واستقلالية الصحافي والصحيفة ووضعوا الشروط المطلوب من الصحفي الالتزام بها.
دور المرأة «يتعافى» وهناك إقبال على العمل رغم كثرة المعوقات
تناولت حصة لوتاه رئيسة قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات دور المرأة في الإعلام الإماراتي موضحة في البداية أن الحرية تتطلب مناخا مناسبا وضوابط للحفاظ عليها وان الإعلام هو صناعة ولكنه يخاطب العقول وينقل أفكارا ومعلومات، ورأت أن عمل المرأة في الإعلام مر بفترة جيدة ثم انحسار والآن عادت الأمور تتعافى من جديد وأن أعدادا كبيرة من الفتيات في حقل الإعلام اليوم ولكن تواجههم معوقات عديدة منها عدم وضوح مفهوم الحرية ووجود رؤى خاصة في المؤسسة تحدد نوع القضايا الممكن تناولها دون غيرها إضافة إلى غياب التحفيز.
كما أشارت لوتاه إلى إقبال الطالبات أكثر على تخصص العلاقات العامة وانخفاض أعداد الملتحقات بكلية الإعلام، وطالبت بضرورة التنسيق وبناء جسور التواصل بين المؤسسات الإعلامية والتعليمية لإعطاء المخرجات بالإعداد والجودة المطلوبة.
عبد الله رشيد مدير التحرير لشؤون المحليات في جريدة الاتحاد حمل نظرة ناقضت كافة الآراء السابقة المتفائلة حيث اعتبر أنه لا وجود لحرية الإعلام ولا للصحافة الحرة بل ووصف المجتمع بأنه لا يقبل النقد وذلك استنادا إلى القوانين الموجودة التي يعاقب من خلالها الصحافي على أي خطأ أو مخالفة يرتكبها ذاكرا أنه في الوقت الذي تتسع فيه رقعة الحرية الإعلامية عالميا فان القوانين التي تحكم قضايا النشر في الدولة هي قوانين جنائية وهي ذاتها القوانين التي تحاكم القتلة والمجرمين والمهربين والمغتصبين، فالتطور في الإعلام وخاصة الصحف تحقق من ناحية الشكل ولكن ليس في المضمون.
وتطرق للحديث حول الصعوبات التي تواجه الإعلاميين عموما والصحافيين خصوصا فيما يتعلق بالأحكام في ظل القوانين الحالية متطرقا لبعض مواد القانون الجزائي والذي يعامل الصحافي كمجرم، كذلك استعرض بعض العبارات التي تستخدم لمحاسبة الصحافي في قانون المطبوعات وبنود قضايا النشر مثل «لا يجوز ـ يحظر النشر ـ يعاقب بالحبس».
منى أبوسمرة تبحث عن الإبداع
قالت منى بوسمرة إنه بدون حرية لا يوجد إبداع واستعرضت تجربتها الشخصية في العمل الإعلامي بدءا من دراسة التخصص الذي لم يكن يلقى إقبالاً كبيراً إضافة لغياب جانب التدريب العملي في جامعة الإمارات وقتها واقتصار الأمر على كتب ونظريات ومن ثم إصرارها على إثبات ذاتها في هذا المجال.
فشل التخطيط وراء تراجع قناة أبوظبي
جابر عبيد علق على سؤال لإحدى الحاضرات حول سبب تراجع قناة أبوظبي التي بلغت في فترة سابقة القمة في العطاء والتميز خاصة في الناحية الإخبارية موضحاً أن القناة بالفعل وصلت إلى درجة نجاح كبيرة، وكنا نرى شعار القناة يعرض في نحو 120 محطة عربية وعالمية تنقل عنها، ولكن التراجع الذي حدث سببه فشل في عملية التخطيط التي تضمن استمرارية مشوار التطور والنجاح والذي حدث الآن أن معدل المشاهدة للقناة انخفض لدرجة كبيرة.
400 صحيفة ومجلة و150 فضائية في مدينة دبي للإعلام
محمد الملا مدير مدينة دبي للإعلام تحدث حول المنطقة الحرة معبرا عن فخره لما وصلت له الدولة وأن التطور مستمر للأفضل، واستعرض مراحل التطور منذ الإعلان عن تأسيس مدينة دبي للإعلام في العام 2000 وأنها بدأت في العام 2001 بقرابة الـ 80 صحيفة ومجلة إعلامية بينما وصل العدد اليوم إلى أكثر من400 إضافة إلى أكثر من 150 محطة فضائية.
مشيراً إلى أن المنطقة الحرة تساهم بشكل كبير في تنويع مصادر الدخل وتلعب دورا في دعم اقتصاد الدولة وان هناك قوانين وتشريعات تحكم العمل بها مع مراعاة المحرمات الثلاث التي لا يسمح بالخوض فيها وهي عدم التعدي على الديانات، ومنع التطرق للأمور الإباحية، والبعد عن الأحزاب السياسية والتطرف موضحا أن للمنطقة الحرة جهة قضائية مختصة.
وحول الإقبال الأجنبي على المنطقة الحرة أكثر من العربي قال الملا إن السبب لأن العربي لديه توجهات وخيارات أخرى في المنطقة لكن الأجنبي لا ينظر لهم كمنطقة حرة بل ينظر لدولة الإمارات ككل وما تمتاز به من انفتاح وتطور وأمن واستقرار، كما سجل تعليقا على موضوع التوطين في المنطقة الحرة أن نسبة التوطين قارب الـ 35 في المائة وستزداد مستقبلا في إطار وجود عوامل مشجعة من التدريب والتحفيز.
علي هامش المؤتمر- أقلام تمتلك الحس الوطني
معالي الشيخ نهيان بن مبارك أعرب عن تقديره لجهود طالبات جامعة زايد في إعداد وتنظيم المؤتمر والذي يدل على مدى وعي الطالبات بمجتمعهم ويعكس تواصل الجامعة مع المجتمع المحلي.
وأشار معاليه إلى وجود عدد من الإعلاميين المدركين لدورهم والحريصين على المصلحة الوطنية، مؤكداً عن فخره بهذه النخبة الإعلامية الموجودة التي بأقلامها وحسها الوطني تقدم الكثير في خدمة المجتمع ولديها القدرة على تقييم ذاتها وهذا دليل وعي ونضج إعلامي حقيقي.
مشروع تخرج يستحق التقدير
د.سليمان الجاسم مدير جامعة زايد اعتبر المؤتمر الذي نظمته طالبات كلية الإعلام تجسيدا حقيقيا للتعليم المتطور والوعي الثقافي كما أنه يأتي ضمن مشروع تخرجهن الذي يبرز كماً كبيراً من الاعتماد على الذات والتعلم الذاتي والبحث وإبراز المهارات المتنوعة التي تلقتها الطالبة، مشيرا إلى محاور المؤتمر التي أتت من قناعة بأن الإعلام منبر حقيقي للرأي الحر وكشف الحقائق ومرآة المجتمع الصادقة ودعا إلى تضافر الجهود بين كافة مؤسسات المجتمع والتأكيد على ضرورة وجود توازن بين مبدأ حرية الرأي والتعبير والالتزام بالأطر العامة وسياسة الدولة وخاصة ونحن نعيش في عصر الانفتاح الإعلامي.
سرية المصادر
طالب محمد يوسف بحرية تدفق المعلومة وأن يعاقب من يمنع تدفقها ومحاسبة من يتعدى على صحفي، موضحاً ان المقترحات التي رفعت إلى المجلس الوطني للإعلام تؤكد على سرية المصادر، وطالبوا بفتح باب التراخيص للصحف ودون ذلك سنبقى في مكاننا.
الرياضة أوفر حظاً وقضاياها ساخنة
اعتبر كفاح الكعبي رئيس القسم الرياضي في صحيفة الإمارات اليوم أن الرياضة هي الأوفر حظا في تمتعها بالحرية وأن ذلك ليس سياسة تنفيس بل هي حرية حقيقية سمحت بتناول العديد من الموضوعات والقضايا والآراء بقوة، مشيرا إلى أن مشكلة الحرية لا تتمثل في الحكومة ورقابتها بل في وجود صحافيين يخافون المواجهة وطرح القضايا الساخنة وهذا ما يسمى بالرقابة الذاتية الموجودة لدينا والسبب وراءها أننا لم نعتد الجرأة ولا الصراحة حتى مرؤوسينا في المؤسسات الصحفية يراقبوننا أكثر من الحكومة.
أبوظبي ـ لبنى أنور



