خلال الفترة الماضية احتفلت منظمة الأمم المتحدة بيوم المياه العالمي، نظرا لما يمثله الماء من أهمية قصوى، بل يعتبر عصب الحياة وهو العنصر الأساسي في برامج التنمية المختلفة سواء كانت بشرية أو زراعية أو صناعية، لذا أخذ الاهتمام بالمياه جانبا عالميا، حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يكون يوم 22 مارس من كل عام يوما عالميا للمياه، وتم الاحتفال في هذا العام برفع شعار «التأقلم مع ندرة المياه».

وتم تنظيم العديد من الفعاليات والبرامج الإرشادية والإعلامية التي تتعلق بالحفاظ على الموارد المائية وتوعية الرأي العام العالمي بضرورة الاستخدام الرشيد لها. وقامت الدولة باستغلال هذه المناسبة من اجل رفع مستوى الوعي بأهمية هذا المورد الحيوي وضرورة ترشيد استخدامه والمحافظة عليه.وتعتبر الإمارات في طليعة المهتمين بهذه المناسبة، إذ أن مشكلة المياه ليست في ندرتها وشحّ مصادرها الطبيعية وحدها، ولكن في معدلات استهلاكها أيضا، حيث يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي للفرد في الإمارات 570 لتراً لكلّ شخص في اليوم، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدل العالمي، بينما تلبّي محطات التحلية نحو 80% من المتطلبات السنوية للمياه العذبة داخل الدولة.كما سيؤدي النمو السكاني المستمر والتطوّر التنموي المتواصل إلى زيادة الطلب على المصادر المائية المحدودة للغاية.

** ثقافة الترشيد المائي

وتشير توقعات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى زيادة العجز في إمدادات المياه إلى 67% من حجم الطلب على المياه بحلول عام 2015، ذلك أن المياه الجوفية التي تعتبر المصدر الطبيعي الوحيد للمياه في الدولة، لم تعد تفي من حيث الكم والكيف بمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، كما أن هناك تحذيرات من أنّ مخزون المياه الجوفية غير المتجدّدة الذي استغرق تجميعه مئات أو آلاف السنين قد يُستنفَد في غضون عقدين من الزمن بمعدّلات الاستهلاك الحالية.

وفيما يقل معدل النمو السنوي للطلب العالمي على المياه عن 3%، فإن هذا المعدل يتراوح بين 6% و7% في الإمارات.

وإذا كان اليوم العالمي للمياه شكّل مناسبة مهمّة لتكثيف برامج التوعية في ترشيد استهلاك المياه ونشر ثقافة الترشيد المائي وتوضيح أفضل الأساليب في الترشيد التي يمكن إتباعها وتأكيد أهمية الترشيد في استهلاك المياه، فيجب أن تكون هذه البرامج متواصلة ومستمرة طوال العام.

**صعوبات وتحديات

ويرى معالي الدكتور محمد سعيد الكندي وزير البيئة والمياه على أن شعار «التأقلم مع ندرة المياه» يؤكد مدى ما يستشعره المجتمع الدولي من صعوبات وتحديات ستواجه الكثير من الدول في المستقبل، لذا فإن قضية نقص وندرة المياه وتدني نوعية المتوفر منها يعد إحدى أهم القضايا البيئية والاقتصادية التي تشغل الجميع في الوقت الراهن.

وقال معاليه: استشعاراً بالدور الحيوي للماء وندرته برزت الحاجة الماسة إلى الإدارة المتكاملة للموارد المائية بهدف التنمية المستدامة لها، وتعد مسألة توفر مصادر موثوقة للمياه العذبة الصالحة للشرب أمراً حيوياً بالنسبة للمجتمعات من أجل البقاء على قيد الحياة وتفادي الأمراض ومواجهة الكثير من التحديات الصحية والتنموية.

وأوضح أن الإمارات تعد من الدول التي تعاني من قلة الموارد المائية الطبيعية نتيجة لموقعها الجغرافي والذي يقع ضمن المناطق الجافة حيث إن كمية الأمطار المتساقطة شحيحة ومعدلات التبخر مرتفعة ومعدل تغذية المياه الجوفية محدود، بالإضافة إلى الاستهلاك المتزايد للمياه في جميع المجالات وخاصة الزراعي منها باعتبار المياه الجوفية المصدر الأساس لمياه الري.

وأكد الكندي أنه انطلاقا من حرص الدولة على تنمية الموارد المائية والمحافظة عليها فقد أولت وزارة البيئة والمياه اهتماماتها لوضع استراتيجيات تهدف لتنمية الموارد المائية وترشيد استهلاكها، واقتراح القوانين والقرارات المتعلقة بتنظيم استخدامها. وإقامة العديد من المشاريع لسد الاحتياجات السكانية والصناعية والزراعية المتزايدة وتنمية المحافظة على مخزون المياه الجوفية.

**تغذية المياه الجوفية

وقال الكندي: إن من أهم هذه المشاريع تحلية مياه البحر حيث قطعت الدولة شوطا كبيرا في هذا المجال حيث تصل الطاقة التصميمية لمحطات التحلية إلى أكثر من950 مليون متر مكعب سنويا، وبناء 114 سداً وحاجزاً لتغذية المياه الجوفية بطاقة تخزينية تقدر بـ 118 مليون متر مكعب.

وأضاف انه من خلال شبكة آبار المراقبة (التي يقدر عددها بـ 216 بئراً) والمنتشرة في مناطق مختلفة بالدولة يتم رصد التغيرات التي تطرأ على منسوب المياه الجوفية وكذلك على نوعية المياه.

وبين الكندي أن وزارة البيئة والمياه وبالتعاون مع الجهات ذات العلاقة تبذل جهوداً متواصلة لترشيد استهلاك المياه، حيث تقوم الوزارة بدعم المزارعين بمواد الري، حيث بلغت نسبة المساحة المزروعة في الدولة والتي تطبق أنظمة الري الحديث أكثر من 86% ما يساهم في الحد من تدهور منسوب ونوعية المياه الجوفية وفي تحسين الإنتاج الزراعي.

وقال: إن الدولة تسعى إلى وضع التشريعات والقوانين الخاصة بالمياه والمحافظة عليها وطرق ترشيد استخدامها، ومن أجل زيادة موارد المياه فقد تم إقامة محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في ري المسطحات الخضراء والحدائق المنتشرة في المدن وفي ري مشاريع الغابات وأشجار التحريج.

وتقدر كميات المياه المنتجة من محطات معالجة مياه الصرف الصحي في الدولة بـ 338 مليون متر مكعب سنويا، وأوضح أن هناك مشاريع لبناء محطات جديدة والتوسع في بعض المحطات القائمة. كما وتتواصل الجهود لعمليات حصر وتقييم مصادر المياه المتاحة من خلال الدراسات الفنية بهدف الكشف عن خزانات جديدة للمياه الجوفية وتحديد طرق استغلالها بالإضافة إلى وضع إطار متكامل لإدارتها وتنمية مصادرها على مستوى الدولة.

وأكد معالي الدكتور محمد سعيد الكندي أن جزءا كبيرا من سكان العالم يعانون من نقص شديد في مياه الشرب الضرورية للصحة والاقتصاد وان الوضع يسوء إذا استمرت نظم مصادر المياه الحالية على ما هي عليه اليوم. وقال كلنا ثقة بأن تشكل مصادر المياه غير التقليدية حصة كبيرة لتلبية الطلب المتزايد على المياه.

وأضاف معاليه أن حكومة الإمارات تولي إمدادات وصيانة المياه أولوية كبرى حيث حققت العديد من الانجازات لتلبية الطلب الهائل على المياه، كما أولت الوزارة والعديد من الجهات المختصة اهتماما كبيرا للاستفادة من إعادة استخدام مخلفات المياه المعالجة وتستخدم في ري المزروعات والحزام الأخضر وطرحت حملات توعية تحث على ترشيد استهلاك المياه وأدت إلى قيام المزارعين باستخدام نظم ري حديثة لري مزارعهم والتي تغطي حاليا ما نسبته 86% من المناطق المزروعة في الدولة. وأشار إلى أن توفر الطاقة شكل عاملا فعالا ومفيدا في قطاع تحلية المياه ومعالجة مخلفات المياه كوسائل رئيسية لزيادة إمدادات المياه.

**تحلية مياه البحر

وحول جهود المركز الدولي للزراعة الملحية في هذا الشأن قال محمد حسن العطار مدير عام المركز إن هذه الجهود تتمثل في دوره البارز في التنمية الزراعية وعلى ما يقدمه من تجارب كبيرة لنقل تقنيات الزراعة الملحية وتطويرها وتوزيعها على المستوى المحلي والإسلامي مساهمة في حل إشكالية ظاهرة التملح وتخفيف الضغط على استهلاك المياه العذبة.

وقال إن المركز في تعاونه وشراكاته مع المنظمات الدولية والدول الإسلامية وله أهمية بالغة في أداء رسالته، مؤكدا أن المركز بصدد وضع إستراتيجية جديدة لأعماله وأنشطته يتم تنفيذها خلال الفترة من 2008 وحتى 2012م وتعتمد على إيجاد فرص وآفاق استثمار مصادر المياه الهامشية في ري المسطحات الخضراء والزراعات التجميلية في المدن وزيادة مشاريع تحلية مياه البحر في دول مجلس التعاون الخليجي.

وقال العطار إن المركز الدولي للزراعة الملحية نظم ورشة عمل خلال الشهر الماضي ضمت 60 خبيراً ومسؤولا يمثلون 25 دولة ومنظمة ومركز أبحاث من مختلف أنحاء العالم لمناقشة هذه القضية حيث تطرق الخبراء إلى موضوعات استصلاح الأراضي المتدهورة والحد من التصحر ونوعية المياه في المنطقة ومصادر الطاقة الحيوية والتكنولوجية الحيوية وطرق الاستفادة منها، والتغيرات البيئية العالمية ومدى إسهامات المركز في هذه المجالات.

وأوضح أن النقاشات انطلقت من واقع النجاحات التي حققها المركز وما يمكن أن يقدمه في المستقبل وتوسعة نطاق عمل المركز تدريجيا ليشمل القضايا المتعلقة بالمياه الهامشية وذلك انعكاسا للتوجهات العالمية والإقليمية للقضايا البيئية.

وقال العطار: إن الخبراء أكدوا على ضرورة قيام المركز بالتعاون مع عدد من المراكز الدولية المعنية والمتخصصة مثل ايكاردا وإكريسات وغيرها من المراكز ومع برامج البحوث الوطنية في دول المنطقة لتوحيد الموارد وتنسيق الجهود من أجل تحقيق النتائج المطلوبة في مجالات الزراعة والمياه، واعتبر المجتمعون أن المركز يمثل نموذجا فريدا للمراكز الدولية مؤكدين أن تطوير خطته الإستراتيجية تتماشى مع التغيرات العالمية التي تركز على مجال المياه واستخداماته المختلفة في الزراعة والصناعة والاستخدامات المنزلية المختلفة.

وبين أن دول المنطقة التي يشملها نطاق عمل المركز تعاني من الجفاف، وقال: إنها من أكثر المناطق جفافا وفق المقاييس العالمية مع ارتفاع نسبة الزيادة السكانية فيها وانخفاض حصة الفرد من المياه العذبة بالمقارنة مع بقية دول العالم إضافة إلى النزاعات الإقليمية على الأنهار وما تخلفه من مشاكل سياسية.

وأشار الدكتور العطار إلى دعوة المجتمعين لعدم التوسع السريع للمركز ليشمل جميع قضايا المياه، حيث ينظر العالم إلى المركز على أنه مركز متميز في مجال أبحاث الزراعة الملحية والمياه غير التقليدية، مؤكدين أنه لا يمكن لمركز واحد أن يغطي كل شيء ولذا فإن التخصص مطلوب، ولا بد من دراسة جميع خطوات التوسع بتمعن شاملا المرحلة الانتقالية التي تعنى بالمرافق والبنية التحتية والأولويات الجغرافية للمركز وخاصة التعاون مع القطاع الخاص.

وأضاف العطار أن المركز وخلال مسيرته التي وصلت إلى ست سنوات تمكن من أن يضع لنفسه مكانة مرموقة على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي وأصبح معلما علميا تفتخر الإمارات باستضافته على أرضها، مؤكداً أن المركز يلبي التوجهات والسياسات للبنك الإسلامي للتنمية بشكل عام والدولة المضيفة بشكل خاص.

مشيرا إلى أن المركز ينتهج الطموحات الإستراتيجية الجديدة لدبي وقال إن المركز وخلال السنوات الماضية نال ثقة المنظمات والصناديق والمراكز الدولية وقدم خدمات جليلة لكثير من الدول الإسلامية، حيث كان تركيزه في الخطة الإستراتيجية الأولى على البحوث والمشاريع التنموية في مجال الزراعة الملحية وإرساء نظم وتطبيقات جديدة عالية التقنية لاستخدام المياه المالحة في الزراعة وحل مشاكل تملح التربة والاستفادة من الأراضي الهامشية في التخضير البيئي عبر أربعة برامج متكاملة، لخصها الدكتور العطار في:

برنامج الموارد الوراثية وبرنامج إدارة النظم الزراعية وبرنامج الإعلام والربط الشبكي وبرنامج التدريب وحلقات العمل والإرشاد، مؤكدا أن المركز حقق من خلالها على أرض الواقع منجزات تنموية كبيرة إذا ما قيست بالموارد والإمكانيات المتاحة.

وقال: إن هناك ضرورة لاهتمام المركز بإدارة مصادر المياه الجوفية بحيث تتكامل موارد المياه بأنواعها المختلفة والتركيز على حقوق ملكية المياه ونوعيتها.

**مياه الأمطار

ويقول أحمد سيف المطري رئيس قسم الموارد المائية بوزارة البيئة والمياه: إن حصاد مياه الأمطار من أهم التقنيات التي استخدمها أبناء الإمارات منذ مئات السنين حسب المعطيات التاريخية لهذا التقنية وذلك نظرا للجفاف وندرة الأمطار في الدولة دعت هذه العوامل، أبناء المنطقة إلى ابتكار وسائل لحصد مياه الأمطار والاستفادة منها في الأغراض الزراعية والأنشطة السكانية المختلفة ما كان لها عظيم الأثر في ازدهار الزراعة في أرجاء الدولة كافة.

وقال: إن من ابرز هذه التقنيات التي أمكن الاستفادة منها بناء الحواجز الترابية الصغيرة في مناطق جريان السيول والاستفادة منها في ري المزارع، وبناء الأحواض أو ما يعرف محليا بـ «الحبائس» وهي تأخذ شكلا دائريا أو مستطيلا وتتميز هذه الحبائس بسعة حجمها وأيضا تساهم بفاعلية في الأنشطة الزراعية والسكانية المختلفة ونشأت بجوارها الواحات في الدولة ومن أبرزها حبيسة البثنة في إمارة الفجيرة وحبيسة المورد في إمارة رأس الخيمة.

وأضاف: أما في المناطق الجبلية الوعرة فلقد قام أبناء الدولة ببناء ما يعرف بالبركة وهذه عبارة عن بناء إسمنتي أو طيني يقوم ببنائه الأهالي لحصد مياه الأمطار المتدفقة من الجبال وتأخذ شكلا هندسيا مربعا أو مستطيلا وتخزن المياه لعدد من السنوات ويستفاد من مياهها في الاستخدامات السكانية كالشرب وسقي الحيوانات في الدرجة الأولى ثم الاستفادة منها في الأنشطة الزراعية الأخرى.

وقال: إن حصاد الأمطار يتم بوساطة الجريان والتخزين، لاستخدامه على نحو مفيد، وتتم عملية حصاد المياه بصورة طبيعية أو بتدخل الإنسان. ويمكن مشاهدة الحصاد الطبيعي للمياه في أعقاب عواصف شديدة، إذ تتدفق المياه إلى المناطق المنخفضة مشكلة تجمعات مائية على هيئة بحيرات طبيعية يستثمرها المزارعون في الأنشطة الزراعية.

أما بالنسبة لحصاد المياه بواسطة الإنسان فيتم من خلال بناء المنشآت المائية المختلفة مثل السدود والبحيرات الصناعية المختلفة أو كليهما معاً. ويمكن الاستفادة من المياه المتجمعة في الأغراض الزراعية والأنشطة السكانية المختلفة. وأوضح المطري أن المياه المتجمعة يمكن استخدامها في الأنشطة الزراعية المختلفة وتوفير المياه للاستخدامات السكانية المختلفة كالشرب والاستخدام المنزلي والأنشطة المختلفة.

كما أنها تحافظ على استقرار المجتمعات الريفية والبدوية وذلك من خلال الاستقرار المعيشي في المناطق التي تتوافر بها مياه للاستخدامات الزراعية والأنشطة السكانية ولا تزال القرى متواجدة في الأودية المذكورة، بفضل توفر المياه وبالتالي الازدهار الزراعي، ما كان لها عظيم الأثر على نمو قرى ومدن في المناطق الجبلية من الدولة.

تحقيق: السيد الطنطاوي