وضع الإسلام نظاماً راقياً في قضايا الأحوال الشخصية وخاصة أحكام الزواج والطلاق حتى صار مصدراً من مصادر التشريع عند كثير من الأمم ، ومن ضمن هذه القضايا قضية الخلافات الزوجية التي تصل فيها إلى مرحلة اللا عودة أو مرحلة الطلاق والعرض على المحكمة للفصل فيها.
وقد قامت الدولة بسن القوانين المختلفة والمأخوذة من القرآن الكريم والسنة النبوية لحل هذه الخلافات، ففي دبي أصدر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس المجلس التنفيذي نظام المحكمين في دعاوى الأحوال الشخصية بإمارة دبي وتم إنشاء لجنة في المحكمة تسمى «لجنة شؤون المحكمين» للإشراف على المحكمين المسجلين في الجدول ومتابعة شؤونهم وتنظيم اختيارهم.
كما تم اختيار عدد من العلماء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري كمحكمين يقومون بالإصلاح بين المتخاصمين من الأزواج بعد استحكام المشاكل إلى الدرجة التي لم يعد فيها الزوجان قادرين على حلّها حلاً مرضياً، مصداقا لقول الله سبحانه: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً).
وهذه المرحلة من الصلح محاولة من محاولات إصلاح ذات البين بين الزوجين، وهي التي تطلق عليها مرحلة التحكيم أو صلح التحكيم.
وفي هذا التحقيق نتعرف على نظام التحكيم ودور المحكمين وما مدى نجاحهم في الصلح وحل مشكلة الطلاق والمشاكل الزوجية.
في البداية يحدثنا الدكتور حمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري عن مشاركة علماء من الدائرة في القيام بمهمة التحكيم، فيقول: إن المشاكل الزوجية متعددة ومتشعبة ومن الأفضل أن يكون الحل من الزوجين أنفسهما أو من خلال الأهل، أما إذا استحكم الأمر فلابد من جهة مختصة تأخذ دور الناصح والمرشد في هذا الجانب، والتحكيم هو عبارة عن نصح وإرشاد، والمحكمون يجب اختيارهم من أهل العلم والدراية بالأمور الشرعية والتقوى والبعد عن الهوى.
وأضاف الشيباني أن هناك من الخلافات يستطيع الزوج والزوجة حلها بعيدا عن تدخلات الآخرين وهذا برأيي أفضل الحلول وحتى لا تذاع الأسرار خارج نطاق الأسرة، وأما عند إصرارهما على الطلاق فإن المحكمين يقومون بالمهمة.
وقال الشيباني: إن الإصلاح بين الزوجين مهم ونحاول من خلال الدائرة ومن خلال المجموعة المختارة من العلماء التوفيق والإصلاح، مع وجود عنصر من النساء باستطاعتها التواصل مع الزوجة والتعرف منها على المشكلة والوصول معها إلى حل.
وحول أسباب ارتفاع معدلات الطلاق قال مدير دائرة الشؤون الإسلامية: إن هناك العديد من الأسباب التي ترفع من معدلات الطلاق أولها عدم النضج الفكري والعقلي وانعدام الثقافة الزوجية وعدم وجود الجهة التي تقوم بغرس هذه الثقافة وشيوع بعض المفاهيم السلبية لدى الشباب.
ثمرة الزواج
د. سيف الجابري مدير إدارة الإفتاء والبحوث بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري وأحد المحكمين يرى أن الإمارات حرصت على أن تكون العلاقات الأسرية محكومة ومحفوظة بالضوابط الشرعية، ولذا فقد سنت لها القوانين المختلفة والمأخوذة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وعلى ذلك صدر قانون المحكمين لحكومة دبي.
وقال إن هذا القانون أخذ البعد الشرعي في حل القضايا الأسرية، والتي يجب أن يقدم لها العلاج وأن تكون هناك آلية عمل تظهر من خلالها ضوابط العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع، وحتى لا يتعسف ولا يستبد أحد برأيه جاءت الشريعة الإسلامية بنظام التحكيم بين الزوجين، ليقوم المحكمان بالنصح والإرشاد بينهما بعد الاستماع إلى وجهة نظر كل طرف كما قال سبحانه «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً».
وأضاف الجابري أن هذه الآية جاءت بمفهوم عظيم وهو انه متى وصل الشقاق إلى نهايته وأصبحت الحياة الزوجية مهددة أو على حافة الهاوية عند المتخاصمين تهدئ هذه الآية من سرعة القضاء وتدعو إلى المحافظة على ثمرة الزواج من أولاد ومال، فجعلت حل المشكلة بين أناس يتسمون بالحكمة والعقل وهما «المحكمان».
ويقول: قبل إحالة الأمر إلى المحكمين فإن الدولة رأت أنه من الأفضل أن تمر هذه العملية أي عملية الطلاق والتفريق بين الزوجين بعدة خطوات تتضمن إما معيشة بمعروف أو تسريح بإحسان بديلا عن النزاع والشقاق والخلافات التي تنعكس آثارها الخطيرة على الجميع، ومن هنا كان مكتب الإصلاح الأسري الذي يقوم بدوره في الصلح.
ويستطرد الدكتور سيف الجابري ويضيف: عندما يأتي الزوج والزوجة لطلب الطلاق فإن أول مرحلة للحل تكون بتوجيه المتخاصمين إلى أهمية الصلح وإذا عجز أهل الاختصاص في ذلك، يرفع الأمر إلى القاضي لأنه صاحب الحق في أمور الطلاق، والقاضي هنا قيده القانون وقبل إجراء الطلاق ومن خلال الضابط الشرعي أن يحيل الموضوع إلى محكمين ليستكملا جهود الإصلاح.
ويؤكد الدكتور سيف الجابري أن عمل الحكمين يختلف عن عمل قسم الإصلاح لأن الحكمين يعرضان المسائل الفقهية والأحكام الشرعية والالتزامات المشتركة من حقوق وواجبات بين الزوجين، وبعد قناعة المحكمين بما يصدر عن الزوجين أن يصدرا الحكم إما ببقاء الزوجين في الحياة الزوجية وإما بالتفريق إذا رأوا استحالة العيش بينهما.
وعن تعيين الحكمين قال الدكتور سيف الجابري: يتم تعيين الحكمين أولا عن طريق أصحاب العلاقة وهم الزوجان بعد أن يحيلهما القاضي للتحكيم، وللزوج أن يرشح من يحل محله ويقبل حكمه ويثق فيه ويكون حكمه نافذا، وكذلك فإن الزوجة لها أن تعين حكما عنها ترتضيه، ولابد من شروط للمحكم وهي أن يكون إنسانا ملما بأمور الشرعية وأن يكون صالحا تقيا، وألا يكون محل خلاف وأن يحكم بعدل وأمانة دون ميل، بل يجعل ميزان العدالة نصب عينيه وما يرتضيه الشرع، وإذا عجز الزوجان عن إحضار حكمين عنهما كلفت المحكمة حكمين تراهما مناسبين ويصلحان ليحلا مكان الخصمين، وجاء نظام المحكمين ليحل مشكلة كبيرة في النزاع.
وبين الجابري أنه يجب على الحكمين أن يتميزا بالنزاهة والحسبة لله وعدم قبول الهدايا أو ما يماثلها من أطراف المشكلة.
توزيع القضايا
ويضيف الدكتور الجابري أنه من الأفضل للزوجين اختيار الحكمين من الأهل لأنهما الأقرب لموضوع الخلاف وللمحافظة على سرية العلاقات الأسرية وعدم إشاعة مثل هذه الخلافات، فإن لم يجدا من يثقان فيه لجآ إلى المحكمين المنتسبين إلى قائمة التحكيم في المحكمة أو اختيار من يرونه من أصحاب العلم، وتشارك دائرة الشؤون الإسلامية في هذه العملية من خلال عدد من العلماء التابعين لإدارة الإفتاء والبحوث الذين يقومون بهذه المهمة بتوجيهات المدير العام.
وعن آلية المهمة التي يقوم بها المحكمون في الدائرة قال الجابري: عند وجود مشكلة يحال إلينا الكتاب الصادر من محاكم دبي وعن طريق المدير العام لإجراء اللازم فأقوم بصفتي مديرا للإدارة وكعضو في لجنة التحكيم الخاصة بالدائرة بتوزيع القضايا بين العلماء ولكل قضية حكمين أحدهما يمثل الزوج والآخر يمثل الزوجة مع رفع رسالة رسمية إلى المحكمة، ثم يقوم الحكمان بأداء القسم على بذل الجهد بإخلاص وأمانة أمام القاضي المشرف على ملف القضية، ثم يحدد موعد للقاء أصحاب العلاقة فقط ، تلتقي بالزوج منفردا.
وفي أثناء وجود الزوجة نستدعي مصلحة من إدارة التوجيه الأسري بالدائرة للحضور لمعرفتها بأمور النساء ولرفع الحرج عن المرأة صاحبة القضية وحتى نبعد عنها هذا الحرج والرهبة وهي تمثل أمام العلماء ولا تستطيع أن تبرز ما عندها إلا إلى واحدة من بني جنسها، ونترك لها الفرصة مع إحدى الزميلات لتناقش معها المشكلة.
وقال: إن مثل هذه القضايا حساسة وكان علينا حصرها في نطاق ضيق فحاولنا أن يكون العمل في التحكيم من خلال مجموعة معينة على علم شرعي في خفايا التحكيم والإصلاح والإرشاد وحاصلة على دورات إضافية في هذا العمل، وأما إذا استدعت الحاجة إلى معرفة حكم شرعي معين يتم الاستعانة بأحد العلماء.
وأوضح الدكتور سيف الجابري أن 90% من القضايا المحالة للتحكيم لا تحل وإنما يتم الانفصال والتفريق والسبب في ذلك يرجع إلى أن هؤلاء لا يأتون إلى التحكيم إلا بعد أن تدخلت مكاتب المحاماة في الحياة الشخصية وفتحت أذهانهما على الأمور القانونية والحقوق وغيرها فأعمت البصيرة فلم تعد ترى الحقيقة، والعلم بهذه الأمور يوسع الخلاف والفراق أكثر مما يبشر بالعودة والرجوع إلى الحياة الزوجية مرة أخرى.
ويقول الدكتور سيف الجابري: من خلال تجربتي أرى أن يبدأ الزوجان بأنفسهما في حل المشكلة والابتعاد عن مكاتب المحاماة ليس طعنا في الأخوة المحامين ولكن تخفيفا على جيوب المتخاصمين وحتى لا يطول النزاع وتحقد القلوب خاصة قلب الزوج الذي تشكوه زوجته للقضاء فتزداد الخلافات وتتأجج النيران.
لجان المصالحة
ومن جانبها تقول راية المحرزي واعظة وباحثة اجتماعية: إن عملية الإصلاح بين الزوجين على قدر كبير من الأهمية خاصة في عصرنا هذا الذي نعيشه وفي ظل عدد من المغريات التي جعلت الأسرة في مهب الريح وجعلت الطلاق في مقدمة القضايا بانتشاره على نطاق واسع، وأكدت المحرزي أن تجربتها في هذا الشأن أثبتت أنه من المهم الإسراع في عملية الإرشاد والنصح وعدم ترك المشكلة لتتفاقم ومن ثم تستعصي على الحل بعد فترة طويلة من النزاع.
وترى المحرزي أن الأهل والأقارب ولجان المصالحة أو التحكيم يمكن أن تقوم بدور فاعل في حل هذه المشكلات، ومؤكدة على دور المؤسسات الاجتماعية والمدارس والجامعات في التثقيف الأسري للشباب وللفتيات.
مبينة أن هناك من المشاكل تم حلها وإعادة الزوجين مرة أخرى إلى بيت الزوجية والعيش بعيدا عن الخلافات والنزاعات.
وتقول موزة عبيد الشامسي واعظة من قسم التوعية الأسرية بدائرة الشؤون الإسلامية: هناك أمور تخجل منها الزوجة ولا تستطيع البوح بها أمام المحكمين عن أسباب الخلاف وتفصيلاته، ودورنا في الحل يكمن في تقريب وجهات النظر والوصول إلى حل يرضي الطرفين من خلال إعلام الزوجة بشرع الله وما لها وما عليها في الحياة الزوجية، وبعض الزوجات لا يردن العودة ويرفضنها إلا إذا وضعت شروطا جديدة للعودة إليه مرة أخرى.
وتضيف لقد قابلت فئات عمرية كثيرة من 17 و18 و24 و30 سنة ووجدت أن الفئة العمرية الأصغر هي التي تصر على الانفصال على عكس الفئة العمرية الأكبر سنا، والسبب سوء الفهم الذي يكتنف الحياة الزوجية وتكوين الأسرة وعدم تحمل المسؤولية من جانب الزوج من رعاية مادية وعاطفية.
وأما من جانب الزوجات فبسبب نظرتهن إلى الزواج بأنه فسحة أو ذهاب إلى المطاعم، وهنا فإن الخطأ يقع على الأهل الذين لم يقوموا بمسؤوليتهم تجاه بناتهم وتعريفهن بالحياة الزوجية وما يترتب عليها من واجبات، فالزواج مسؤولية، ولا بد من وضع القواعد الأساسية للحياة الزوجية ليكون الانسجام والتقارب.
وحول دور قسم التوعية الأسرية قالت الشامسي هناك برامج وفعاليات ومشاريع ومحاضرات للأمهات والطالبات عن تربية الأبناء وللزوجات عن كيفية التعامل مع الزوج وحل المشاكل الزوجية.
حكم وأسرار
عبد العزيز الحمادي موجه أسري بمحاكم دبي يؤكد أن الله شرع الزواج لمصالح عظيمة وشرع من الأسباب ما يكفل له الاستمرار والدوام وجعل الحلول المختلفة لما قد يقع بين الزوجين من خلاف بحيث لا يصار إلى الطلاق إلا بعد أن تنفد جميع الحلول ويعجز أهل الإصلاح عن رأب الصراع وإزالة أسباب الخلاف. ولكن المتأمل في حال البعض من الناس يجد لديهم استخفافاً بعقد النكاح فيبادر إلى الطلاق بلا سبب أو بسبب واه متناسياً قوله تعالى «ولا تنسوا الفضل بينكم».
ويقول الحمادي: إن واقعنا اليوم يحكي صوراً شتى من اللا مبالاة بقيم الألفاظ ودلالات الكلام، وأثر المعاني وثمراته ونتائجه المترتبة عليه، تسمع الكلمة تخرج من فم المرء لا يلقي لها بالاً، ربما هوت به في مسالك الضياع وأقحمته في الهموم وفقدان الشعور، وأعقبته حسرة وندامة، وإن كلمة من الكلمات قد تكون معولاً يهدم به صرح أسرة وبيت ، وتقلب الفرح حزناً، والبسمة عبوساً، والأمل يأساً.. إنها كلمة (طالق).. فكم قطعت من أواصر الأرحام والمحبين.. وكم قصمت وشائج المحبة والعشرة سنين غابرة.
ويبين أن الطلاق كلمة لا ينازع أحد في جدواها، وحاجة كل من الزوجين إليها إذا تعذر العيش تحت ظل سقف واحد، وإذا بلغ النفور بينهما مبلغاً يصعب معه التودد، فالواجب هنا أن يتفرقا بالمعروف والإحسان، كما اجتمعا بهذا القصد أول الأمر «وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعاً حكيماً». ويضيف: أن الله عز وجل لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنان أن مشاعرهما ورغباتهما واحدة لا تتصادم يعيشان في أوهام لأن الهدوء لا يكون داخل البيت على الدوام..
فقد يتعكر الجو، وتثور الزوابع، وارتقاب الراحة الكاملة نوع من الوهم، ومن العقل توطين النفس على قبول بعض المضايقات «فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً» ونكرر حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر».
وقال: لقد كثر الطلاق اليوم حتى أصبحت نسبه تنافس أرقام نسب الزيجات ولذلك حين فقدت قوامة الرجل في بعض الأزواج، إبان غفلة وتقهقر عن مصدر التلقي من الكتاب والسنة، وركن فئات من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت عليهم مفهوم العشرة وأفسدت الحياة الزوجية، وتولى تلك المفاهيم المغلوطة الإعلام بشتى صوره من خلال مشاهدات متكررة، يكون فيها تصورات خاطئة ومبادئ مقلوبة في العشرة الزوجية.
ويرى الحمادي أن الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس يرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرياسة لأنه أخبر بالمصالح، وأقدر على التقيد، بما أودع الله فيه من الخصائص والقدرات التي لا توجد في المرأة وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق إنه أزكى من ذلك وأجل، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الزوج «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف».
وعن زيادة نسبة الطلاق قال: ربما بسبب رجل أعمل سلطته، وأهمل عقله وعاطفته، فكان في منزله عسكرياً يسود فيه نظام الدكتاتورية، قد ينجح في جعل البيت يسير وفق ما يريد، ولكنه لا يذوق طعم المحبة والسعادة، ولا يعرف الصفاء والهناء فيه وإما رجلاً تبع عاطفته فأطاعها، وأهمل سلطته فأضاعها ربما أودت به لمهالك ومهازل، ومع كثرة الحساد والوشاة،الذين صيروا أسباب المودة والوئام أسبابا للتباغض والانقسام، وربما كان لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سبباً مباشراً في كثير من الخلافات، فأذكت نارها، وقطعت أواصرها.
ويؤكد أن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، وعلى الرجل أن يكون حسن السيرة، طيب السريرة رحيماً بأهله، لا يكلف زوجته من الأمر شططاً، وعلى المرأة أن لا تطلب من زوجها غلطاً، ولا تحدث عنده غلطاً ويقول عليه الصلاة والسلام: (استوصوا بالنساء خيراً)، وسئل صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت).
وعلى الرجل ألا يصدر حكم الطلاق القاسي إلا بعد تفكير عميق، ورؤية كافية، فإذا تعذرت الحياة الزوجية، وفشلت جميع أسباب الإصلاح بين الزوجين، فإن الإسلام جعل للطلاق وقتاً يوقع فيه، ولم يجعله تنفيساً لثورة غضب ولحظة اندفاع فلا يطلق إلا بعد طول نظر وتفكير، إذ يحتمل أن يغير رأيه وهذا من مقاصد الشرع المطهر.
وأضاف الحمادي إن مما يقع فيه كثير من النساء مما هو مخالف لتعاليم ديننا الحنيف هو خروجهن من بيوت أزواجهن في حال طلاقهن مباشرة قبل انتهاء عدتهن، وهذا من الخطأ ، بل هو مخالف لقوله تعالى: «لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة»، وقد سمى الله تعالى المطلقة الرجعية زوجة.
وذلك في قوله تعالى: «وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا». فالواجب على المطلقة الرجعية البقاء في بيت زوجها حتى تنتهي عدتها، ولا يجوز لزوجها إخراجها منه وفي ذلك حكم وأسرار كثيرة ومن أهمها: أن قرب الزوجة من زوجها في حال طلاقها الرجعي لهو من الدواعي لإزالة ما علق بالنفس من المنغصات والمكدرات.
الزوج ديكتاتور وعسكري في بيته
حول عملية الطلاق ومن السبب قال الدكتور سيف الجابري: النسبة الكبيرة من طلب الطلاق من نصيب الزوجة فهي التي تطلب الطلاق لقلة إدراك الأزواج بالحياة الأسرية وقيم الأسرة واحتياجات الزوجة المادية والمعنوية، ويؤكد أن الزوج دكتاتور وعسكري في بيته فهو يريد من زوجته كل شيء ولا يعطيها أي شيء من حنان أو ود.
ويضيف أن الزوجة بحاجة لزوج ودود رحيم كريم وخاصة الشابات اللائي تزوجن في مقتبل العمر، والزوج ينسى أو يتناسى أنها بشر تحتاج منه حقوقا أمر بها الدين وأمر بها الشرع للحفاظ عليها، ولا يدري هذا الزوج أن الإحسان إلى الزوجة أمر تعبدي لله سبحانه وتعالى «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة». ويلخص الدكتور الجابري أسباب الطلاق في عدة أمور وهي: السبب المادي والمعاملات المادية وأصدقاء السوء والبعد عن القيم الإسلامية وانعدام الثقافة الأسرية.
تحقيق: السيد الطنطاوي
