حذر أزهريون ومتخصصون في مجال الدعوة من تمادي دعاة الفضائيات في الإفتاء فيما لا علم لهم به، وطالبوا بضرورة التصدي لوضع حد لفوضى الفتوى التي نشهدها في الآونة الأخيرة.

وقالوا إن فتح مجال الفتوى أمام الجميع بصرف النظر عن مؤهلاتهم وعلمهم أمر ينطوي على خطر حقيقي، ويؤدى إلى ارتكاب أخطاء في الدين، وإلى ضياع التعاليم الإسلامية، ونشر البلبلة بين المسلمين، ومن ثم يحدث فساد داخل المجتمع الإسلامي.

ويأتي هذا التحذير متزامناً مع القرار الذي أصدره علماء مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف الذي أكد أن دار الإفتاء هي المرجعية المصرية المنوط بها إصدار الفتاوى الشرعية وبيان الحلال والحرم، وهو ما حسم قضية مرجعية الفتوى الشرعية في مصر، وأكد المجمع في قراره الذي اتخذه بهذا الشأن أنه لا معقب على مرجعية دار الإفتاء إلا مجمع البحوث الإسلامية.

يقول د. محمد شامة أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أن الحياة لا تسير إلا إذا وضع كل في موضعه طبقاً لإمكاناته وتخصصاته، فلا يمارس المهندس مهنة الطبيب، ولا يتصدى الطبيب للشؤون الهندسية، أي أنه لا يقوم أحد بعمل إلا إذا كان قد أتقن عن طريق التعليم والتدريب قواعده، وألم بكل جزئياته، وأحاط بالمعرفة اللازمة لممارسة هذا العمل.

وصدق الله إذ يقول: «ولا تقف ما ليس لك به علم» الإسراء: 63، فخوض الإنسان فيما لا يتقنه إهدار للتخصصات، وضياع للجهد والمال وتخريب لمنظومة الحياة، وبالتالي فهو يؤدى إلى التخبط والبلبلة، وفقدان الثقة في مصادر الإنتاج والمعرفة، لأن كلا يعرف كل شيء، فإذا بحثت عن الحقيقة، فهيهات أن تصل إليها، لأنك لا تستطيع أن تفرق بين من يعرفها حقا، وبين من يدعى أنه يعرفها، ومن هنا فقد حذر الإسلام من ادعاء المعرفة، ونهى عن الخوض فيما هو مجهول، فلا يجوز لأحد إسلامياً أن يتصدى لعمل شيء ما إلا إذا كان متأكداً من الإلمام به، وقادراً على تأديته على أكمل وجه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

تأهيل علمي

وأضاف د. شامة: لا يستطيع أحد التفريق بين ما هو خير وما هو شر، إلا إذا كان عالما بالموضوع، وملما به ومتمكنا من كل ما يتعلق به، بالقدر الذي يؤهله لإتقان ما يقوم به، صلى الله عليه وسلم يقول رسول الله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، فإذا ساد هذا المعنى في المجتمع، انتظمت خطواته، وتلاقت أنشطته المختلفة في منظومة، يكمل بعضها بعضا، فتندمج في نغمات متناسقة، أو تتدافع في إطار تنافسي للوصول إلى الأصلح، فيأخذ مكانه في مسيرة التقدم.

ويتفاعل مع مثيله في بناء صرح الحضارة، وتشييد منارة التقدم، أما إذا خاض كل فيما لا يعرف وادعى ما ليس له انزلق المجتمع إلى متاهات لا يعرف المرء فيها طريقاً، ولا يرى منها مخرجا، ولا يسمع إلا أصواتا متداخلة ونغمات متنافرة، وادعاءات ممجوجة، تتقاذفه يمينا وشمالاً، وتصب في أذنه تفسيرات وتأويلات تقذف به في مهاوى الشك والقنوط حينا، وتبعث عنده الأمل في اليقين أحياناً أخرى.

وقال: لهذا ينبغي أن يميز المتخصصين في الدراسات الإسلامية، بحيث يعرفون للجماهير، فلا يتطفل الجاهلون في مجال الفتوى الدينية، فيضلوا ويضلوا، ولا يتصدر أنصاف العلماء لتدريس العلوم الشرعية، كي تصان التعاليم الإسلامية من شطحات المفكرين، وتبقى الأحكام بعيدة عن سقطات غير المتخصصين، وهذا ما نحاول جاهدين القيام به من خلال وزارة الأوقاف، فنحن نحث المسلمين على أخذ الفتوى من المؤسسات الدينية الموثوق بها فقط، وعدم التعامل مع الفتاوى التى تكون صادرة عن أشخاص غير مؤهلين.

ضبط الإفتاء

أما د. زكى محمد عثمان رئيس قسم الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة جامعة الأزهر، فيؤكد أن الإفتاء من غير علم ظاهرة عبثية وغير مسئولة، فالفتوى أصبح يتصدى لها من هو ليس أهلا لها نتيجة لقناعته الشخصية أو أهوائه، فيتساهل في إصدار الفتوى دون الرجوع لقواعد الإفتاء أو الالتزام بها، الأمر الذي قد يقود في بعض الأحيان إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال والعياذ بالله.

ويبين د. زكى أن أى متابع للساحة الدينية الآن وللكثير من البرامج الدينية التي تبثها القنوات الفضائية المختلفة لابد وأن يدرك حجم المأساة وهو يرى أشخاص تنتقل عبر الهواتف من قناة فضائية لأخرى لتبحث لها عن محلل لفعلها ومؤيد لها، لترمى عليه وزرها فتبرر عملها بفتوى لشخص ليس من أهل الفتوى.

ويستنكر الشيخ فرحات المنجي وكيل الوزارة بالأزهر سابقاً على بعض القنوات استضافة من لا يملك أي وسيلة للإفتاء أو أي شرط من شروط الإفتاء ولم يحفظ القرآن ولم يعرف الرجوع إلى السنة ولا اللغة العربية ودلالات الألفاظ ولا أسباب النزول ولا حتى لديه الورع ما يخيفه من الفتوى، لأن الفتوى أمر خطير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار».

ويضيف: ولكن مع الأسف بعض هذه البرامج ليس على المستوى المطلوب خاصة عندما تستضيف هذه البرامج شخصيات ليست غير مؤهلة ولا يمكنها القيام بمهمة الإفتاء، الأمر الذى جعل الدين مستباحا لمدعى العلم وهواة الشهرة وظهر أناس يتكلمون باسم الدين والدين منهم برى، وأخذوا يفتون بفتاوى غريبة بلا دليل ولا بينة وهو لا يقصدون من وراء تلك الفتاوى سوى الشهرة، وينبغي على وسائل الإعلام وخاصة القنوات الفضائية ألا تقدم للفتوى إلا من هو أهل لها.

شد الانتباه

وتقول د. هويدا مصطفى مستشارة معهد الأهرام الإقليمي للصحافة،يجب علينا كإعلاميين أن نشارك في عملية الصدى للفتاوى مجهولة المصدر، فلابد من التحرك السريع في اتجاه إيجاد إعلام مضاد يوجه المسلمين ويسهم مع المؤسسات الدينية والتعليمية ومع أساتذة علم الاجتماع والنفس في نشر الفتاوى المبنية على أصول فقهية صحيحة.

وفي تشكيل وعي ديني وثقافي واجتماعي قوي قادر على عدم التأثر بتلك الفتاوى، وفي إعطاء المسلمين مناعة تحصنهم من محاولات اختراق معتقداتهم وأفكارهم وتشويه صحيح الدين وإحداث نوع من البلبلة بينهم..

كما يجب على معدي ومقدمي البرامج الدينية الاستعانة بعلماء الدين والعلم في برامجهم وعدم فتح الباب أمام غير المؤهلين، و على المسئولين العمل على إنتاج برامج إسلامية تكون جاذبة للمشاهدين، وتقدم لهم الجرعات الإيمانية والعلمية، والأمصال الوقائية ضد كل ما يخالف صحيح الدين،حتى يتم أخذ الفتوى من المصادر الدينية الموثوق بها، وغير ذلك يجب الا يعتد به.

وتؤكد د. هويدا أن الفتاوى الصادرة عن غير علم تعمل على تشويه القيم والمعتقدات الدينية التي يؤمن بها الفرد، كما أنها تمهد وتروج لعادات وأنساق اجتماعية تخالف تقاليد واخلاقيات المجتمع الإسلامي، وتؤثر سلبا على تركيبة الإنسان السوي.. وهو ما يجب التصدي له بكل حزم قبل كل الجهات المعنية.

وتضيف: قرار الأزهر الشريف جاء ليضع حدا لتلك الفوضى التي أصبحت موجودة فى مجال الإفتاء، ولا شك أن وسائل الإعلام كما هي قادرة على الإسهام بإيجابية في بناء الفرد المسلم، من خلال ما تقدمه من منظومة القيم والأخلاقيات، فهي قادرة على العكس أيضاً إذا تم استخدامها بشكل خاطئ.

أما د. هاجر سعد الدين رئيسة إذاعة القرآن الكريم المصرية سابقاً فقالت: لقد كنا حريصين دائماً في إذاعة القرآن الكريم على استضافة المتخصصين في كافة البرامج التي تبثها الإذاعة،و لم يحدث أن تم إذاعة فتوى قامت بإثارة البلبلة بين الناس أو كانت مخالفة للشرع فنحن جميعاً في الإذاعة نعي تماماً أن الفتوى أمانة وندرك مدى خطورتها وتأثيرها على المجتمع فالفتاوى التي تصدر عن غير الفقهاء تمثل خطراً يهدد بنية الأمة وتماسكها وتوقع المسلمين في الخطأ والحرج.