كان معروفاً منذ الصغر بأنه من الأشقياء، فكثيراً ما كان يترك المدرسة وينطلق إلى الشوارع يؤذي هذا ويسطو على أملاك ذاك، كان (ر) يتيم الأب أما أمه فقد تركته صغيراً في رعاية عمه بعد موت زوجها ولهذا نشأ في بيئة أسرية لم تكن حريصة عليه،
فقد كان عمه صياد سمك وكثيراً ما كان يتغيب عن البيت بسبب عمله لذا وجد (ر) فرصته لأن يعيش في الشارع ومع المتسكعين هنا وهناك من دون هدف، كبر (ر) وأصبح شاباً يافعاً قوي البنية أسمر البشرة شرس الطباع، عمل أول ما عمل في الميناء، كان ينقل البضاعة القادمة من بعض الدول الآسيوية والمناطق المجاورة إلى السوق المحلي لكنه لم يستمر طويلاً،
في تلك المهنة التي أتعبته كثيراً دون أن تدر عليه الأموال التي كان يأمل أن يحصل عليها، كانت آمال (ر) وطموحاته كبيرة فقد كان يريد أن يكون له بيته الخاص وسيارته الخاصة الفارهة، وكان يريد أن يذهب إلى بلاد العالم ويسافر شأنه شأن غيره من الشباب، في أحد الأيام بينما كان جالساً في احد المقاهي يدخن شاهد أمامه صديقاً قديماً التقاه في المدرسة ودارت بين (ر) وصديقه (س) أحاديث طويلة تذكرا فيها أيام الماضي ومن خلال الحديث عرف كل منهما أن الآخر من دون عمل.
لقاءات متكررة
وجد (ر) و(س) كلاً منهما سلوته في الآخر فتعمقت بينهما الصداقة حتى أصبحا يتقاسمان نفس السكن ونفس الطعام، ونفس الهموم، بدأ الرجلان يبحثان عن عمل وعندما عجزا عن ذلك وكثرت مطالبهما المادية وكثرت عليهما الديون ذهبا إلى الميناء من جديد حيث وجدا عملاً على أحد المراكب صباحاً وفي تفريغ المراكب القادمة من الشمال ليلاً حتى تجمع لديهما مبلغاً من المال، فرحا بالمبلغ وقررا أن يسافرا
كما يسافر الآخرون ورغم عدم معرفتهما بأية لغة سوى لغتهما إلا أنهما ركبا الطائرة متوجهين إلى منطقة سياحية جميلة في جنوب شرق آسيا تسمى (بتايا) عندما وصلا إلى هناك شعرا وكأنهما في الجنة، فكل ما يريدان متوفر الخمر، والنساء والمخدرات والسهر وكل ملذات الحياة، لكن هذه المتعة لم تستمر طويلاً فأيام العسل بطبعها قصيرة فقد وجدا بأن الفلوس التي كانت معهما تسربت من بين أيديهم كالهواء لذا قررا أن يعودا من حيث أتيا،
عندما عادا للعمل في الميناء شعرا بالفرق الذي كانا فيه في (بتايا) وما هما عليه في الميناء لذا قررا أن يعملا كل يوم أربع وعشرين ساعة حتى يجمعا مبلغاً من المال ويعودا إلى بتايا) من جديد بعد ستة أشهر كانا في بتايا من جديد وأخذ الحلم يتجدد ويصبح حقيقة ولكن كما حدث في المرة الأولى حدث في المرة الثانية حيث دق ناقوس الخطر عندما انتهت الفلوس من محفظتيهما لذا قررا أن يعودا إلى بيتهما من جديد للبحث عن أموال جديدة يستخدمانها في السفر والمتعة.
عندما عادا هذه التي لم يشعرا برغبة في العودة إلى العمل في الميناء وذلك لطبيعة العمل الشاقة فيه أولاً وثانياً لأن الفلوس التي كانا يأخذانها لم تعد مجزية فالسفر إلى (بتايا) يحتاج الكثير من المال والكثير من المال يعني قضاء أكبر وقت ممكن هناك لذا كان التفكير في إيجاد وظيفة أخرى تدربحاً وفيراً وبأقل جهد ممكن، بحث الرجلان عن عمل آخر فوجدا بأن التجارة يمكن ان تكون حلها الآن إلى ذلك لم يكن ممكناً بسبب عدم توفر سيولة مادية لديهما وهكذا عادا يفكران إلى الأمر من جديد.
فرصة ذهبية
في هذه الأثناء جاء رجل إلى (ر) كان قد تعرف عليه في الميناء وحدثت بينهما صداقة وعرض الرجل على (ر) مبلغاً كبيراً من المال مقابل خدمة يقدمها له،كانت الخدمة تتمثل في استقبال بضاعة قادمة علي احد الزوارق من دولة مجاورة وعندما سأله (ر) عن سبب عدم استقباله واستلامه للبضاعة تحجج بأنه مشغول إلى مدينة (...) وان الزورق سيصل في الوقت الذي لن يكون فيه في الميناء، شك (ر) في الأمر خاصة وان المبلغ الذي عرض عليه كان كبيراً ولا يتناسب وحجم الخدمة التي طلبت منه،
لذا طلب من الرجل ان يصارحه بنوع البضاعة القادمة على الزورق حتى يرتب نفسه لها، وهنا قال له بان البضاعة عبارة عن صندوق كبير مملوء بأوراق التبغ الجافة وبينها كمية من الحشيش هنا قال (ر) له : ولماذا لا تخرجها انت وتوفر على نفسك المبلغ الذي ستعطيه لي، فقال له الرجل «أنا مراقب من سلطة الميناء أما أنت فلم يسبق لك ان تعاملت بمثل هذه الأشياء لذا فسيسهل عليك إخراج الصندوق لأنك غير مراقب.
طلب (ر) من الرجل، ان يمهله (24) ساعة حتى يفكر في الأمر فوافق الرجل على ذلك. في الليل جلس (ر) و(س) يفكران في الأمر، وأخيراً وافقا على أن يقوما بالمهمة معاً على ان يضاعف لهما التاجر المبالغ فقد كان حلمهما ان يحصلا على مبلغ كهذا في اليوم الثاني اخبرا الرجل موافقتهما على استلام الصندوق بعد مضاعفة المبلغ حيث قبل التاجر بذلك وبعد ان أعطاهما اوصاف الصندوق انصرف على ان يلتقوا بعد يومين في مكان معين كي يتسلم التاجر صندوقه وهما يأخذان نصيبهما من المال.
تمت العملية بنجاح ولأول مرة يذوق (ر) وصديقه (س) حلاوة المال دون تعب والأجمل من ذلك انه كان مالاً كثيراً لم يحلما بامتلاكه من قبل، وما كاد البطلان يتسلمان المبلغ حتى وجدا نفسيهما في احد مكاتب الطيران حيث حجزا تذكرتين إلى فردوسهما في (بتايا)، قضى (ر) و(س) هذه المرة اجازة طويلة استمتعا فيها بكل شيء يمكن أن يتخيله عقل، وأخيراً عادا كما هو الحال كل مرة دون فلوس،
عندما رجعا اتصلا مباشرة بالتاجر وأخبراه بأنهما يريدان أن يعملا معه، رحب التاجر بهما وبدأ الثلاثة يعملون معاً حيث كان التاجر يستورد البضاعة وهما يخرجانها من الميناء وأخيرا بدءا يوزعان على الزبائن، وهكذا زادت أرباحهما بدأ «ر» و«س» يعيشان في مستوى عالية حيث امتلك كل واحد منهما سيارة كما انتقلا للعيش في فيلا فخمة اثثاها بأغلى انواع الاثاث وهكذا بدأت الحياة تبتسم لهما او هكذا خيل لهما. احس «س» و«ر» بأنهما يستطعيان ان يمارسا هذه التجارة وحدهما ودون التاجر حيث ستكون الارباح كلها لهما لذا قررا ان يتركا التاجر مع اول فرصة تتاح لهما.
السيطرة على الميناء
يبدو ان الظروف ساعدتهما ففي الوقت الذي قررا فيه ان ينفصلا عن التاجر تم القبض عليه متلبسا حيث تم ايداعه السجن وهكذا وجد الصديقان بان الظروف اصبحت مهيأة لهما وان الميناء اصبح ملكهما وحدهما. بدأ «ر» يبحث عن اصناف المخدرات المطلوبة في السوق حيث بدأ يسافر الى دولة قريبة ويحضر منها مختلف انواع المخدرات
في حين اصبح «س» هو المسؤول عن التوزيع كبرت ثروة الرجلين حتى اصبحا يشكلان خطرا على التجار الآخرين في السوق. في هذا الوقت كانت الشرطة تراقب الموقف عن كثب فقد وصلتها معلومات جديدة تفيد بأن «ر» و«س» يزاولان انشطة غير مشروعة وانهما اصبحا يشكلان خطرا على المجتمع وامنه لذا كان لابد من الايقاع بهما وهما متبلسان حتى يتمكن تقديمهما للمحاكمة ليأخذا جزاءهما.
الشرك
من خلال المعلومات التي وصلت الى الاجهزة الامنية تأكدت هذه الاجهزة بان الرجلين يتاجران في المخدرات وانه اصبح لهما نشاط في المناطق المجاورة لذا تم وضع خطة للقبض عليهما وتخليص المجتمع من شرورهما. وكانت الخطة تقضي بأن يتصل احد العملاء السريين بـ «ر» طالبا منه كمية من المخدرات وافق «ر» على ذلك
وحدد له المكان الذي سيتم فيه التسليم لكن لم يحدد له الزمان كان هدف «ر» من وراء ذلك ان يراقب المكان جيدا حتى لايقع في كمين وبعد مراقبة المكان شك «ر» في الأمر فقد كان المكان مكشوفا ويمكن لأجهزة الشرطة والأمن محاصرته بكل سهولة دون ان يتمكن «ر» من الهرب او الاختفاء وراء اي حائط او مبنى في حالة كان هناك تبادل لاطلاق النار.
عندما اتصل العميل السري «ر» مرة ثانية طالبا منه تحديد الزمان بدأ «ر» يساوف ويتهرب من الموعد لكن المخبر السري عرض عليه مبلغاً كبيراً من المال قائلا له بأنه يحتاج الكمية بشكل عاجل لأن أحداً سينقلها في الليل إلى دولة مجاورة،
عندما سمع (ر) بالمبلغ بدأ يفكر جدياً بتسليم الكمية المطلوبة فالمبلغ كان مغرياً جداً وهكذا اتفق (ر) والمخبر السري على مكان وزمان حدده (ر) في الموعد المحدد التقى الرجلان وفي أثناء تسليم البضاعة هاجمت مجموعة من رجال الأمن المكان حاول (ر) ان يهرب لكن المخبر السري أمسكه من صدره فما كان منه الا ان أمسك مسدسه وافرغ ثلاث رصاصات في وجه المخبر السري الذي مات من فوره ثم ركب سيارة المخبر السري وانطلق بها إلى الشارع العام.
بدأت سيارات الشرطة في تتبع السيارة التي كانت تسير مسرعة و بشكل جنوني في هذه الأثناء كان (س) ينتظر (ر) في منطقة حددها مسبقاً وعند وصول (ر) إلى حيث ينتظره (س) قام بتخفيف سرعته ووضع السيارة بشكل عرضي على أحد الجسور وذلك كي يمنع سيارات الشرطة من اللحاق به في الوقت الذي أسرع فيه (ر) راكضاَ على قدميه باتجاه (س) الذي كان ينتظره في سيارته.
انطلق (س) باتجاه منطقة مأهولة وهناك تركا السيارة وترجلا حيث تسللا إلى إحدى مزارع النخيل، من خلال تتبع الأثر تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد مكان الرجلين وعندما تأكدت من وجودهما في المزرعة خاطبهما أحد رجال الأمن طالباً منهما أن يستسلما حيث ان المزرعة محاصرة ولا داعي للمقاومة الا أن الرجلين لم يجيبا على النداء وبقيا مختبئين في مكان ما في المزرعة.
انتظرت الشرطة حتى الصباح حيث رأت أن مهاجمة المزرعة في الليل قد يؤدي إلى قتل بعض الأفراد خاصة وأن أحد الرجلين على الأقل كان مسلحاً. مع ساعات الصبح الأولى استطاع مجموعة من رجال الأمن الدخول إلى المزرعة وبحذر حاولوا أن يلقوا القبض على الرجلين.
أحس (س) و (ر) بأن رجال الأمن أصبحوا فوق رؤوسهم فما كان منهما الا أن أطلقا النار عليهم مما أدى إلى قتل أحد رجال الشرطة وإصابة عدد آخر بجروح ومع استمرار تبادل اطلاق النار وقع (س) قتيلاً فيما أصيب (ر) بجروح بالغة نقل على اثرها إلى المستشفى بعدها تم تقديمه إلى المحاكمة لينال جزاءه.
بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر وقف (ر) في قفص الاتهام ووقف مقابله طفل عمره 8 سنوات كان الطفل ينظر إلى (ر) بعينين فيهما أسئلة حارة، كان أهم سؤال فيهما «لماذا قتلت أبي؟».
إعداد : أحمد سلطان