إن مسؤولية الإنسان ومهامه في هذه الحياة الدنيا كثيرة كما أسلفنا في الذكر سواء أكانت تلك المهام خاصة لفرد معين أو لجماعة أو قد تنطبق على الجميع كحرمة إراقة دماء البشر بدون حق ولا سبب يوجب ذلك أو أكل أموال الناس بالباطل...كل هذه يجب أن تكون في حسبان أي الإنسان سواء أكان مسلماً أو غير مسلم ففطرت الإنسان جبلة على حب الخير وبغض الشر الكل يحزن على فراق الأحباء والإنسان لا يحب الظلم لنفسه.... هذا فنقتصر الآن على ذكر بعض هذه المهام والمسؤوليات الواجب الالتزام بها ومراعاة حقوقها كي ما تصل سفينة النجاة إلى بر الآمان نذكرها على سبيل الإيضاح لا الحصر.

أولاً: إن أول هذه المهام الوعاء اللازم للحياة فبدون هذا الوعاء والمحافظة عليه يكون الإنسان مضطرباً في حياته ويتأرجح عن اليمين والشمال؛ لا يفرق بين الضار والنافع من الأشياء الخير والشر من الأعمال الحلال والحرام من الأفعال... في هذه الحياة هذا الاضطراب قد يكون سببه دخول بعض الفيروسات الفتاكة التي تلوث العقل فيؤدي هذا التلوث حتماً إلى إصابة العقل بالخلل الفكري الذي لا تحمد عاقبته ولا يعرف منتهاه كالأفكار والآراء البعيدة عن الفكر الإسلامي الصحيح الذي جاء لينقذ ويخرج «النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ{«إبراهيم/1 فهذه الآراء والأفكار الضارة الأثر لاشك أنها مهلكة للحرث والنسل فقد تهدم شخصية الإنسان فيكون لهذه الفيروسات مجال واسع ورحب في عقل الإنسان ولا ريب بعد ذلك أن تكون لها القدرة الكافية على اختراق الأعضاء الحساسة في الجسم فيكون عرضة للأخطار المحدقة في المستقبل؛ فلا بد من وعاء حاجز يقي الإنسان من جميع الأخطار

هذا الوعاء يتمثل في الإيمان الصادق بمعناه الحقيقي الذي لا يخالطه أي شيء يكدر صفوه هذا ولئن جئنا لتعريف الإيمان وجدناه يتفرع إلى تعريفات كثيرة حسب أقوال علماء الأمة الإسلامية ولكن مهما يكن من تعدد الأقوال والآراء الماضية أو المعاصرة فالإيمان هو التصديق بالقول والعمل بمعني التصديق القلبي والفعل الموجب عمله من اتباع أوامر الله تعالى والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والإذعان لهما والاجتناب عن كل ما نهي عنه والإيمان أيضاً ( صورة معينة من التصديق ذات مقتضيات معينة، من عمل قلبي كالحب والخشوع والإخبات والخضوع والإذعان ووجوب الرجوع إلى الله عند الحكم على أي أمر من الأمور، أو موقف من المواقف، أو تصرف من التصرفات، بأنه حلال أو حرام أو مباح أو مكره أو مندوب، وعمل بالجوارح أيضاً يشمل أداء الشعائر التعبدية، والالتزام بأخلاقيات لا إله إلا الله في السلوك العملي، والخضوع العملي لأحكام الشريعة فيما يشجر في حياة الناس في كل لحظة من لحظات حياتهم: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ «الأنفال2/4 ).. فحقيقة الإيمان يجب أن ينظر إليها بالجد الواجب؛ فلا تتميع حتى تصبح كلمة يقولها لسان، ومن ورائها واقع يشهد شهادة ظاهرة بعكس ما يقوله اللسان! ) فقط فلا بد من العمل. فالدين القويم هو عبارة عن علاقة بين الإنسان والرحمن قولاً وفعلاً تزكو به النفس وتستنير في كل طريق ينشده مرتاده النجاة والسلامة في الدارين العاجلة والآجلة ( فالإيمان الذي نعنيه ليس مجرد إعلان المرء بلسانه إنه مؤمن، ويخالف قوله عمله، فما أكثر المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ{ «البقرة8/9 وليس هو مجرد قيام إنسان بأعمال وشعائر اعتاد أن يقوم بها المؤمنون، فما أكثر الدجالين الذين يتظاهرون بالصالحات، وأعمال الخير، وشعائر التعبد، وقلوبهم خراب من الخير والصلاح والإخلاص لله تعالى : « إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إلى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً {«النساء/142 وليس هو مجرد معرفة ذهنية بحقائق الإيمان، فكم من قوم عرفوا حقائق الإيمان، ولم يؤمنوا: « وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا{ «النمل/14 وقد حال الكبر أو الحسد أو حبّ الدنيا بينهم وبين الإيمان بما علموه من بعد ما تبين لهم الحق: « وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ «البقرة/146 ( إلى غير ذلك من الآيات البينات التي توبخ أصحاب الإيمان المعتل الذي لا تقوم عليه أركان ولا تتحقق به آمال.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي