تعرض على النائم بعض الأحداث يعبر عنها بعد يقظته وكأنها حقيقة . وهى إما أن تكون أحداثاً تسره فيستريح لرؤيتها، وإما أن تكون أحداثاً مخيفة ومروعة ومقززة فيضيق صدره ويحزن .
كذلك يرى الإنسان في حالات بعض ما يحدث به نفسه ويشغله قبل نومه.. وليس كل ما يراه المرء حقيقة . وهذا يتوقف على طبيعة الإنسان ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان قال الإمام المازرى : مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، لا يمنعه نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علماً على أمور أخرى، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر، فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمراً على خلاف ما هو، فيكون ذلك الاعتقاد علماً على غيره، كما يكون خلق الله سبحانه وتعالى الغيم علماً على المطر، والجميع خلق الله تعالى، ولكن يخلق الرؤيا، والاعتقادات التي جعلها علماً على ما يسر بغير حضرة الشيطان، ويخلق ما هو علماً على ما يضره بحضرة الشيطان، فينسب إلى الشيطان مجازاً لحضوره عندها وإن كان لا فعل له حقيقة، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) وهذا الذي سيأتي بيانه .
حدثنا سفيان عن الزهري عن أبى سلمة قال : كنت أرى الرؤيا أعرف منها غير أنى لا أزمل حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره).
وفى البيان راحة لقلب المؤمن، لا على أن الشيطان يفعل شيئاً، فالرؤيا اسم للمحبوب، والحلم اسم للمكروه، فالرؤيا المحبوبة إضافة إلى الله تشريفاً وتعظيماً، بخلاف المكروهة، وإن كانتا جميعاً من خلق الله وتدبيره وإرادته، ولا فعل للشيطان فيهما، لكنه يحضر المكروهة ويرتضيها ويسر بها . فعلى الإنسان أن يتعوذ ولينفث على يساره، احتقارا للشيطان كي لا يكون للشيطان عليه سبيل .
عن أبى قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان فمن رأى رؤيا فكره منها شيئاً فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان لا تضره ولا يخبر بها أحداً فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب ) .
والمقصود بألا يخبر إلا من يحب، فسببه أنه إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض أو الحسد على تفسيرها بمكروه . فقد يقع على تلك الصفة، وإلا فيحصل له في الحال حزن ونكد من سوء تفسيرها .
كما أن معنى الرؤيا الصالحة والحسنة حسن ظاهرها ويحتمل أن المراد صحتها ورؤيا السوء تحتمل الوجهتين أيضاً: سوء الظاهر وسوء التأويل .
عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم :
قال: ( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة والرؤيا ثلاثة : فرؤية صالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس قال وأحب القيد وأكره الغل والقيد ثبات في الدين فلا أدرى هو في الحديث أم قاله ابن سيرين.
قال الخطابي وغيره : قيل المراد إذا قارب الزمان أن يعتدل ليله ونهاره، وقيل: المراد إذا قارب القيامة والأول أشهر عند أهل عبر الرؤيا وحكي القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم، وموت العلماء والصالحين، ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعله الله تعالى جابراً وعوضاً ومنبهاً لهم . والصادق في حديثه صادق في رؤياه .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).
قال الخطابى: هذا الحديث توكيد لأمر الرؤيا وتحقيق منزلتها، وقال: وإنما كانت جزءاً من أجزاء النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يوحى إليهم في منامهم كما حدث مع خليل الرحمن ( إنى أرى في المنام .. ) .
رجاء علي