يحمل واقع البيئة التعليمية الحالي تناقضات كثيرة تستدعي إعادة النظر في الأمر ففي الوقت الذي لا تزيد فيه سعة الفصل الواحد في بعض المدارس على العشرين طالبا تجد في أخرى ما يربو على الثلاثين في مشهد تتكدس فيه الأجساد فوق بعضها دون أن يتمكن المعلم من السيطرة على الفصل أو حتى إيصال صوته إلى آخر القاعة.

ومع ارتفاع الأصوات المنادية بتقليص أعداد الطلبة في الفصل الواحد برزت أصوات أخرى معلنة رفضها لهذا التوجه باعتبار أن الفصول قليلة العدد تتسم بضعف نسبة المشاركة والتفاعل الأمر الذي ينعكس سلبا على أداء المعلم والطالب.

ويبلغ متوسط الكثافة في أغلب المدارس 27 طالباً في الفصل وهو لا يعبر عن واقع جغرافي أو مناطق تعليمية بعينها لأنه يأخذ المتوسط العام، والمتوسط المنشود كما اقترحت عناصر تربوية استطلعنا آراءها 20 طالباً في الفصل بهدف إتاحة الفرصة للمعلم والطالب للعمل معا، وإمكانية استيفاء احتياجات كل طالب على حدة وتشجيع التقدم الدراسي.

ويرى فؤاد محمد مدير مدرسة محمد الفاتح للتعليم الأساسي حلقة ثانية في الشارقة أن كثرة أعداد الطلبة في الصف الواحد تعيق العملية التعليمية بشكل أساسي إذ تؤثر على أداء المعلم وقدرته على المتابعة والشرح كما يصعب عليه السيطرة على الطلبة لذا فان غالبية الفصول التي تتسم بالكثافة يعاني مدرسيها من حالة فوضى وشغب دائمين، لافتاً إلى أن مدرسته كانت تعاني من كثافة طلابية الأمر الذي دفع بالإدارة إلى فتح ثلاث شعب جديدة ليصبح عدد الطلبة بين 25 - 03 طالبا.

**أضرار صحية

وقال إن الفصول بحد ذاتها مصممة بشكل غير صحي إذ تجد مقاعد الطلبة وقد شارفت على الوصول إلى السبورة، كما أن الكثافة لا تؤثر في الأداء ومستوى التحصيل للطلبة فقط بل ينسحب أيضا ضمن جملة التأثيرات السلبية الجانب الصحي حيث يصعب التنفس في فصل تتكدس فيه أجساد الطلبة خاصة أولئك الذين يعانون من حالات ضيق التنفس ومرض الربو خاصة غرف الحاسوب لأنها مغلقة .

ولا منافذ للتهوية لذا تجد أن نسبة الأكسجين قليلة مقارنة بعدد المتواجدين داخل المختبر، مشيراً إلى أن الدعوة إلى تغيير المكيفات في المدارس ليست هي الحل لان المشكلة ليست في أجهزة التبريد بل في عدد الطلبة حيث يصعب على التكييف أن يبرد غرفة فيها 30 طالبا.

ويتوقع إبراهيم احمد معلم تاريخ في مدرسة محمد بن حمد الشرقي للتعليم المشترك في الفجيرة أن ينتج عن اعتماد عدد محدد في الفصول تشجيع الطلبة على الانتظام الدراسي وعدم التغيب أو التسرب، والتقليل من نسب الرسوب، مشيراً إلى أن ذلك يستلزم اتخاذ قرارات ملزمة للميدان واجتذاب الموارد المالية اللازمة لبناء الفصول الدراسية وتوظيف الأعداد اللازمة من المعلمين المؤهلين، كذلك التوجه لإصدار التقارير الإحصائية للمناطق التعليمية المختلفة بنسب الطلبة سنويا.

وأكد أن الرقم المثالي من وجهة نظره عشرون طالباً مبرراً ذلك بان المعلم يستطيع التركيز على جميع الطلبة وإشراكهم داخل الحصص فضلا عن قدرته على تقييم مستواهم والعمل على وضع خطط علاجية لمن هم دون المستوى لكن كثرة العدد تدفع المدرس الى التركيز على من هم من المتفوقين فقط دون النظر إلى أقرانهم وبالتالي يضيع حق من لم يستوعبوا الشرح بصورة تامة.

وقال معلم التاريخ أن التعليم ركيزة من الركائز الأساسية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي توليها الدولة كل اهتمامها ورعايتها، ومن هذا المنطلق كان أحد الأهداف الرئيسية التي أولتها الوزارة اهتماماً خاصاً هو تطوير التعليم بكافة مراحله، وحل مشكلاته، ومنها كثافة الفصول التي تظهر على السطح كل عام دون إيجاد حلول جذرية لها، لافتاً إلى أن المباني المدرسية هي التي تحدد كثافة الفصول من خلال تجهيزاتها ومساحتها لذا وجب النظر إلى إحلال المدارس الصغيرة خاصة تلك التي تشهد إقبالاً طلابياً كبيراً واعتقد أن النظر إلى البيئة المدرسية يمثل احد الخطوات المثلى لتطوير التعليم ومسايرة الدول المتقدمة في مناهجها التعليمية ومبانيها المدرسية.

أما فاطمة سالم مديرة روضة الذيد فتعقد أن العدد الأنسب في فصل دراسي يتراوح بين 18- 20 طالبا كي يشعر المعلم والطالب أن الفصل مريح والعدد مناسب ليكون فصلا دراسيا، مشيرة إلى أن الكثافة تتركز عادة بين صفوف المرحلة الثانوية برغم أنها مرحلة حاسمة وحساسة في عمر الطالب.

محمد عبد الله الجودر مدير مدرسة عبد الله السالم في الشارقة أكد أن الكثافة الفصلية لا يمكن أن تلتقي مع متطلبات التطوير والارتقاء في الأداء سواء بالنسبة للطالب أو المعلم، مشيراً إلى انه طالب وزارة التربية بفتح شعبتين لديه للقضاء على الكثافة في بعض الفصول .

وقد استجابت الوزارة سريعا وزودته باحتياجاته، مضيفا أن الطالب هو المحور الأساسي الذي يجب أن توظف جميع الخطط لمصلحته ولا اعتقد أن الكثرة أو القلة تفيدانه إذ ثبت أن الفصول قليلة العدد ممن لا تتجاوز الخمسة عشر تنعدم فيها صفة التفاعل والحركة إذ تؤدي قلة الطلبة إلى ضعف أداء المعلم واتسامه بالبرود ، مشيرا إلى أن عشرين طالبا هي أفضل نسبة لأي فصل في أي مرحلة طلابية كانت.

من جانبها قالت مايسة محمود معلمة التربية الفنية في مدرسة الشارقة النموذجية للبنين إن التخصصات ذات الصبغة العملية لا تحتاج إلى ثقافة طلابية لان المدرس لا يمكنه أن يعلم الطلبة على آلة موسيقية معينة والتركيز معه ومتابعته إذا كان العدد كبيرا وينسحب القول على الرياضة فلا اعتقد أن معلم الرياضة يستطيع أن يطور من أداء الطلبة المحترفين إذا كان العدد يفوق طاقته، مؤكدة أن الكثافة الطلابية مشكلة لا تعاني منها النموذجيات لان فصولها مصممة لعدد لا يتجاوز الخمسة عشر طالبا.

وذكرت أن المباني المدرسية يجب أن تكون متهيئة لاستقبال عدد محدد من الطلبة لان بعض المدارس يفوق عدد طلاب الفصل الواحد ث34 طالبا أو أكثر.وتقول أمينة سعيد مدرسة اللغة الإنجليزية في مدرسة الريادة للتعليم الأساسي حلقة ثانية أن هناك ثلاثة محاور أساسية يمكن التطرق لها في موضع كثافة الطلاب داخل الفصل، يختص الأول بالطالب، حيث يتأثر أداؤه بأداء المعلم داخل الفصل وقلة تركيزه عليه سواء كان طالبا مميزا أو اقل في المستوى، ما ينتج عنه طالب غير مبال.

أما المحور الثاني كما ترى أمينة فيتعلق بالمعلمين وما يمتلكونه من مهارات تطرح على الطلاب، فتحول كثافة الفصل دون ذلك أو لا تحقق بالطريقة المثلى نتيجة لتعطيل لعدد من الأهداف والوسائل، ما يعكس إحساسا بعدم الرضا والعجز عند المعلمين.ويتمثل العامل الأخير في المناهج ذاتها، فنوعية المناهج هذا العام خاصة منهاج اللغة الإنجليزية يركز على إظهار المهارات الفردية للطالب، مما يحتاج إلى الوقت والتركيز وهذا ما يصعب تحقيقه في ظل الكثافة الطلابية العالية.

وتؤكد مدرسة اللغة الإنجليزية انه في حالة طرح أي منهج كان مع وضع كثافة منخفضة داخل الفصل فإن النتائج ستكون هائلة لأن المعلم يستطيع التركيز وطرح كل مهاراته وتطبيقها بتركيز وتساو على كل الطلاب اللذين سيستقبلونها في جو ملؤه الرضا والفهم مهما كانت صعوبة المنهج.

**علاقة عكسية

ويتفق عبد الله سالم بلة نائب مدير مدرسة غليلة للتعليم الأساسي حول موضوع متابعة الطلاب والمناهج وعلاقتها العكسية بالعدد، فكلما قل العدد ذادت متابعة المعلم لطلابه وتميزت نوعيتها لتشمل كل النواحي داخل الصف وخارجه أيضا، هذا مع ما يحققه هذا الإنجاز من رضا نفسي للمعلم الذي يشعر بالرضا عن إتمام واجبه التعليمي على أكمل وجه ما يدفعه للاستمرار في الإبداع، والعكس صحيح بتزايد العدد، فحتى ولو حاول المعلم أن يتابع كل الطلبة ، فلن يستطيع التحكم بجودة هذه المتابعة ، مما ينعكس سلبيا على نفسيته خاصة للمميزين من المعلمين اللذين يؤدون وظائفهم بأمانة ورغبة قوية في تحسين التعليم.

ويطرح عبد الله مشكلة جديدة نشأت نتيجة الكثافة الطلابية في الصف الواحد حيث يتراوح توزيع الطالب ما بين 23 و26، تتمثل في صعوبة حركة المعلم داخل الفصل خاصة مع تعدد الوسائل التكنولوجية التي تأخذ مساحة ولا غنى عنها كجهاز الحاسب الآلي والتلفاز الوسائل التعليمية المختلفة، ما يستلزم بان يكون عدد الطلاب اقل، ومساحة الفصل اكبر.

**العدد المثالي

ويرى نائب مدير مدرسة غليلة أن العدد المثالي للطلبة داخل الفصل يجب أن لا يتعدى 16 إلى 20 طالبا في المراحل العليا ومن 12 إلى 15 طالبا في المراحل الدنيا مع مراعاة حجم الفصل الدراسي وتوفر الأجهزة وقدرة المعلم على الحركة داخله.

أما نجيبة الشامسي نائبة المديرة في مدرسة جلفار للتعليم الثانوي، فوضعت العدد 20 لكل فصل من واقع خبرتها كمعلمة سابقة وكمعايشة حالية لمجموعة كبيرة من المعلمات والطالبات اللذين يعانون من علو سقف كثافة الصف الواحد الذي يصل إلى 30 و33 طالبة ما يؤدي للعديد من المشاكل خاصة في ظل تطبيق نظام الثاني عشر الجديد وما يحتاجه من فهم واستيعاب كامل لاحتياجات الطلاب النفسية والعلمية من قبل المعلمات اللواتي يحاولن تطبيق هذه الحاجة.

وتجد أسماء احمد البغام معلمة اللغة الإنجليزية في مدرسة سهيلة للتعليم لأساسي ح1 ح 2 العدد 18 إلى عشرين مناسبة للعملية التعليمة بشكل عام، لما يحققه هذا العدد من راحة وفعالية لكل من المعلم والطالب والمدرسة والمناهج والوزارة من خلال تحقيق أهدافها على أكمل وجه.

**الأفضلية للأقل

وترى أسماء أن التعليم في المدارس الخاصة أفضل بسبب مراعاتها لتخصيص العملية التعليمية فلا يحتوي الفصل الواحد أكثر من عشرين وأحيانا اقل بكثير، فتستطيع المعلمة التركيز في طرح مادتها والتأكد من وصولها بصورة واضحة للطلبة.

وتشير إنها خيرت بداية العام في المراحل التي ترغب بتدريسها، فكانت قلة الكثافة الطلابية في الفصل الواحد احد الأسباب التي دفعتها لاختيار، حيث عانت في السنوات الماضية من الضغوط التي تسببها الكثافة الفصلية المرتفعة خاصة مع طرح المناهج الجديدة التي تستدعي من المعلم نظرة فردية لكل طالب، من ناحية سماع طريقة النطق وتصحيحها ومتابعة النشاطات الصفية مع التصحيح والمتابعة اللاصفية، كل هذه الأمور تسبب ضغطا نفسيا وصحيا للمعلمة خصوصا حين يحتوي الفصل أكثر من عشرين طالبا .

وعلى نفس الصعيد قالت فريال إسمندر معلمة اللغة العربية للمرحلة الثانية، أن المناهج الجديدة لا تترك مجالا واسعا لشرح المادة العلمية بشكل عام على الطلبة، دون تخصيص ومتابعة فردية خاصة في تصحيح التقارير والبحوث التي تحتاج الوقت والجهد لتقويمها وإرشاد الطالب عنها، خاصة وأن وقت الحصة لا يتعدى 45 دقيقة، فكيف نستطيع أن نمر على 28 طالبا سواء لتصحيح الأخطاء أو لإشراكهم في الدرس بصورة مرضية، ناهيك عن وقت الشرح والتقويم المستمر، فإذا أردنا أن نطبق كل هذه الأمور في وقت الحصة، فلن يشمل التطبيق كل الطلبة، ما يصبهم بالإحباط والشكوى التي نعاني منها خاصة في الفترة الأخيرة.

واعتبرت معلمة اللغة العربية أن العمل على تطوير المناهج لدفع العملية التعليمية دون النظر إلى عناصر أساسية تؤثر في هذه العملية ككثافة الطلبة، أمر يستوجب إعادة النظر فيه، لما تجلبه من مشاكل للطالب والمعلم وبالتالي فلن نستطيع دفع وتطوير التعليم.

الطلبة يبحثون عن الراحة النفسية

«10 طلاب في الفصل الواحد ليس عددا خياليا بل عدد مثالى علي الوزارة تعميمه على كل الفصول خاصة الثانوية العامة» هذه وجهة نظر بدر عبد الرحمن نقي رئيس مجلس طلاب رأس الخيمة وطالب الصف الثاني عشر في مدرسة رأس الخيمة الثانوية، وتنطلق وجهة نظره من مبدأ ما يوفره هذا العدد من راحة نفسية وجسدية لكل الأطراف خاصة الطلبة، حيث سترتفع نسبة استيعابهم نتيجة تركيز المعلم عليهم خلال الحصة، ومتابعته لإنجازاتهم ومشاريعهم من تقارير وبحوث، وتأكيده على ايجابيات عملهم وتصحيحه للسلبيات، وهذا ما تحتاجه هذه المرحلة خاصة مع طرح النظام الجديد الذي يحتسب أعمال السنة كاملةً.

أما سلطان العوضي طالب الصف الثاني عشر بمدرسة رأس الخيمة الثانوية فكان أكثر واقعية في طرح الرقم الذي يراه مناسبا لعدد الطلبة في الفصل الواحد وهو 15 طالبا، حيث يجد انه كلما زاد العدد قلت نسبة الفهم وزادت مشاكل الطالب والمعلم معا، خاصة في حالة تواجد أكثر من طالب ذي مستوى دراسي قليل فلا يتم التركيز على الكل بنفس المستوى، بالإضافة للإزعاج والضوضاء اللتين تسببهما كثرة العدد، خصوصا في هذه المرحلة العمرية التي تحتوي العديد من الطلبة ذوي الصوت المرتفع، ما قد يسبب الكثير من الخلافات بين الطلبة أنفسهم.

أحمد سالم: المرحلة الدراسية تحدد الطلبة في الفصول

يرى أحمد سالم مدير مكتب الشارقة التعليمي أن عدد الطلبة في الفصل الواحد تحدده المرحلة الدراسية التي ينتسبون لها فالحلقة الأولى من وجهة نظره يجب ألا تزيد على سقف العشرين طالبا لان الطالب في هذا التوقيت بالذات يحتاج إلى رعاية كاملة وتوجيه من قبل المعلم فإذا كان الفصل مزدحما بالطلبة كيف يمكن للمعلم حتى وان كان قديرا أن يولي جميع طلبته الرعاية المطلوبة.

مشيرا إلى أن القدرة على علاج حالات الضعف في هذه الفترة بالذات تكون سهلة في حال عدم وجود كثافة فصلية، مضيفا أن المرحلة الإعدادية تحتاج إلى تركيز بدرجة أقل وبالتالي فانه لا ضير لو ارتفع عدد طلبة الصف الواحد ما بين 25-27 فيما يرى أن نضوج واكتمال وعي طلبة الثانوية العامة يمنح المعلم دورا إشرافيا عليهم لذا فان العدد الأمثل لهذه المرحلة هو ثلاثون طالبا من وجهة نظري.

وقال إن كثافة الفصول تؤدي دورا سلبيا في سير العملية التعليمية وتخفض من إنتاجية ودافعية الطلبة والمدرسين للإبداع والعمل فالمدرس يجد انه غير قادر على ضبط زمام الأمور في فصل يزيد عدد طلابه على الحد المعقول، لافتا إلى أن السلبيات قد لا تقتصر على الجانب الدراسي فحسب بل قد تؤدي إلى تأثيرات صحية كضيق التنفس.

استطلاع: نورا الأمير، رباب جبارة