تغرب منذ صغره بحثاً عن فرصة عمل تؤمن له عدم العودة للفقر من جديد فقد ذاق مرارة الجوع والحرمان ولهذا قرر أن يجمع ما يستطيع من مال قبل أن يقدم على الزواج فهو لا يريد لأولاده أن يعانوا نفس ما عانى، عمل في أكثر من شركة وجمع مبلغاً من المال ظن أنه كاف للإقدام على الزواج من دون خوف من الفقر.
كان عمره قد تجاوز الأربعين بخمس سنوات ومع ذلك استطاع أن يتزوج فتاة لا يزيد عمرها على (16) عاماً ففي القرى لا يوجد اهتمام بالفرق بين عمر الرجل والمرأة فما دام الرجل قادراً على أن يدفع المهر وتكاليف الزواج فلا بأس. بعد أن تزوج بأقل من شهر عاد إلى عمله في الشركة تاركاً زوجته في رعاية أهله خاصة أخاه الكبير فوالده متوفى وليس له إلا والدة وأخوه الكبير.
بعد عودة (ن) من بلاده انخرط كلياً في العمل وكان لا يكلم زوجته (العروس) إلا على فترات متباعدة أما الوقت فكان قصيراً فهو لا يريد أن يدفع ثمن مكالمة فهذا الثمن يكفيه طعاماً يوماً أو يومين حتى عندما كان يكلم زوجته كان (ن) يقول لها أن تهتم بأمه كثيراً وأن تطيع أوامر أخيه وأن تساعد زوجة أخيه في الحقل.. الخ، لم تشعر (س) بأنها قد تزوجت فكل ما يذكرها بالزواج هي تلك الأساور البلاستيكية التي تلوح في يديها وقطعة من الذهب على صدرها ومع كل ذلك كان عليها أن تتحمل حتى يعود زوجها من سفره.
مضى على زواج (ن) من (س) أكثر من تسعة أشهر وأخيراً جاءت البشائر بأن (ن) سيعود في إجازة لمدة شهر يقضيها في ربوع قريته وبين أهله ومع زوجته، استعد أهل البيت كلهم لاستقبال الغائب الذي سيأتي ومعه الهدايا والحلويات والنقود وبعد أيام ذهب الأخ الأكبر إلى المطار لاستقبال (ن) في حين بقي الجميع يحضرون طعام العشاء، عند عودة (ن)
كان فرحاً بلقاء أهله وزوجته وكذلك كان الجميع إلا (س) التي لم تبد فرحاً كبيراً وعندما حاول (ن) أن يعرف سبب عدم ابتهاجها بعودته أخبرته بأن حياءها يمنعها من ذلك فهي لم تره سوى أيام معدودة رغم أنها زوجته، نقل «ن» مشاعره لأمه التي أخبرته بدورها بأن الفتاة صغيرة وهو كبير في السن وأن حياءها يمنعها من أن تتفاعل معه كأي زوجة، اقتنع «ن» بهذه التبريرات في حين قاربت إجازته على الانتهاء.
في أحد الأيام تلقى «ن» مكالمة من ابن أخيه «ه» الذي يدرس في إحدى جامعات المدينة طلب من عمه عدم السفر حتى يأتي لرؤيته، بعد مرور ثلاثة أيام كان «ه» وعمه يمشيان بين الحقول ويتحدثان عن القرية ومشاكلها، حيث قال العم بأنه يفكر بالرجوع إلى بلاده بعد أن جمع ثروة لا بأس بها ويستقر مع زوجته ويهتم بنصيبه من الأرض، فذلك أفضل له
وهنا قاطعه قائلاً أرجوك لا تفعل ذلك هذا العام لأنني على أبواب التخرج ولم يبق لي سوى ثلاثة أشهر وبعدها أريد أن آتي إليك لتجد لي عملاً عندك وبعدها تعود أنت إلى القرية وتجلس مع زوجتك والأسرة كلها وأذهب أنا هناك وعندما تريد أن تترك القرية وتعود إلى عملك من جديد سأقوم أنا بعمل فيزا لك وهكذا نكون أنا وأنت قد حققنا هدفينا.
اقتنع العم بهذه الفكرة ووجدها سليمة وعملية له وإلى ابن أخيه وبعد أيام غادر «ن» قريته عائداً إلى مقر عمله حيث انخرط من جديد في عمل من الصباح إلى المساء، أصبح حلم العودة يراود «ن» كل يوم ولهذا بدأ يجمع ما له من فلوس على بعض الأصدقاء حتى عندما يقرر العودة لا يجد مشاكل أمامه في هذه الأثناء كان ابن أخيه «ه» يحثه على استخراج فيزا له بعد أن أنهى دراسته الجامعية.
(ه) يصل إلى عمه
بعد أن تسلم «ن» أوراق ابن أخيه تمكن من استخراج فيزا زيارة له على أمل أن يعمل محاسباً في نفس الشركة التي يعمل فيها «ن» وبذل «ن» جهوداً كبيرة لإقناع مدير الشركة بتوظيف ابن أخيه، حيث وافق المدير على ذلك بعد أن عرف بأن «ن» سيستقيل وأن المعيل الجديد للعائلة سيكون «ه» في هذه الأثناء قدم «ن» استقالته معطياً الشركة شهرين قبل أن تبدأ الاستقالة فعلياً، وكان «ن» خلال تلك الفترة يأخذ ابن أخيه معه في كل مكان، وذلك كي يجعله يعرف البلد حتى لا يتغلب في شيء عندما يتركه وحده ولكي يطمئن «ن» على ابن أخيه أكثر كان يأخذه إلى بعض الأصدقاء ويعرفهم عليه ويطلب منه مساعدته إذا احتاج إلى أي شيء.
سارت الأمور طبيعية وبدأ «ه» عمله في الشركة محاسباً في هذه الأثناء وكان «ه» يتصل بأهله بشكل شبه يومي وعندما كان عمه ينهره كان يقول له بأنه يشعر بحنين إلى أهله وقريته. كان «ن» يشعر بأن ابن أخيه لا يزال طري العود وتجربته في هذه الحياة بسيطة، فهو لا يزال صغيراً حيث إن عمره لا يتجاوز ال«23» عاماً. أخذ موعد سفر «ن» إلى أهله يقترب شيئاً فشيئاً أحس بنشوة كبيرة وهو يتخيل كيف سيعود إلى أسرته وإلى زوجته وكيف سيبدأ يهتم بأرضه ولم ينس ان يتخيل أولاده وهم يلعبون حوله، وكانت هذه الصورة تراود خيالة صباح مساء حتى حفظها عن ظهر قلب.
الخروج في نزهة
في أحد الأيام طلب (ن) من ابن أخيه ان لا يتأخر هذه الليلة وذلك لأنه يريد ان يذهب معه إلى الصحراء ويقومان بعملية شواء في الهواء الطلق وطلب (ن) من ابن أخيه ان لا يُعلم احداً بذلك لانه يريد لهذه النزهة ان تكون لهما وحدهمها بدون متطفلين، عاد (ه) في الوقت المناسب وعند الساعة التاسعة مساءً طلب منه عمه ان يصعد معه إلى السيارة
حيث انطلقت بهما إلى مكان بعيد وهناك في الصحراء جلسا في ضوء القمر يشربان الشاي الذي اعده (ن) خصيصاً لهذه الرحلة بعد أن شرب (ه) نصف الكأس أحس بدوران في رأسه وذلك لأن الشاي كان مضافاً إليه بعض الحبوب المخدرة.
فطلب من عمه ان يسعفه لانه لم يعد قادراً على الجلوس فقام العم بوضعه على الرمل قائلاً له لعل ذلك من كثرة الإرهاق، وطلب منه ان يبقى ساكناً لا يتحرك حتى يحضر له شيئاً يأكله، ذهب (ن) إلى السيارة وعاد ومعه سكين هوى بها على قلب ابن أخيه وعندما انفجر الدم من صدر (ه) ضحك (ن) كالمجنون ثم عاود غرس السكين في جسد ابن أخيه من جديد.
حاول (ه) ان يدفع السكين عن نفسه ولكن كيف وهو لا يستطيع الوقوف وهكذا استمر (ن) يضرب ابن أخيه حتى تأكد انه فارق الحياة. ذهب (ن) مسرعا إلى السيارة حيث اخرج منها جاروفاً وبدأ يحفر قبراً في الرمل لابن أخيه ومع تسارع دقات قلبه تسارعت ضربات الحفر وأخيراً تمكن من حفر قيد صغير وحشر الجثة فيه وانطلق عائدا من حيث أتى وبالطبع لم ينس ان يغير ملابسه التي أصابها الدم كما أنه لم ينس ان يغسل السيارة التي تعفرت برمال الصحراء، فقد كان يريد للجريمة أن تكون كاملة في اليوم الثاني.
لم يحضر (ه) إلى مقر الشركة وعندما سأل زملاءه عنه لم يدر أحد اين هو في اليوم الثاني اتصلوا بعمه وعندما سألوه عنه اخبرهم العم بان (ه) عاد إلى بلاده دون ان يخبر أحداً حيث ترك رسالة إلى عمه يقول فيها بأنه لم يعد قادراً على الغربة وانه عاد إلى قريته اقتنع الجميع في الشركة بهذه الرواية حيث لا يوجد ما يبرر غيابه الاّ العودة إلى بلاده، بدأ (ن) يسابق الزمن من أجل إنهاء إجراءات الاستقالة والحصول على مستحقاته.
في هذه الأثناء تلقى أحد زملاء (ه) في الشركة اتصالاً من أهل (ه) يستفسرون عن سبب انقطاعه عن الاتصال بهم فقال لهم الرجل بان (ه) عاد إلى بلاده منذ نحو اسبوع فطلب أهل (ه) من الرجل ان يتصل بعم (ه) لأنهم يحاولون الاتصال به الا ان هاتفه النقال مغلق، في المساء ذهب الرجل ومعه ثلاثة آخرون من زملاء (ه) الى بيت (ن) وأخبروه بأن ( ه) لم يرجع إلى البلاد كما قال وأن والد (ه) اتصل لأنه قلق على ابنه هنا بدأ (ن) يتلعثم في الكلام وأحس بأن أمره سينكشف لذا طلب من أصدقاء (ه) أن لا يعيروا الأمر أي انتباه وأنه سيتصرف وسيعرف بالضبط أين (ه).
لم يطمئن الرجال إلى ما قاله (ن) وبدأت الشكوك تشير إلى أن (ه) قد يكون وقع له مكروه وأن عمه يعرف ذلك ولا يريد الكلام فما كان منهم إلا أن أبلغوا الشرطة بشكوكهم هذه تمت مراقبة (ن) إلا أن تصرفاته كانت طبيعية وأخيراً قامت الشرطة باستدعائه إلى أحد المراكز لسؤاله حول (ه).
في البداية أنكر معرفته بمكان وجوده وقال بأن (ه) أصبح له أصدقاء وقد يكون ذهب مع واحد منهم، لكن الضابط لم يقتنع بما قاله (ن) خاصة وأن أقواله متضاربة فمرة يقول انه ترك البلاد وسافر عائداً إلى قريته ومرة أخرى يقول ربما ذهب مع أحد أصدقائه وهكذا بدأت الشكوك تحوم حول (ن) حيث تم التحفظ عليه لأخذ المزيد من المعلومات منه.
الاعتراف
في الجلسة الثانية وأثناء التحقيق انهار (ن) وأخذ في البكاء وهو يقول لقد قتلته ولو عاش سأقتله من جديد فقد دمر حياتي وسرق مني زوجتي وسلب عرضي. حاول الضابط أن يهدئ من روع (ن) حيث بدأ يقول «لقد لاحظت على زوجتي عندما عدت بأنها غير مهمته.
بي فقلت في نفسي لعل الخجل يمنعها من ذلك وعندما تركت قريتي وعدت إلى هنا سامحتها وقررت أن أعود لأعيش معها وهذا ما حصل فعلاً فقد استقلت من الشركة أملا في العودة إلى قريتي وعندما جاء ابن أخي احتضنته وكأنه ابن لي وفي يوم كنت ابحث بين ملابسه عن قميص نظيف ألبسه فوجئت بصورة له مع زوجتي وهو يحتضنها ورغم أن الشكوك كادت تقتلني إلا أنني قلت لعل ذلك من قبيل المصادفة ثم بدأت أبحث بين ملابسه وفي حقيبته فوجدت رسالة منها تبين فيها حبها وشوقها ومع ذلك أمسكت أعصابي حتى جاءت ليلة قاسية علي لا أريد أن أتذكرها.
ففي تلك الليلة ذهبت إلى سريري باكراً وعاد ابن أخي من الخارج وظن أنني نائم فلم يشأ أن يشعل الضوء وعلى الفور قام بالاتصال فسمعت صوته خافتاً وبدون أن يدري تسللت يدي إلى الجهاز الآخر من الهاتف وبدأت اسمعه وهو يتغزل في زوجتي وتتغزل هي فيه ومما زاد من حنقي أنني عرفت من خلال المكالمة أنه اختلى بها أكثر من مرة وأنه اتفق معها على أن يتزوجها بعد أن تطلب الطلاق مني عندما أعود.
كل هذه الأمور جعلتني افقد أعصابي وتفكيري فوجدتني أخطط وأنفذ قتله بدون رحمة فكما أنه لم يرحمني فإنني أيضا لم ارحمه. أما هي فسأقتلها عندما أعود في يوم من الأيام فقد لطخت شرفي وعرضي، أنهى (ن) كل ما يريد أن يقوله ثم ذهب في نوبة بكاء شديدة. تم التحفظ عليه في السجن حتى تصدر المحكمة حكمها بشأنه.
إعداد : أحمد سلطان
