المحاولات العلمانية لإثارة البلبلة حول ثوابت الإسلام لا تنتهي من أجل إيهام العالم أن الإسلام هو العدو الذي يهدد الحضارة الإنسانية ويعترض طريق الأمم في سعيها للتحضر ويبدو ذلك جلياً في المؤتمرات المشبوهة التي زادت مؤخراً في كثير من العواصم الغريبة من بعض الجهات الكارهة للإسلام، والتي تدعو في غالبها إلى علمنة الإسلام وإعادة تفسير القرآن الكريم تفسيرا علمانياً.

وجاءت آخر هذه الحلقات في ذلك المؤتمر الذي نظم بالولايات المتحدة الأميركية تحت عنوان «القمة الإسلامية الإصلاحية».

وقد زعم المنظمون أن المؤتمر ناقش التفسيرات العلمانية للقرآن الكريم وأهمية توسيع مساحة ما أسموه أو زعموه بالنقد والحاجة لنقد القرآن وأوضاع حرية التعبير في المجتمعات الإسلامية ورفع الائتلاف المنظم لمؤتمر شعارات «محاربة الإرهاب» وعلمنة الإسلام من أجل صياغة إسلام عصري ذلك من خلال إعادة تفسير الإسلام بأسلوب عصري.

وفي هذا التحقيق طرحنا الموضوع على العلماء، فتقول د. آمنة نصير الأستاذ بجامعة الأزهر إن محاولات النيل من القرآن الكريم التي تتم تحت مسميات عديدة ومتنوعة، مثل: مواكبة العصر أو أن القرآن به أوجه بالنقد قديمة متجددة وكلما يأتي عصر يكون فيه من شياطين البشر من يحاولون البروز والشهرة فلا يجدون ما يشهرون فيه براعتهم إلا النص القرآني فيسعون إلى بث المزاعم والأباطيل حول القرآن حتى ينالوا بالاهتمام من الغرب ويحظون بالشهرة والرعاية بها من أساس الدين الإسلامي ولكن خاب سعيهم بل واعترف بعضهم من الموضوعيين بأهمية النص القرآني وأنه نص سماوي معجز.. بل إن بعض من دخل متحدياً عاد مسلماً.

وأضافت أنه لا خوف من مثل هذه المحاولات والمؤتمرات من هذا النوع فهي تعقد وتنتهي وليس لها أي تأثير ومن يشاركون فيها يسعون وراء الشهرة أو المال ونيل الرعاية والهدف بالطبع واضح للجميع وهو محاولة زعزعة عقيدة المسلمين وتقوية شخصيات تنتمي وتنتسب للإسلام وتمارس النقد غير الموضوعي أو المنزه عن الهوى وتحركها وتطعن بها ثوابت الإسلام حتى تسبغ على محاولاتها نوعاً من المصداقية وحتى لا تتورط بطريقة مباشرة في عداء مع العالم الإسلامي.

وهذا موجود منذ القدم ومارسه الاستعمار معنا وصفحات التاريخ تؤكد ذلك من قبل وكلها محاولات للخروج على الإسلام وإشاعة البلبلة وإثارة الفتن داخل العالم الإسلامي وزرع بذور التشكيك في نفوس الشعوب الإسلامية، نحن نفهم أبعاد هذه المحاولات جيداً عن طريق تبني نفس الإستراتيجية تطبيقاً لمقولة( لا يقلع الشجرة إلا فرع منها )، ولكن سوف يخيب ظنهم وسوف ينفقون أموالهم علي الأتباع والرعايا ومن يخدم هذه التوجهات ولكنها لن تأتي بأي نتيجة لأن كتاب الله باقٍ مادامت الأرض والسماء.ويعلق د. جمال الحسيني أبو فرحة أستاذ الدراسات الإسلامية.

قائلاً: إن محاولات العلمانيين لعصرنة القرآن الكريم ونزع القداسة عنه لم ولن تتوقف، ووجد الأعداء ضالتهم في مجموعة قليلة ممن باعوا أنفسهم بالثمن البخس وأخذوا يكيدون للإسلام والحقيقة أنه لا يكيدون إلا لأنفسهم وهم يحاولون من خلال زعمهم بنقد القرآن وتفريغ النص المقدس من قدسيته، ورغم ما بذلوه من جهد فقد عجزوا رغم أسلوبهم الماكر في التعامل مع النص القرآني.

حيث عمدوا إلى انتقاد آيات معينة وتفسيرها بصورة تخرجها من سياقها وتفسيراتها السائدة وهو أمر إن كان يدل على شيء، فإنما يدل علي جهلهم المطبق والنقص التام في معارفهم فهم يحاولون قراءة القرآن قراءة مجزأة خالية من الترابط ويحاولون تسويقه بهذه الطريقة فهم يريدون أن يقولوا إن القرآن من خلال آياته وقصصه يرسم للمؤمنين به نماذج سامية جداً أو بحسب تعبيرهم متعالية عن التاريخ الأرضي ويجعل هذه النماذج قدوة للمؤمنين على مر العصور ومن هذا المنطلق يبذل العلمانيون جهدهم مدفوع الأجر من أجل هدم الثقة بين الأمة وكتاب الله القرآن الكريم وهم يستخدمون في سبيل هذا كل السبل غير الإسلامية.

ويستطرد د. أبو فرحة أن هذه المحاولة للنيل من القرآن ستفشل مثلما فشلت سابقاتها فقد سبق أن هللوا في الغرب لمؤتمر عقد تحت عنوان: «القرآن والحداثة» وغيرها الكثير من المؤتمرات، التي حاولت عبثاً أن تحول القرآن إلى نص جامد لا علاقة له بحياة المسلمين وذلك عن طريق استخدام العلمانية، التي تريد أن تجرد الإنسان من ماهيته الإنسانية إلى مادة خام قابلة للتشكيل مثلما نرى اليوم مدى الاستعمال البشع للمرأة.

شرط الموضوعية

د. منتصر مجاهد أستاذ الدراسات الإسلامية قال: نحن لا نعترض علي أن تكون هناك فعاليات أو مؤتمرات تعقد في أي مكان في العالم وتتناول بالبحث أي مسألة من مسائل الإسلام ويشارك فيه علماء وباحثون من جنسيات وتوجهات وتخصصات مختلفة، ولكن المهم في الأمر أن يكون الهدف من عقد المؤتمرات أو إجراء البحوث هو السعي وراء الحقيقة وعدم التحيز وتغليب الموضوعية والرؤية والقواعد العلمية في البحث والتناول والنتيجة.

وأشار إلى أن يجب أن يشارك في مثل هذه المؤتمرات متخصصون من علماء الإسلام وفقهائه المشهود لهم بالرأي والعلم والمعرفة والذين ينتمون للمؤسسات الإسلامية الموثوق بها، ولا نقول إن هناك حجرا على أحد في تناول أمور الإسلام لأن هذا ليس مطلوبا ولكن نقول إن أبسط قواعد الموضوعية أن تعقد المؤتمرات ويدعى للمشاركة فيها المتخصصون من كل الاتجاهات حتى تخرج توصيات ونتائج المؤتمر وتستهدف معالجة أمر ما أو التوصل إلى اتفاق حول قضية معينة.. ولكن أن يتم توظيف بعض المقولات وتسخر لنوعية معينة من التوجهات الإمكانيات المادية والإعلامية والرعاية لتحقيق أهداف سياسية ولخدمة مصالح معينة.

فهذا غير مقبول ولا يمكن التغاضي عنه بل يجب فضحه وبيان زيفه وكشفه أمام الرأي العام حتى يكون علي بينة ولا ينخدع من بريق بعض الدعاوى المضللة التي تكرس لترديد وترويج للأباطيل، والمؤتمر الذي عقد بأميركا تناول علمنة الإسلام كما يهدف من ليس له من هدف سوى تأكيد المزاعم حول الإسلام وتكريس المعاني السياسية التي يريد الغرب إلصاقها بالإسلام والمسلمين.

ونحن لا نفهم ما معنى علمنة الإسلام أو تهيئته ليكون مواكبا للعصر كما يزعمون، والحقيقة أن هذا جهل بحقيقة هذا الدين الذي هو علماني بطبيعته في شموله ومنهجيته ورؤيته القائمة على الشورى والديمقراطية والتسامح والمواطنة والعدل والرحمة والسعي والاجتهاد والأخذ بالأسباب وكل المبادئ الراسخة، التي تبني الإنسان وتحافظ علي كرامته وإنسانيته وتؤكد علي قيمته والتي بها تنصلح المجتمعات وتنهض الأمم وإذا كانت هناك مشكلة فهي ليست في المنهج الإسلامي وإنما في عدم فهمه وسوء تطبيقه أو عدم الأخذ به كمنهج حياة لصالح الإنسان والإنسانية، ولذلك علينا ألا نخدع في مثل هذه الدعاوى وأن نحذر منها وسوف تنتهي.

الزمن والباقية

(يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يومك ذهب بعضك) هكذا كان فهم العارفين، أيقنوا أن أعمارهم مراحل إلى الآخرة وأيامهم مطايا إلى الباقية.

والإنسان محاط من عدة جهات، ومحاصر من قبل الملائكة الكرام الكاتبين، الذين يكتبون الأعمال ويرصدون الأحوال «وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» ومحاصر من الأرض التي يمشي عليها يوم تشهد عليه وقد أثبت العلم أن الأرض تحتفظ بصورة لكل ما يجري على ظهرها، قال تعالى «يومئذ تحدث أخبارها» ومحاصرة الإنسان من نفسه، فهو محاصر من جميع جهاته، مسؤول عن كل أوقاته، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينادي في الناس: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله «يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية» كتب أحد الناس إلى أخ له يا أخي يخيل لك أنك مقيم بل أنت دائب السير، تساق مع ذلك سوقاً حثيثا، الموت موجه إليك، والدنيا تطوى من ورائك وما مضى من عمرك فليس بكار عليك يوم القيامة.

دقات قلب المرء قائلة له: إن الحياة دقائق وثوان لقد قال الحسن: لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال، هيهات قد صحبا نوحا وعادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا، أصبحوا قدموا على ربهم ووردوا على أعمالهم.

وقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أنت عليك؟ قال ستون سنة قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ فقال الرجل إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسيره تقول: أنا لله عبد وإليه راجع فمن علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول، فليعد للسؤال جوابا فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: وما هي قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فأنك ان أسأت فيما بقى أخذت بما مضى وبما بقى.

اللهم اجعلنا من المعتبرين المتذكرين الشاكرين العابدين واغفر لنا زللنا وخطأنا وإسرافنا في أمرنا فيما مضى من أيامنا وارفع درجاتنا أنت مولانا فنعم المولى ونعم النصير وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

د. عثمان الغزالي