جاءت رسالة الإسلام السامية لكل الناس بدون تمييز، ولكي يكون المسلم صادقاً في إسلامه يجب أن يتفانى ويبذل كل غال ونفيس في سبيل نشر هذه الرسالة السماوية التي بلغها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأكمل أركانها.

ولكي تكون هذه الدعوة كاملة وغير منتقصة لابد أن يكون هناك قنوات شرعية ورسمية للإعلان عنها، وهذه القنوات تتجلى في المراكز البحثية والدعوية الإسلامية المنتشرة في مختلف بلدان العالم الإسلامية وغير الإسلامية، لتكون وسيلة لنشر الفكر الإسلامي والرد على كل ما يثار من شبهات حول هذه الشريعة السمحة.

وتنادي الأصوات في مختلف البلدان الإسلامية التي تطالب بإعادة النظر في الدور الذي تقوم به هذه المراكز، لخلق آليات مساعدة لتعظيم الدور وإفساح المجال لمزيد من هذه المراكز لتصبح قناة شرعية وآمنة لنشر الإسلام وصد محاولات النيل منه.

يقول الشيخ إبراهيم الفيومي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة: تنهض مراكز البحوث الإسلامية في أنحاء متفرقة من العالم بدور فعال لخدمة المسلمين وتثقيفهم من خلال الندوات والكتب المطبوعة، التي تتناول شتى أنواع المعارف الإسلامية، وإعطاء صورة صحيحة في هذه البلاد عن الدين الحنيف وسماحته كخاتم للأديان السماوية، حيث استطاعت هذه المراكز أن تجتذب الآلاف لاعتناق الإسلام، ومن خلال الدعوة القائمة على العلم الصحيح بأصول الدين، وتناول القضايا المعاصرة بالبحث والدراسة.

و يرى أن هناك قصوراً في الجانب الدعوي للنسبة الغالبة من هذه المراكز، وأيضاً عدم التفاعل مع إصدارات مراكز البحوث الغربية المتعلقة بالإسلام، ومتابعتها والتصدي لها بموضوعية وبالآراء السديدة، والبحث في كيفية تفعيل دور هذه المراكز، فلا يعني الانتقاص من الجهد المبذول، فهذه ليست مسؤولية المراكز وحدها.

وينتقد د. عبد الصبور شاهين بكلية دار العلوم جامعة القاهرة تقصير مراكز البحوث الإسلامية في الاطلاع على ما تنشره مراكز الأبحاث الأوروبية، التي تهتم بالدراسات الإسلامية حتى أنه لا يوجد مركز بحثي واحد في العالم الإسلامي يهتم بهذه الدراسات القيمة التي أعدها غير المسلمين، وتقول الإحصاءات أنهم ألفوا أكثر من 60 ألف كتاب عن العالم الإسلامي أهمها: «دائرة المعارف الإسلامية»، «وتاريخ التراث العربي والإسلامي»، والحق يقال إن بعضها كتب بموضوعية حتى إن القارئ يظن أن كتابها من المسلمين.

تشويه الإسلام

ويختلف معه عبد الجواد فلاطوري مدير الأكاديمية الإسلامية للبحوث بجامعة كولونيا الألمانية فيقول: إن هناك ما يزيد على 140 ترجمة لمعاني القرآن الكريم بالألمانية، إلا أن الكثير منها يفتقد إلى الموضوعية لأن القائمين عليها من غير المسلمين وهدفهم تشويه صورة الإسلام في ترجمة هذه المعاني.

واستعرض فلاطوري أهم مراكز البحوث الإسلامية في ألمانيا، فقسمها إلى قسمين أولهما مراكز يديرها غير المسلمين، وهي خاصة ببحوث التاريخ والحضارة ولغات وثقافة العالم الإسلامي، وهي منتشرة في 25 جامعة ألمانية يتم تدريس اللغة العربية فيها كمادة أساسية، ومعها مجموعة من موضوعات الحضارة والثقافة والتاريخ والمواد الشرعية حسب تخصص كل مركز، واتسع اهتمام هذه المدارس ليشمل دراسة كل ما يتعلق بالعالم الإسلامي قديماً وحديثاً، وأغلب هذه الدراسات موضوعية وبعيدة عن التعصب الديني، وفي الوقت نفسه نجد بعضا منها يهتم بدراسة العالم الإسلامي في إطار خلفيتها وثقافتها المعادية للإسلام، وثانيهما مراكز ومعاهد خاصة أصحابها من المهتمين بدراسة كل ما يتعلق بالعالم الإسلامي، ومنها معاهد المستشرقين التي تشتهر بدراساتها ضد الإسلام.

ويفند فلاطوري دوافع الباحثين الغربيين للاهتمام بالإسلام قائلاً: ليس هدفهم الاطلاع على الإسلام كدين لأن هذا يتعلق بكليات اللاهوت في حين هدفهم الرئيسي يتركز في دراسة هذه الموضوعات الإسلامية بوصفها وقائع تاريخية يجب معرفة كل ما يتعلق بها، كما أن لهم منهجا علميا في دراستهم مما يجعل بعضاً من هذه الدراسات يتسم بالحياد والموضوعية لأنها لا تتعلق بالإسلام كعقيدة وشريعة بقدر ما تتعلق بتحليل العوامل والنتائج التاريخية، مما جعل بعض الباحثين والمستشرقين يدخلون الإسلام بعد تعمقهم في هذه الدراسات.

مجتمع متكامل

أما الشيخ عبد الحميد الرحماني رئيس مركز أبو الكلام آزاد للتوعية الدينية بالهند فيرى أن هناك تقصيراً كبيراً من جانب المسلمين في مجال الدعوة، لأنهم تأثروا كثيرا بالطقوس التقليدية وعاداتها، فلا يوجد عندنا مجتمع إسلامي متكامل يطبق العقيدة الإسلامية الصحيحة، ومنهج الإسلام القويم، والدعوة عندنا تحتاج إلى إسلام عملي لأن عشرات الديانات الأخرى الموجودة في الهند وثنية وليس لها أي قوة أو أساس، فهي متعطشة للإسلام وتعاليمه، بشرط أن تطبق منهجه الصحيح وتتمسك بقيمه حتى يصلهم الإسلام بصورته الصحيحة.

وعن مركز أبو الكلام آزاد يقول: إنه يضم جامعة إسلامية في «سنابل» بنيود لهي «العاصمة »، ويضم معاهد ثانوية ومتوسطة ومعهدا للبنات المسلمات، ومعاهد لتحفيظ القرآن الكريم، ومدارس ابتدائية ومستشفيات ومستوصفات خيرية في مختلف أنحاء الهند.. كما يضم المركز معهدا عاليا للدعوة الإسلامية ومجمعاً عالياً للدعوة الإسلامية، ومجمعا باسم «مجمع البحوث العلمية»، والمركز ينهض بدور مؤثر لا يجب الانتقاص منه.

ويطالب عبد الرازق إبراهيم مدير المركز الإسلامي ب«شيفلد» بانجلترا، بضرورة دعم الدول الإسلامية للمراكز الإسلامية حتى تستطيع أداء رسالتها، وأعتقد أن هذا واجب كل مسلم قادر يعيش في أي مكان، حيث نفتقد هذا التواصل المنتظم بيننا وبين الكثيرين من العلماء الأجلاء ورجال الدعوة بحكم التباعد الجغرافي، ولذلك ينهض مركزنا بدوره في إطار الإمكانيات المتاحة لديه، ويتمنى مدير المركز أن يشرح الله صدور المسلمين في كل مكان ليقوموا بواجبهم نحو إخوة لهم في الإسلام، لأن المسلمين محاصرون بإعلام غربي رهيب يحاول الإساءة بشتى الوسائل إلى دينهم مما يستوجب التصدي لهذه الإساءات بالحجة والبرهان.

وعن المركز الإسلامي في شيفلد يقول مدير المركز: إنه أنشئ في عام 1979على يد مجموعة من الطلبة الذين جاءوا إلى المدينة الانجليزية للدراسة وبمجهود وتبرعات ذاتية منهم، دون أي دعم خارجي.

أما عن أهداف المركز فهي: الدعوة إلى الإسلام الصحيح وخدمة المسلمين وقضاياهم في جميع المجالات وتثقيف المسلمين في أمور دينهم والنهوض بهم وإيجاد الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك، و توفير وسائل المعرفة والبحث العلمي خاصة في الأمور الإسلامية واستخدام وسائل الإعلام للتعريف بالإسلام وحضارته، مع التركيز على الجيل الناشئ باعتباره أمانة في أيدينا وأيضاً لوجود إغراءات كثيرة من حوله في الغرب قد تشجعه على الانحراف، وتبليغ رسالة الإسلام نقية صافية إلى غير المسلمين.. بعيداً عن روح المساومة، وشرح قضايا الإسلام من وجهة نظر إسلامية صادقة.

تجسيد الصورة

وحول الدور الذي تقوم به المراكز الإسلامية في نشر الدعوة يقول السيد عليوه مدير عام العلاقات الثقافية بوزارة الأوقاف المصرية: إن هذه المراكز هدفها الرد على الدعاوى المناهضة للدين الإسلامي التي تجد طريقها بسهولة إلى عقول أبناء المسلمين من الجيل الثاني، لضعف الثقافة الدينية لديهم.

ويوضح أن 80% من هؤلاء الأبناء لا يستطيعون النطق بالشهادتين لعدم معرفة اللغة العربية، كما أن المراكز لا تكتفي فقط بهذا الدور، بل تقدم خدماتها لغير المسلمين لتجسيد صورة الإسلام هناك خاصة في الفترة الأخيرة. كذلك من أهم القضايا التي تضعها هذه المراكز على رأس أولوياتها مسألة العنصرية الفكرية التي تسود في بعض المجتمعات الغربية.

ويضيف: إنه يقع على عاتق المراكز الإسلامية تعليم أبناء المسلمين قواعد اللغة العربية والعلوم الشرعية، وتحفيظهم القرآن الكريم من خلال المدارس الإسلامية، علاوة على مشاركة المسلمين وغير المسلمين مناسباتهم الدينية والاجتماعية والوجود المستمر بينهم.

وعن دور الأزهر و وزارة الأوقاف المصرية في دعم هذه المراكز يقول: إن الأزهر يمد المراكز الإسلامية بالخارج بالوعاظ والدعاة الدائمين والزائرين، وكذلك بالمناهج الدينية الأزهرية والكتب والإصدارات الإسلامية ، كذلك يقوم الأزهر برعاية أبناء المسلمين القادمين لتلقي العلوم في مصر، ويقوم في هذا الصدد بالإنفاق عليهم حتى الجامعة، وقال عن دور وزارة الأوقاف المصرية بأنها سنوياً تقوم بإيفاد أكثر من ألف داعية ومقرئ للقرآن سنوياً، ولمشاركة أبناء الأقليات المسلمة مناسباتهم الدينية، وخاصة شهر رمضان المبارك.

التعاون المؤسسي

ويقول د. محمد السيد الجليند رئيس قسم الفلسفة بجامعة القاهرة: إن لغة الحوار الغربي مع المسلمين، لغة استعلاء ومحو للذات وتشويه الهوية، ومحاولة ملء الذهنية العربية بمفاهيم الحضارة الغربية، وتفريغ العقلية الإسلامية من ماضيها وقيمها، وملء هذا الفراغ بثقافات رخيصة تشغل الشاب عن عظائم الأمور وتقتل وقته وجهده فيما لا يفيد.

ويضيف: إنه من الغريب أن الغرب قد صدر بعض المصطلحات إلى العالم الإسلامي ويرمي بها المسلمين كمصطلح «التطرف» الذي تعاونت أجهزة الإعلام في الغرب على إلصاقه بالإسلام، ومن يقرأ تاريخ القرنين الأخيرين، ويحاول أن يجد تفسيراً لموقف الغرب من العالم الإسلامي، وأسلوبه في تفتيت وحدته، والسطو على مقدراته وخبراته، لا يجد مبرراً إلا أسلوب الغابة الذي يملي فيه القوي إرادته على الضعيف.

ويبقى التساؤل مطروحاً: إذا كان اهتمام غير المسلمين بدراسة كتب الإسلام سواء لأهداف بحثية فقط أو لأهداف خبيثة.. فأين دورنا نحن في التفاعل مع هذه الدراسات؟!

ويرى د. محمد فؤاد البرازي رئيس تجمع المسلمين بالدنمارك أن المراكز البحثية والدعوية الإسلامية في مختلف العواصم الإسلامية وغير الإسلامية لاتؤتي الآثار المرجوة منها، وذلك لأنها تدار بعقلية روتينية بحتة، وهذا أمر يجب التوقف أمامه ملياً نظراً لأنه من الضرورة أن تعود هذه المراكز إلى الحياة من جديد لكي تكون بمثابة حائط للصد تتحطم عليه كل المؤامرات والأكاذيب والافتراءات الصادرة عن بعض وسائل الإعلام الغربية المدعومة من الصهيونية العالمية، تلك التي تروج لأكاذيب عن الإسلام، والتي تدعو بدورها إلى تشكيك المسلمين في عقيدتهم من ناحية وإبعاد غير المسلمين عن الإسلام من ناحية أخرى، بل تجد هذه الدعاوى والافتراءات في مجملها تؤكد على لصق بعض الاتهامات بالإسلام كالإرهاب والتخلف.

ويؤكد أن مراكز البحوث الإسلامية كيانات تضاعفت أهميتها في الآونة الأخيرة التي تلعب فيها الكلمة مفعول السحر مع تعاظم دور الإعلام سواء المقروء أو المكتوب أو المنطوق، وبالتالي لا مناص من تكاتف وتعاون هذه المراكز والقنوات البحثية المنتشرة في مختلف عواصم العالم، لكي تكون بوقاً دعائياً عصرياً للإسلام بما ينطوي عليه من قيم سمحة، يقبل عليها كل من تفهمها بحق.

فالمراكز الإسلامية ينقصها بعض التطوير في سبل إدارتها، ولتكون الحيوية والحراك أكثر ما تسعى إليه هذه المراكز، فالعالم يسير هذه الآونة بسرعة مهولة وينبغي أن نلاحق هذا التطور بالتجديد المستمر بما لا يضر بالإسلام الذي هو في الأساس شريعة صالحة لكل مكان وزمان.