الوقف في اللغة: الحبس. وفي اصطلاح الفقهاء: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته. ويقصد بقطع التصرف أنه لا يجوز للواقف، أو لناظر الوقف بيعه، أو هبته، كما أنه لا يورَّث عن الواقف.

والوقف باب خيري انتهجته الأمة الإسلامية لتحقيق القربات والأعمال الصالحة ابتغاء مرضاة الله، وهو يعكس حكمة الإسلام في وقف الأموال، مع بقاء عينها لمصالح خيرية دائمة، فهو بذلك مغاير للفهم المعروف من الإنفاق، والمحصور بالصدقات على الفقراء والمساكين فقط.

يقول الإمام الشاطبي: «إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا... وهو اختيار أكثر الفقهاء والمتأخرين». قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (سورة الأنبياء: [الآية: 107]). (الموافقات للإمام الشاطبي 1/2/ 4، 5).

وكانت للوقف منافع لا تعد ولا تحصى، فقد شملت أوقاف المسلمين جوانب كثيرة من مرافق الحياة (اجتماعية، تعليمية، طبية). فما تركوا حاجة من حاجات الأمة إلا وحبسوا لها أموالا، اشترك في ذلك السيد والمسود.

ويعتبر الوقف من سمات المجتمع الإسلامي ومن أبرز نظمه في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولقد اهتم به الفقهاء ووضعوا له الأحكام التي تضبط معاملاته بهدف المحافظة على أمواله وتنميتها واستمرارية تقديم منافعها إلى المستفيدين وفقا لمقاصد الواقف الواردة في حجة الوقف.

ومنذ سنوات قليلة بدأت قضية الوقف الإسلامي تنشط وتعود إلى الساحة مرة أخرى، وبدأت رغبة وتطلع أهل الخير للوقف من أموالهم على الجهات التي يعتقدون أنها الأَوْلى في الإنفاق عليها، والأكثر نفعا على المدى البعيد، إدراكا منهم للدور الحيوي الذي يمكن للوقف أن ينهض به من إيجاد مصادر تمويل ثابتة ومستقرة للعمل الدعوي بمختلف صوره، بعد أن تراجع دورها، حينما شاع القول بأن مال الأوقاف كالمال السائب، نظرا لظروف سياسية لا مجال للخوض فيها.. فقلة الموارد.

وضيق سبل الإنفاق من أهم العقبات التي تقف في طريق الدعوة، والحل نابع من حضارتنا ومن تاريخنا، وهو العودة لنظام الأوقاف، فبهذا النظام يتم تأمين الموارد المالية التي يمكن من خلالها تغطية نفقات المشروعات الدعوية، بالإضافة إلى إيجاد الاستقلال النسبي. واستحدثت صيغ جديدة لاستثمار أموال الوقف لم تكن موجودة في صدر الدولة الإسلامية من المشاركة المنتهية بالتمليك، والإجارة المنتهية بالتمليك.

والاستصناع الموازي، والمساهمات في رؤوس أموال الشركات كالأسهم والصكوك وسندات المقارضة، وكذلك الاستثمار لدى المؤسسة المالية الإسلامية مثل المصارف الإسلامية ومؤسسات الاستثمار الإسلامي، وصناديق الاستثمار الإسلامي وما في حكم ذلك، ولقد عرضت هذه الصيغ على مجامع الفقه الإسلامي فأجازتها ووضعت لها الضوابط الشرعية التي تحكم التعامل معها.

أحمد عبدالمجيد