وصلت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى دمشق بعد ظهر أمس كاسرة بزيارتها العزلة الدولية التي تقودها واشنطن على سوريا متجاهلة انتقادات الرئيس الأميركي جورج بوش للزيارة التي اعتبرها رسالة متناقضة إلى دمشق وتنسف جهود عزلها. وستلتقي بيلوسي الرئيس السوري بشار الأسد اليوم الأربعاء بعد أن تلتقي كبار المسؤولين السوريين في أول لقاء من نوعه منذ غزو العراق عام 2003. واستقبلت بيلوسي ووفدها العالي المستوى بحفاوة في مطار دمشق الدولي حيث كان في انتظارها وزير الخارجية وليد المعلم.

وقبل بدء محادثاتها جابت بيلوسي في الجامع الأموي وسوق البزورية التاريخي وزارت قصر العظم الشهير. وعندما سئلت عن رأيها بالأحياء القديمة لدمشق وصفتها بأنها رائعة. وتجاوزت بيلوسي ثالث شخصية سياسية في الولايات المتحدة والمعارضة لسياسة بوش في العراق انتقادات الإدارة الأميركية التي تشهد علاقاتها توتراً مع دمشق. وهي تدعم بقوة توصيات مجموعة الدراسات حول العراق التي ترأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر وشجعت على استئناف حوار مع سوريا.

ووفقاً للتقارير الأميركية فقد حاول البيت الأبيض إقناع بيلوسي بإلغاء زيارة دمشق، وعندما فشل في ذلك حث وفدها على توجيه «رسالة شديدة اللهجة» إلى الحكومة السورية بشأن احترام حقوق الإنسان في سوريا ولبنان. ويرافق بيلوسي في جولتها سبعة نواب بينهم النائب عن الحزب الديمقراطي توم لانتوس الذي يرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب والمعروف بموقفه الصارم تجاه الحكومة السورية، وبتأييده الشديد لإسرائيل.

وبعيد وصولها إلى دمشق، صرح بوش ان زيارتها إلى سوريا توجه «رسائل متناقضة» تنسف جهود عزل الرئيس السوري. وأكد بوش «قلنا صراحة لمسؤولين كبار سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين ان الذهاب إلى سوريا يوجه رسائل متناقضة للمنطقة وبالتأكيد للرئيس الأسد». وأضاف الرئيس الأميركي ان هذه الزيارات «توحي للمسؤولين الحكوميين السوريين بأنهم جزء من المجتمع الدولي في حين ان دولتهم تساند الإرهاب». لكن بيلوسي أكدت الاثنين في بيروت ان زيارتها إلى سوريا مهمة من أجل بدء الحوار خصوصاً حول العراق والمحكمة ذات الطابع الدولي للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

ومن الجانب السوري قال نائب وزير الخارجية الدكتور فيصل المقداد في تصريح صحافي تعليقاً على زيارة بيلوسي «نحن على استعداد للاستماع إليها بيلوسي ووضعها بصورة مواقف سوريا وعدالة قضيتنا». وحول التصريحات الإسرائيلية بأن بيلوسي سوف تنقل رسائل إسرائيلية بشأن استئناف عملية السلام أعرب المقداد عن أمله بأن تكون «الرسالة التي تحملها بيلوسي هي رسالة أميركية حول حوار حقيقي بين الولايات المتحدة وسوريا وليست رسالة إسرائيلية».

وأكد مقداد ان هناك طريقاً واحدة للتعامل مع إسرائيل وهي طريق طاولة المفاوضات لمناقشة كيفية انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. ولاقت زيارة بيلوسي ترحيباً سورياً عكسته وسائل الإعلام الرسمية التي فسرت الزيارة على أنها مؤشر على عودة التوازن للسياسية الأميركية.

وقال وزير الإعلام السوري السابق مهدي دخل الله إن زيارة بيلوسي تشير إلى فشل كل محاولات عزل سوريا. وأضاف «نشعر بأن حواراً قد بدأ من جديد بين سوريا وأميركا والزيارة هي خطوة في الاتجاه الصحيح ونرجو أن تستمر وأن يتزايد الضغط على الإدارة الأميركية لكي تغير سياستها التي أثبتت فشلها في المنطقة».

واعتبر السفير السوري لدى واشنطن عماد مصطفى زيارة بيلوسي خطوة إيجابية «وتأكيداً على اتجاه سائد في الكونغرس بحزبيه الديمقراطي والجمهوري سواء بسواء».ويرى المحلل السياسي أسامة دنورة أن الحوار الذي ستجريه بيلوسي في دمشق، سيكون حواراً نقدياً تعرض فيه المسؤولة الأميركية المآخذ الأميركية على السياسة السورية، ولكن برؤية تعتمد استراتيجية الحوار بدلاً العزل.

ولفت دنورة إلى أن بيلوسي ليست صانعة قرار فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، إلا أن أهمية زيارتها تكمن في اثبات وجود منهج مختلف عن منهج إدارة بوش في التعاطي مع قضايا المنطقة، الأمر الذي يضع جانباً من أهداف هذه الزيارة في سياق التنافس الجمهوري الديمقراطي أو التنافس بين الكونغرس والإدارة.

وتكمن أهمية زيارة بيلوسي إلى دمشق في أنها قد تؤسس لرؤية أميركية جديدة للصراع العربي الإسرائيلي قد تحمل في حال بلورتها ملامح عودة أميركية إلى ما يسمى بدور «الوسيط النزيه»، الذي مثل شعاراً للإدارة الأميركية في تعاطيها مع قضايا المنطقة طوال فترتي حكم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، وإخراجها بذلك من دور الطرف في الصراع الذي كرسته فترة حكم الرئيس الحالي جورج بوش.

إلى ذلك اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أمس ان زيارة بيلوسي إلى دمشق لن تؤدي إلى «تغير معين» في موقف الإدارة الأميركية من سوريا. وقال مساعد الناطق باسم الوزارة دوني سيمونو «لا أعتقد ان هذه الزيارة ستؤدي إلى تغير معين للإدارة الأميركية» بشأن سوريا.

مشيراً إلى ان الزيارة لقيت الكثير من الانتقاد من قبل وزارة الخارجية الأميركية. وأكد الناطق ان فرنسا والولايات المتحدة تبقيان مقربتين جداً في سياستهما إزاء سوريا. وأضاف «اعتقد أننا نواصل تقديم الطلبات نفسها لكي تظهر سوريا مزيداً من التعاون لإقرار الاستقرار في المنطقة». وتابع سيمونو «نحن لا نزال نتعاطى مع سوريا بذهنية متشابهة إلى حد ما، أي دعوة هذا البلد لكي يكون بناءً ومتعاوناً إلى أقصى درجة ممكنة لكي يساهم في استقرار وسلام المنطقة إزاء مختلف جيرانه».

دمشق ـ تيسير أحمد والوكالات