سادت أجواء التفاؤل جلسات القمة العربية التاسعة عشرة التي التأمت في الرياض أمس وتختتم اليوم وحسمت بعضاً من الخلافات إنعاشاً للتضامن العربي، أبرزها الاتفاق على عقد قمة ثلاثية بين قادة السعودية رئيسة القمة ومصر وسوريا قد تحيي التنسيق الثلاثي الذي كان سائداً قبل سنتين، مع ترتيب لعقد لقاء بين الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة يمهد لانفراجة في الأزمة العالقة بين البلدين.

ودعا القادة العرب إلى تحقيق استقرار ووحدة العراق. وترأس صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وفد الدولة في القمة، كما استقبل بمقر إقامته الرئيسين اليمني علي عبدالله صالح واللبناني إميل لحود. وأكد سموه حرص الإمارات على وحدة لبنان وأمنه وتحقيق الرفاهية لشعبة.

كما استقبل بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة وتبادل معه الآراء حول مجمل الأوضاع في المنطقة وعدد من القضايا الإقليمية والدولية. وأكد صاحب السمو الشيخ خليفة للامين العام للأمم المتحدة على ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية لكي يستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه.

وفى افتتاحه للقمة دعا خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز القادة العرب إلى استعادة الثقة في أنفسهم وفي بعضهم البعض على اعتبار أن ذلك هو السبيل إلى عودة المصداقية وروح الأمل إلى الأمة العربية، مشيراً إلى أنه «عندئذ لن نسمح لقوى من خارج المنطقة أن ترسم مستقبل المنطقة، ولن يرتفع على أرض العرب سوى علم العروبة» منتقداً في الوقت ذاته الاحتلال الأميركي للعراق ووصفه بأنه غير شرعي.

وأقر القادة بالإجماع في الجلسة المغلقة الثانية الليلة الماضية جميع قرارات القمة. وجاء في مقدمة القرارات إعادة تفعيل مبادرة السلام العربية بكافة عناصرها عبر اتصالات ستقوم بها فرق عمل خاصة على كل المستويات.

وجاء في القرار أن مجلس الجامعة على مستوى القمة قرر (التأكيد مرة أخرى على دعوة حكومة إسرائيل والإسرائيليين جميعاً إلى قبول مبادرة السلام العربية واغتنام الفرصة السانحة لاستئناف عملية المفاوضات المباشرة والجدية على المسارات كافة).

كما أكد القرار على تمسك جميع الدول العربية بمبادرة السلام العربية كما أقرتها قمة بيروت عام 2002 بكافة عناصرها والمستندة إلى قرارات الشرعية الدولية ومبادئها لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وإقامة السلام الشامل والعادل.

واتفق القادة العرب في القرار على تكليف اللجنة الوزارية العربية الخاصة بمبادرة السلام بمواصلة جهودها مع اللجنة الرباعية والأطراف الدولية المعنية بعملية السلام ومع الأمين العام للأمم المتحدة والدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي من أجل استئناف عملية السلام وحشد التأييد لهذه المبادرة وبدء مفاوضات جادة علي أساس المرجعيات المتفق عليها.

وعلمت «البيان» أن القمة أقرت قراراً يؤكد دعم الدول العربية للسلطة الوطنية الفلسطينية وحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، ورفض التعامل مع إجراءات الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني بكل مظاهره.

ويدعو القرار الدول والمنظمات الدولية إلى رفع الحصار فوراً وتوصيل الدعم لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية والاعتراف بها والتعامل معها دون تمييز، وقيام الدول الأعضاء بإجراء الاتصالات اللازمة مع الأطراف المعنية بهذا الشأن.وحول البند الخاص بعقد قمم عربية تشاورية أيد القادة انعقاد قمة عربية تشاورية لمعالجة قضية هامة أو عاجلة تستدعي التشاور لاتخاذ مواقف متجانسة أو مشتركة تجاهها.

وأوضح القرار أن وزراء الخارجية العرب سوف يتولون التحضير لانعقاد القمة التشاورية، مؤكداً أنه يحق لأية دولة عضو في الجامعة الدعوة إلى عقد هذه القمة التشاورية وللأمين العام للجامعة نفس الحق وتنعقد القمة بموافقة ثلثي الدول الأعضاء.

وأكد أنه يجب ألا يحول عقد قمة تشاورية في أي وقت دون الالتزام بعقد القمة الدورية في شهر مارس من كل عام، مشيراً إلى أن النقاش في هذه القمم يجب أن يقتصر على الموضوع الذي دعيت من أجله وتكون جلساتها مغلقة ولا تلقى فيها بيانات عامة.

وحول البند المتعلق بالوضع في لبنان أكدت القمة أن الكشف عن الحقيقة في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ورفاقه، ومثول المتهمين أمام المحكمة ذات الطابع الدولي وفقاً للنظام الذي سيعتمد لها في إطار توافق اللبنانيين على نظام هذه المحكمة التي ستنشأ

وفقاً لقراري مجلس الأمن 1644 و1664 وبناء على طلب الحكومة اللبنانية وفقاً للأنظمة والأصول الدستورية لينالوا عقابهم العادل بعيداً عن الانتقام والتسييس، يساهم في إحقاق العدالة وتعزيز إيمان اللبنانيين بالحرية في بلدهم والتزامهم بنظامهم الديمقراطي ويساهم أيضا في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكد القادة على الدعم العربي للبنان في حقه السيادي في ممارسة خياراته السياسية ضمن الأصول والمؤسسات الدستورية أخذاً في الاعتبار حقه في إقامة علاقات مع الدول الصديقة والشقيقة على أساس الاحترام المتبادل للسيادة والاستقرار ولمصالحه الوطنية وحسن الجوار والمساواة والندية.

كما أكدوا الدعم العربي للبنان في مطالبته بالإفراج عن الأسرى والمعتقلين اللبنانيين الموجودين في السجون الإسرائيلية كرهائن، وإزالة مئات آلاف الألغام التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي وتزويد إسرائيل للأمم المتحدة بجميع الخرائط المتبقية للألغام الأرضية في الأراضي اللبنانية وشبكة القنابل العنقودية التي قصفت بها لبنان في حرب يوليو 2006.

ودعا القرار جميع الفئات والقوى اللبنانية إلى الحوار الوطني على أساس الجوامع بين اللبنانيين وكذلك ما تحقق على صعيد التوافق الوطني بهدف التوصل إلى حلول تفوت الفرصة على كل من يريد العبث بأمن لبنان واستقراره وللحفاظ على اللحمة الوطنية بين جميع أبنائه.

كما دعا جميع اللبنانيين إلى بذل كل الجهود للوصول إلى حل للأزمة السياسية الراهنة والاضطرابات والانقسامات مما يمكنهم من درء المخاطر وإعمال القانون وسيادته على كامل الأراضي اللبنانية والالتزام بالدستور اللبناني واتفاق الطائف مما يحفظ أمن واستقرار ووحدة لبنان ومصالحه العليا، مؤكدا اعتزام جميع الدول العربية تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة الممكنة إلى الأشقاء في لبنان لتحقيق ذلك.

وفيما يتعلق بتطورات الوضع في العراق أكد القادة العرب في قرارهم أن التصور العربي للحل السياسي والأمني لما يواجهه العراق من تحديات يستند إلى احترام وحدة وسيادة واستقرار العراق ورفض أي دعاوى لتقسيمه مع التأكيد على عدم التدخل في شؤونه الداخلية، وأن تحقيق الاستقرار في العراق وتجاوز أزمته الراهنة يتطلب حلا أمنيا وسياسيا متوازيا يعالج أسباب الأزمة ويقتلع جذور الفتنة الطائفية والإرهاب.

وأكد القرار على ضرورة احترام إرادة الشعب العراقي بكافة مكوناته في تقرير مستقبله السياسي وان تحقيق الأمن والاستقرار يقع في المقام الأول على حكومة الوحدة الوطنية والمؤسسات الدستورية والقيادات السياسية العراقية، وعلى دعم ومساندة الدول العربية ودول الجوار لجميع جهود المصالحة الوطنية.

وشدد القرار على أن الدعم العربي لجهود المصالحة الوطنية يهدف إلى العمل على توسيع العملية السياسية ومواجهة النعرات الطائفية والعمل على إزالتها نهائيا وعقد مؤتمر الوفاق العراقي الشامل في أقرب وقت ممكن، والإسراع في إجراء المراجعة الدستورية للمواد الخلافية في الدستور،

ومراجعة قانون اجتثاث البعث بما يعزز جهود المصالحة الوطنية، والتأكيد على المواطنة والمساواة كأساس لبناء العراق الجديد، والحرص على توزيع ثروة العراق بصورة عادلة، وقيام الحكومة بحل مختلف الميليشيات وإنهاء المظاهر المسلحة العدوانية، وتسريع بناء وتأهيل القوات العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية وصولا إلى خروج القوات الأجنبية كافة من العراق.

من جانبه قال نائب رئيس الجمهورية السورية فاروق الشرع في تصريح خاص لـ «البيان» إن سوريا سوف تكثف من تنسيقها مع بقية الدول العربية في كل ما من شأنه معالجة الأزمات، مؤكدا أن العلاقات السعودية السورية عادت إلى ما كانت عليه في أعقاب اللقاء الذي عقد أول من أمس بين الرئيس السوري بشار الأسد وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز،

مشيرا إلى أن قمة ثلاثية تجمع بين خادم الحرمين والرئيس الأسد والرئيس المصري حسني مبارك ستعقد اليوم الخميس. وتوقع مراقبون أن تنجح السعودية اليوم في عقد أول لقاء مشترك بين الأسد ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، وهو لقاء في حال انعقاده سيكون من أهم انجازات قمة الرياض،

حيث لوحظ أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل جلس مطولا مع الأسد في الكرسي الذي كان يجلس عليه فاروق الشرع وذلك لأكثر من نصف ساعة بعد أن غادر القادة العرب قاعة الاجتماع، مع العلم أن السفير السعودي في لبنان كان قد بذل على مدى الأسبوعين السابقين للقمة جهودا مكثفة تنصب في هذا الاتجاه، وينتظر أن تتوج هذه الجهود في قمة الرياض لتضاف إلى نجاحاتها المتوقعة.

الرياض ـ عبد النبي شاهين والوكالات