تأتي الأسواق الآسيوية في مقدمة المناطق التي أولتها حكومة دولة الإمارات اهتماما شديدا في السنوات الأخيرة، باعتبارها أسواقا واعدة تجمع بينها وبين أسواق المنطقة العربية عوامل مشتركة عديدة. ولم يكن النجاح الذي حققته الهند، كونها من الأسواق الآسيوية الصاعدة بسرعة شهد لها الجميع، ليخفى عن اهتمام مسؤولي الدولة.

حيث شهد التعاون بين الجانبين في الفترة الأخيرة نموا ملحوظا تبلور في إبرام عدد من مذكرات التفاهم المشترك والاتفاقيات الثنائية التجارية والصناعية. وكان الاهتمام العالمي الملحوظ بالهند في الآونة الأخيرة بمثابة عنصر تحفيز لمسؤولي الدولة للدخول في مراحل متقدمة من التعاون المشترك مع النمر الآسيوي الجديد.التركيز العالمي على نمو قوة الهند لم يأت من فراغ، إذ أيدته دراسات بحثية مستفيضة أشارت إلى تصاعد نجم هذه الدولة في القريب، ما دفع القوى السياسية الكبرى في العالم إلى تغيير استراتيجيتها نحو النمر الآسيوي الصاعد بقوة الصاروخ. فبعد أن كان الحديث كله منصبا على التصاعد المطرد لقوة المارد الصيني، استأثرت الهند في الفترة الأخيرة بنصيب الأسد فيما يجري من نقاشات حول تصاعد دور الدول النامية على الساحة الاقتصادية العالمية.

فبحسب دراسة أجرتها مؤسسة غولدمان ساكس المالية العالمية الشهيرة، فإن الهند ستكون أسرع اقتصادات العالم نموا على امتداد الخمسين عاما المقبلة، وذلك بفضل حقيقة أن متوسط اعمار القوة البشرية في الهند أقل بكثير من مثيله في الاقتصادات المنافسة. وتشير الدراسة إلى أن اقتصاد الهند في غضون عشرة أعوام سيكون أقوى من الاقتصاد الإيطالي وفي غضون 15 عاما سيتخطى نظيره البريطاني. وبحول عام 2040، سيكون ثالث أكبر اقتصاد في العالم. وبحلول العام 2050 سيفوق حجم الاقتصاد الهندي نظيره الياباني بخمسة أضعاف، وبحلول العام نفسه سيزيد دخل الفرد هناك على معدله الحالي ب35 ضعفا.

وعلى الرغم من أن الدراسة تتحدث بشكل رئيسي عن المستقبل، إلا أن الحاضر هو الآخر يشير إلى أن التوقعات التي ترد على ألسنة الخبراء لا تحمل أي مبالغة بل أن المستقبل قد يأتي بما قد يفوق تلك التوقعات. فالشركات الهندية تسجل حاليا معدلات نمو هائلة وتحقق مكاسب سنوية تتراوح بين 15% و20%.

فهناك على سبيل المثال مجموعة تاتا غروب، التي تعد أكبر المؤسسات التجارية في الهند، حيث تُصنع تلك الشركة كل شيء بداية من السيارات ومرورا بمنتجات الحديد والصلب ونهاية بالبرمجيات الحاسوبية. ويُنظر إلى تلك الشركة باعتبارها نافذة تعكس ما يحققه الاقتصاد الهندي من تقدم ملحوظ على امتداد السنوات الأخيرة وما يمكن تحقيقه في المستقبل على المدى القصير والبعيد، لاسيما على المستوى الصناعي. فقد نمت إيرادات المؤسسة العام الماضي من 17 مليار دولار إلى 24 مليار دولار، ويتوقع لها أن تحقق معدل نمو غير مسبوق هذا العام.

ومن ناحية أخرى تسجل تجارة السيارات وقطع الغيار الخاصة بها في الهند هي الأخرى نجاحات هائلة. فمنذ 4 سنوات فقط، كان إجمالي إيرادات تلك الصناعة لا يزيد على 4 تريليونات دولار، في حين أن إحصائيات العام الجاري تشير إلى أن إجمالي تلك الإيرادات سيزيد ليبلغ 10 تريليونات دولار. وتفيد التقارير الإخبارية أن عملاق السيارات الأميركية جنرال موتورز في عام 2008 سيستورد قطع غيار سيارات من الهند بقيمة مليار دولار.

ولاشك أن مثل هذا الأمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام، لاسيما وأنها المرة الأولى التي تستورد فيها شركة أميركية بضائع أو خدمات من الخارج بهذا الحجم.

غير أن كل ما يرد في التقارير والإحصائيات عن التقدم الذي تحققه هذه الدولة الآسيوية يمكن أن يقابل باستهجان من قبل أي شخص قد يكون زار الهند مؤخرا. فهل تتحدث التقارير عن ذلك البلد الذي يحوي كل تلك المطارات المتهالكة والشوارع القذرة والضواحي التي تحوي بداخلها أكثر من 300 مليون شخص يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم؟ فالهند بحسب أحدث التقارير تحوي أكثر من 40% من فقراء الأرض وبها ثاني أكبر نسبة إصابة بالإيدز في العالم. ولكن هذه هي الهند التقليدية التي يعرفها كل من زارها. هذه هي هند الفقر والأمراض. ولكن هند المستقبل مختلف كلية عن هند الماضي والحاضر.

طبيعة النمو الذي تحققه الهند قد يتسم بالفوضوية وعدم التخطيط. فما يجري تحقيقه من تقدم ومعدلات نمو مرتفعة هناك، لا يسير من القمة إلى القاع، كما هو متبع بشكل طبيعي، ولكنه يسير من القاع إلى القمة. لا يوجد في الهند ما تتمتع به بكين من بنية تحتية تقدم للمستثمر ما يريد من رفاهية يسيل لها اللعاب كي يقيم مشاريعه هناك.

فالفضل الأول فيما تحققه الهند من نجاحات، بحسب تقرير لمجلة «نيوزويك» الأميركية، يُنسب إلى رجال الأعمال الهنديين الذين هم مصممون على تكوين الثروات والارتقاء بمكانة بلادهم. فبشكل أو بآخر نجحت تلك الطبقة من الشعب، على الرغم من كل ما تواجهه من صعوبات ومعوقات بيروقراطية، في الوصول إلى أهدافها المنشودة في فترات وجيزة.

إن الإحصائيات لا تعكس بدقة ما يجري في الهند خلال الآونة الحالية. فالشعب الهندي ، لاسيما طبقة رجال الأعمال، يتمتع بحماسة لا متناهية، وقادة الأعمال هناك متفائلون للغاية بشأن مستقبل تجارتهم وما ينتظر بلدهم من آفاق نمو غير متناهية. فالمصممون الهنود، على سبيل المثال، يتحدثون عن طفرة كبيرة في منتجاتهم من شأنها أن تجعل أعمالهم تصل إلى كل بقاع الأرض. نجوم بوليوود يتحدثون عن زيادة هائلة في قاعدة مشاهديهم تذهب بعدد المعجبين بالسينما الهندية إلى ما بعد النصف مليار نسمة التي تشاهدها حاليا.

لقد قالها أحد مشاهير الهند من قبل، وهو جواهرلال نهرو، أول رئيس وزراء هندي، في 15 أغسطس 1947: «ستأتي لحظة نادرا ما تحدث في التاريخ البشري عندما نخرج من إطارنا القديم لنحتضن الواقع الجديد؛ ستأتي اللحظة التي سينتهي فيها عصر لتجد فيه روح دولة طالما عانت الكبت والاضطهاد، نور الشمس كي تعبر عن نفسها».

إعداد: حاتم حسين