استطاعت الهند رغم أحمالها الثقيلة أن تملك إرادتها وتفرض نفسها كواقع اقتصادي وعلمي مهيب على خارطة القوى الصاعدة بخطى حثيثة نحو العالمية، بحيث بات من الصعب تجاهلها أو استثناؤها أو التقليل من شأنها.
جاء ذلك في دراسة للدكتور عبدالله المدني الباحث والمحاضر والأكاديمي في الدراسات الآسيوية بعنوان «التواصل الخليجي ـ الهندي: نحو تجديد العلاقات التاريخية» أشار فيها إلى انه بالرغم من المشكلات التي تعاني منها الهند إلا أن هناك حقائق مذهلة تقول بأن الهند تحتضن اليوم أكبر كتلة بشرية مؤهلة تقنيا وفنيا في العالم وبعدد يتجاوز الستين مليون نسمة أي ما يعادل إجمالي سكان كبرى الدول العربية..
وأنها صارت أكبر منتج ومصدر للبرمجيات في العالم، بحيث بات يمر عبرها أو تتحكم في عمليات كبريات شركات الطيران والاتصالات والمصارف ومؤسسات البطاقات الائتمانية في العالم. وان مدنا هندية من تلك التي عرفها أجدادنا في فترة ما قبل النفط كأماكن لتسويق اللؤلؤ واستيراد مستلزمات المعيشة والترويح البريء مثل بومباي وحيدر آباد وبنغلور ومدراس، صارت اليوم قلاعا تكنولوجية.
وأوضح الباحث أن الهند تمتلك صناعة سينمائية هي الأضخم في العالم بعد هوليوود، وصحافة حرة تخرج من الجرائد والمجلات والدوريات المتخصصة ما يفوق في عددها الصادر من أية دولة أخرى في العالم ( بالإنجليزية وحدها هناك 20 صحيفة يومية أكبرها «تايمز أوف انديا» التي تبيع يوميا 5, 1 مليون نسخة). وهناك شبكات السكك الحديدية التي يزيد إجمالي طولها على 60 ألف كيلومتر، أي أكثر بكثير من إجمالي المسافة الفاصلة ما بين مراكش والبحرين.
الكمبيوتر والانترنت
وهناك التوسع الهائل في عدد مستخدمي الكمبيوتر وخدمات الانترنت الذي بات معيارا جديدا لقياس تقدم المجتمعات، ناهيك عن تزايد عدد مستخدمي الهواتف النقالة ومالكي المركبات الخاصة هندية الصنع والمسافرين إلى الخارج لأغراض السياحة، الأمر الذي يشير إلى تحسن مضطرد في الظروف المعيشية لأعداد متزايدة من الهنود.
وطبقا للإحصائيات المتوفرة، فان الطبقة الوسطى، التي عادة ما يعول عليها في أي مجتمع كأداة للتأثير والتغيير والانطلاق إلى الأمام، صارت اليوم في الهند تضم أكثر من 200 مليون نسمة، وهذا يعني أن الهند هي صاحبة أكبر طبقة وسطى على مستوى العالم.
واستطاعت الهند منذ مطلع العقد الأخير من القرن المنصرم أن تحقق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية والمنتجات الزراعية، بل وتصدر فائضا كبيرا منها إلى الخارج.. وهي اليوم تحتل المركز الأول أو الثاني عالميا في إنتاج الأرز والألبان والخضروات.
وفي القطاع التعليمي تسير الهند بخطى ثابتة نحو الأمام. حيث أشارت دراسة منشورة عن أفضل الجامعات الآسيوية لجهة الحصول على درجة البكالوريوس، إلى أن جامعتين هنديتين تقعان ضمن المراتب العشر الأولى. حيث احتلت جامعة أحمد آباد المركز الأول فيما احتلت جامعة بنغلور المركز الخامس.
إلى ذلك أشارت الدراسة إلى حصد الهند للمراكز الخمسة الأولى في قائمة أفضل المعاهد التكنولوجية في آسيا واستراليا. ووصل عدد الجامعات في الهند في نهاية عام 2000 إلى 221 جامعة تضم 10 آلاف و555 كلية، إضافة إلى 40 معهدا تمنح الشهادات الجامعية. أما عدد الطلبة الجامعيين فقد بلغ في الفترة ذاتها 8 ,7 ملايين طالب يتلقون العلم على أيدي 331 ألف أكاديمي.
تحرير الاقتصاد الهندي
وكانت لسياسات تحرير الاقتصاد من قيود نظام التخطيط المركزي وهيمنة القطاع العام التي دشنتها الحكومة الهندية منذ مطلع التسعينات أثرها الايجابي على الحراك الاقتصادي وزيادة معدلات النمو السنوية التي صارت اليوم تقف على أعتاب 7 بالمئة منافسة بذلك مثيلاتها في الصين، وزيادة معدلات التصدير إلى الخارج التي باتت البلاد معها اليوم ضمن أكبر ثلاثين دولة مصدرة في العالم، محققة مخزونا من احتياطيات العملة الصعبة في عام 2003 يقدر بنحو مائة مليار دولار.
ومن هنا قيل انه لن يمر وقت طويل حتى تحقق الهند ما حققته جارتها الصينية من بروز اقتصادي خلال العقدين المنصرمين. ويراهن أصحاب هذا الرأي على ما تتمتع به الهند من ميزات مثل النظام الديمقراطي الليبرالي والحريات المكفولة للجميع، والتي تسمح بإطلاق المواهب والتحدث دون قيود عن مواقع الزلل
و بالتالي تصحيح المسار أولا بأول، ثم ميزة إجادة الهنود ـ أو على الأقل إلمامهم - بلغة العصر الإنجليزية، مما يسهل عليهم عملية التواصل السريع مع آخر إنجازات الغرب والبناء عليها، ناهيك عن أن هذه الميزة توفر على المستثمرين الأجانب الكثير من الجهد والإنفاق في تأسيس مشاريعهم وإدارتها.
وأكد الباحث أن كل هذه الحقائق والإنجازات لم تدفع الهند إلى الغرور أو التباهي أو التصرف بفوقية. فهي لا تزال متواضعة ولا تخجل من القول بأنها تستفيد كثيرا من تجارب دولة صغيرة مثل سنغافورة وتسترشد بما فعلته الأخيرة في مشاريع البنية التحتية وتنمية قطاعات التصدير والسياحة والموارد البشرية.
مقعد مجلس الأمن
وأشار الباحث إلى أن الهند تبدو هكذا في القرن الواحد والعشرين أكثر جدارة وتأهيلا لاحتلال مقعد دائم في مجلس الأمن، إذا ما تقرر إصلاح وتطوير هياكل هذا المجلس. ومما يعزز فرصها أنها كبرى ديمقراطيات العالم. هذه الديمقراطية التي مهما قيل عن سلبياتها فانه يكفي قدرتها على الترسخ والاستمرارية على مدى أكثر من نصف قرن ومنع بروز النوازع الديكتاتورية ومخاطر الانقلابات العسكرية.
ثم نجاح دبلوماسيتها وسياساتها الخارجية البرجماتية في إقامة علاقات وثيقة وشراكات إستراتيجية مع مختلف القوى ذات التأثير والفاعلية على الساحتين الدولية والإقليمية ابتداء من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والصين واليابان ومنظومة آسيان وانتهاء بإيران وتركيا وإسرائيل وماليزيا، بحيث لم يبق في جانب خصومها سوى دول لا تأثير لها في شؤون عالم اليوم.
ولعل أكثر الشواهد على ديناميكية وبراجماتية السياسات الخارجية الهندية، أنها استطاعت سريعا التكيف مع المتغيرات العالمية لحقبة ما بعد انتهاء الحرب الباردة واختفاء حليفتها السوفييتية، في وقت كانت فيه دول كثيرة عاجزة عن قراءة هذه المتغيرات بطريقة صحيحة أو ساكنة بانتظار حدوث معجزة تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
العملاق الهندي
وأشار الباحث إلى أن العالم يتسابق إلى كسب صداقة الهند أو الاستفادة من إمكانياتها الهائلة، داعيا صانع القرار الخليجي إلى أن يحرر سياساته الخارجية سواء نحو الهند من العواطف ويبنيها وفق عامل المصلحة الوطنية فقط، حتى تندفع العلاقات السياسية ما بين الخليج والهند إلى الأمام وتبنى على الثقة المتبادلة.
وفي هذا السياق من الضروري ايلاء أهمية اكبر لعملية التواصل المستمر مع الهند على مختلف المستويات الرسمية وخاصة مستوى القمة. ذلك أن احد المعالم الغائبة في علاقات الطرفين هو اجتماعات القمة، اللهم إلا في ما ندر أو في أوقات متباعدة.
وحمل الباحث قطاع المال والأعمال في دول الخليج مسؤولية كبيرة في تمتين العلاقات البينية. فمن واجبه، في ضوء ما حققته الهند من إنجازات وما التزمت به من سياسات اقتصادية ليبرالية، والعمل مع نظيره الهندي من أجل إيجاد آلية تتيح لكل طرف معرفة حاجات الطرف الآخر بدقة والفرص المتاحة في بلده للاستثمار والشراكة.
ودعا الباحث المثقفين و المفكرين والأكاديميين والباحثين ورموز منظمات المجتمع المدني في الخليج إلى تأسيس روابط وعلاقات مهنية مع مجتمعات الفكر والثقافة والعلم في الهند، أسوة بما كان يفعله الرعيل الخليجي الأول. إذ انه من المحزن أن الخليج لا يصله أي شيء من الناتج الثقافي والفكري الهندي
رغم أن هذا البلد يصدر سنويا ما معدله 200 ألف عنوان في مختلف العلوم والمعارف، منه 10 بالمئة في أضعف الأحوال مكتوبا بالإنجليزية التي باتت تجيدها أعداد متزايدة من الخليجيين. إلى ذلك فانه نادرا ما تستضيف المنتديات الثقافية والأكاديمية الخليجية رموزا فكرية هندية في الوقت التي تستجدي فيه مشاركات رموز الفكر الغربي أو تستضيفهم مقابل أجور كبيرة.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى ضعف عدد الدارسين الخليجيين في الجامعات الهندية بالمقارنة مع أعدادهم في دول أخرى ذات مناهج جامدة وتجارب قليلة، بل لا تفيد الدارس حتى من زاوية العودة بلغة أجنبية سليمة. وأخيرا أشار الباحث إلى ضرورة دعم التواصل الشعبي ما بين أبناء المنطقتين، من خلال نشر الوعي في صفوف العامة في دول الخليج،
ولا سيما الأجيال الشابة، بأهمية الهند وإنجازاتها و تاريخها وحضاراتها وفلسفاتها، وذلك ضمن منهج دراسي وإعلامي يرسخ مبدأ احترام الآخر. واختتم الباحث دراسته بأن العلاقات الخليجية الهندية التي غالبا ما توصف بالطبيعية أو الودية، فقط لأنها مؤطرة بإطار العلاقات الدبلوماسية القائمة وتبادل الزيارات الموسمية وازدهار التجارة البينية و استمرار تدفق الهنود على سوق العمل الخليجي ومشاريع مشتركة قليلة هنا وهناك،
في حاجة إلى إعادة صياغة لتأخذ شكل الشراكة الإستراتيجية المتنوعة بعيدة المدى ضمن منهجية واضحة و هياكل مؤسساتية دائمة. وقتها فقط نستطيع الاستفادة من إمكانيات العملاق الهندي وكسبه، وإلا فإننا سوف نخسره لصالح أعدائنا مثلما خسرنا غيره من قبل.
علاقات تاريخية بين العرب والهند
عرف أهل الخليج والجزيرة الهند قبل ظهور الإسلام بوقت طويل، طبقا لما هو موثق في الشعر الجاهلي الذي يعتبر أحد المصادر الهامة لتأريخ أحداث وأوضاع مجتمعات شبه الجزيرة العربية القديمة،، وأعجبوا ببضائعها من حرير وبخور وطيب وأحجار كريمة ومعادن وتوابل، وأشادوا بحكمة أهلها ومعارفهم. وبلغ إعجاب العرب بالهند حد إطلاق اسم «هند» على بناتهم وإطلاق اسم « المهند» على سيوفهم نسبة إلى الهند.
وكان لمجيء الإسلام في القرن السابع الميلادي أثره الايجابي على حركة التجارة ما بين الهند والخليج الأمر الذي ساهم في رفع وتيرة الاستيراد من الهند عبر الخليج، وبالتالي ازدهار العلاقات التجارية ما بين المنطقتين وتشعبها بصورة غير مسبوقة.
كما ازدهرت على هامشها وللمرة الأولى العلاقات الثقافية والفكرية والاجتماعية نتيجة تشجع المسلمين على الاقتباس من علوم غير المسلمين والتواصل مع حضارات الآخر دون حساسية وترجمة إسهاماته العلمية والفكرية والبناء عليها.
وانتقلت ثمار الإبداعات الهندية إلى العرب عبر ترجمة عدد كبير من المؤلفات الهندية إلى العربية في الأدب والفلسفة والرياضيات والفلك وسموم الأفاعي وأمراض النساء وعلاج الحبلى وعلم الأوردة الدموية وصناعة الأدوية.
وعبر دعوة العلماء والفلاسفة الهندوس إلى البلاط العباسي وجلب الأطباء والمدرسين والبنائين من الهند لتنظيم المستشفيات والمعاهد العلمية وتشييد القصور وإرسال طلبة العلم إلى الهند للتخصص في الطب والصيدلة، الأمر الذي ساهم إلى حد بعيد في وضع اللبنات الأولى لنهضة عربية علمية وأدبية.
إعداد: فريد وجدي

