«تأخرت 17 يوما عن موعد عودتي من الإجازة بسبب مرض والدتي، وأثناء دخولي مطار دبي قامت الشرطة باحتجازي وإلقاء القبض عليّ وكأني مجرم، وتم اقتيادي إلى الحجز، وأبلغوني بأني هارب من كفيلي، وأبقوني في الحجز 21 يوما، وبعد ذلك خرجت بكفالة أحد أصدقائي، وبعد رفع قضيتي للمحكمة وانتظاري 7 أشهر للنظر فيها، حكمت المحكمة لصالحي وأني لم أكن هاربا ساعة تقديم بلاغ الهروب ضدي»، هذا ما قاله محمد عبدالله موظف في إحدى الشركات.
وأوضح أنه لم يكن هاربا من كفيله وأنه كان يقضي إجازته في بلده بموافقة كفيله، وقد أبلغه بأنه سيتأخر أسبوعين بسبب المرض، وبأن السبب في حجزه 21 يوما بحسب موظف وزارة العمل هو تغيب كفيله عن الحضور للوزارة بعد استدعائه عدة مرات، إضافة إلى بطء الإجراءات المتبعة لمثل هذه الحالات بين الجنسية والإقامة ووزارة العمل.
وقال إنه في جميع بقاع الدنيا المتهم بريء حتى تثبت إدانته، غير أن الوضع مع بلاغ الهروب مختلف تماما حيث يكون العامل المبلغ ضده بالهروب مدان حتى تثبت براءته، حيث يتم حجزه ومن ثم سجنه بمجرد أن يكون ضده بلاغ هروب دون التأكد ما إذا كان البلاغ صحيحا أم لا، ويدخل العامل في متاهة المحاكم والبحث عن العدالة التي قد يحصل عليها وقد يفقدها بسبب ضعفه.
وأوضح أن هذا الأسلوب في التعامل مع بلاغ الهروب يعود لضعف الإجراءات المتخذة من قبل وزارة العمل ضد الكفيل الذي يقدم بلاغا كاذبا غير صحيح، وقال إن غرامة العشرة آلاف التي تفرضها الوزارة على الكفيل المبلغ ضد عامله كذبا وإيقاف منشآته ليس كافيا حيث أن بعض الكفلاء مستعدون لدفع 100 ألف درهم كي يسيء لعامله ويقلب حياته جحيماً.
وقال إن السؤال الذي يجب على وزارة العمل وإدارة الجنسية والإقامة بدبي والإمارات الأخرى الإجابة عليه، كونها الجهات التي تقوم بالتنسيق فيما بينها في مثل هذه القضايا: هل يحق لها احتجاز موظف 21 يوما بسبب بلاغ هروب غير صحيح؟، وهل الخلل هو التنسيق بين إدارات الجنسية والإقامة ووزارة العمل؟، أم في بطء الإجراءات المتبعة للنظر في قضايا العمال المسجل ضدهم بلاغات هروب؟.
أما عصام الدين عبد البديع، عامل، فقال «قاموا بإلقاء القبض عليّ في مطار دبي أثناء قدومي للدولة من إجازة قضيتها في بلدي دون أن يوجهوا لي أي تهمة، وبعد يوم من الحجز قالوا لي ان هناك بلاغ هروب ضدي، واستمروا بحجزي 13 يوما دون أن يستدعيني أحد أو يسمحوا لأي من أصدقائي بمقابلتي».
وأقر عصام الذي حصل على ختم الحرمان لمدة عام بأنه مخالف لشروط الإقامة بالدولة، وأنه اشترى تصريح العمل قبل سنتين بسبعة آلاف درهم من أحد المواطنين أصحاب الشركات الوهمية، وبأن كفيله على علم بأنه سافر لبلده وأنه لم يكن هاربا، وهو الذي منحه جواز سفره بهدف السفر.
وقال ان كفيله قام بابتزازه طيلة السنتين الماضيتين حيث كان يتقاضى منه عن كل معاملة مبلغا لا يقل عن 500 درهم. ولم يستنكر عصام منحه ختم الحرمان بسبب مخالفته لشروط وقوانين الإقامة في الدولة، ولكنه احتج على إيقافه 13 يوما دون السماح لأصدقائه التحدث معه، أو رؤيته أو منحه أثناء حجزه بعض المستلزمات من ملابس وغيرها.
وأوضح أن بلاغ الهروب الذي قدمه كفيله ضده في وزارة العمل غير قانوني وأنها إحدى الخطوات التي يتبعها الكفيل لإغلاق ملف المنشأة التي جلب عليها عددا كبيرا من العمال عن طريق بيعهم تصاريح عمل على شركاته الوهمية.
وقال ان بلاغات الهروب التي تقدمها معظم الشركات ضد العمال وخاصة في الشركات الصغيرة، يقصد منها إغلاق ملف المنشأة لدى الوزارة كي يتمكنوا من فتح ملف منشأة جديدة، ويقوموا ببيع التأشيرات التي سيحصلون عليها على اسم المنشأة الجديدة.
وأشار إلى أن بعض الكفلاء الذين لا يحق لهم فتح منشآت جديدة بسبب مخالفات ارتكبوها سابقا يقومون بفتح منشآت باسم زوجاتهم وإخوانهم وأبنائهم والالتفاف على القانون بطرق شتى.
حالة من الضياع
بينما أوضح توفيق أبو خالد بأن أسوأ ما يحمله بلاغ الهروب هو السجن لأنه وبمجرد تقديم بلاغ هروب يتم حجز العامل دون التحقق من مصداقية البلاغ، ويتم سجن العامل لأيام طويلة ومن ثم يتضح أن البلاغ كان كيديا، وهنا نرى أن حقوق العامل في الغالب تضيع، فما الذي يعوض هذا العامل الذي أهين وسجن ظلما.
وقال إنه حتى في حال تحويل مشكلته للمحاكم، فإن البت في الحكم يأخذ أشهرا طويلة وقد يصل لسنوات، يبقى خلالها العامل دون عمل ودون مال، ويعيش حالة من الخوف وعدم الأمن، متنقلا بين مراكز التوقيف في كل مرة يتم القبض عليه بسبب أن اسمه معمم عليه بالهروب.
وعن تجربته قال ان كفيله قدم ضده قبل سنتين بلاغ هروب وهو على رأس عمله بسبب أنه طالبه بالراتب الذي تم الاتفاق عليه أثناء توقيع العقد.وأشار إلى أنه بعد أن انتظر تعديل راتبه عاما كاملا استخدم خلالها الكفيل أسلوب التسويف لهضم حقوقه، قام بتقديم شكوى لوزارة العمل تفيد بإخلال الكفيل بالعقد وعدم منحه حقوقه، وبعد استدعاء وزارة العمل للكفيل ومضي فترة من الزمن قام الكفيل بالإبلاغ عنه بأنه هارب عن العمل.
وأوضح أنه تم تحويل مشكلته للمحاكم بعد شهرين من الشكوى وظلت قضيته تدور في المحكمة لمدة عام لحين البت فيها، وخلال هذه الفترة كان الكفيل يقدم رشاوى للعمال الآخرين كي يشهدوا أمام المحكمة بأنه كان هاربا عن عمله لمدة تزيد على عشرين يوما.
وقال توفيق «وبسبب رفض بعض العمال الرشاوى قام بإنهاء عملهم وتسفيرهم، واستطاع الكفيل إقناع أحد الموظفين والاتفاق معه بالشهادة لصالحه، وفي المحكمة فوجئ الجميع بقسم الشاهد على أنني كنت على رأس عملي بتاريخ تقديم بلاغ الهروب ضدي ما حدا بالقاضي لإلزام الكفيل بحقوقي كاملة».
أين التعويض؟
بينما أشار رضوان خليل إلى أن المشكلة هي في الأضرار التي تقع على العامل الذي يتم حجزه بدون وجه حق بسبب بلاغ هروب قدم ضده.وقال إن السؤال الذي يجب على الجهات المختصة الإجابة عليه هو أين هي حقوق هذا العامل أو الموظف الذي قدم كفيله ضده بلاغ هروب غير صحيح ؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها وزارة العمل لتعويض العامل عن الضرر الذي أصابه بعد سجنه وإيقافه ؟
وأشار إلى أن وزارة العمل تغرم الكفيل عشرة آلاف درهم إذا كان البلاغ غير صحيح وكأنها هي التي تضررت وسجنت، وكأن العامل لم يقع عليه الظلم، وأوضح أن الأجدر بوزارة العمل أن تحول العشرة آلاف درهم للعامل المتضرر في حال تم التأكد أنه كان بريئا من تهمة بلاغ الهروب وليس لها.
بينما أوضح إياد ناصيف مندوب شركة الفجيرة الوطنية للمقاولات بأن مشكلة بلاغ الهروب تتمثل في سجن الشخص المعمم عليه وأوضح أنه من المفترض أن يتم النظر فيه والتحقق منه قبل التعميم على الشخص.
وأشار إلى أن طلب بلاغ الهروب الجديد هو أفضل من سابقه، حيث اشتمل على تعهد يلزم الكفيل بصحة كل المعلومات والبيانات التي يقيدها ضد عامله ويتحمل على إثرها المسؤولية الكاملة في حال كان البلاغ صوريا أو كيديا، ويتم إيقاع عقوبة مشددة عليه حيث يتم إغلاق منشآته كلها وتغريمه عشرة آلاف درهم في حال كانت البيانات خاطئة.
وقال «أنا كمندوب أسمع كثيرا عن شركات قامت بتقديم بلاغ هروب ضد أحد عمالها غير آبهين بما ستوقعه وزارة العمل عليهم من غرامات وبالتالي الخاسر الوحيد في هذه المعادلة هو العامل الذي يتعرض للحجز ويظهر أنه لم يكن هاربا».
وأشار إلى أنه تعرف على أحد العمال الذين كانوا يقيمون بمنطقة البريمي وهو موظف في دبي وفي أحد الأيام أثناء دخوله الدولة قال له موظف الجوازات بأنه مطلوب بسبب بلاغ هروب، وكونه على معرفة بموظف الجوازات سمح الموظف للعامل بالدخول للدولة لمتابعة البلاغ ونصحه بمراجعة وزارة العمل لحل مشكلته،
وقال «لقد ظل العامل في الدولة لمدة أسبوعين بعيدا عن زوجته وأبنائه لا يستطيع خلالها عبور الحدود باتجاه البريمي مكان إقامته كي لا يتعرض للحجز وبعد تدخل وزارة العمل والتحقيق في الموضوع اتضح أنه كان على رأس عمله أثناء تقديم بلاغ الهروب ضده وأن كفيله قدم ضده بلاغ الهروب بهدف الإضرار به».
أما محمد عبد اللطيف فأوضح بأنه عانى من أجل أخيه الذي تم إيقافه قبل فترة بسبب بلاغ الهروب مع أنه كان على رأس عمله وقال إنه حاول زيارته عدة مرات أثناء توقيفه ولكنه لم يستطع بسبب رفض مركز الحجز السماح له بلقاء أخيه.
70% من الموقوفين غير هاربين
بينما أكد مصدر مسؤول في وزارة العمل فضل عدم ذكر اسمه أنه يتم يوميا حجز نحو 10 عمال في مطار دبي بالتعاون مع إدارة الجنسية والإقامة ممن عليهم بلاغات هروب وأن أكثر من 70% من الذين يسجنون بسبب بلاغات الهروب غير هاربين، وأن معظم بلاغات الهروب التي تتم والعمال خارج الدولة هي بلاغات كيدية، أو صورية.
وأوضح أن الإجراءات القانونية المتبعة ضد الهارب من كفيله تقتضي القبض عليه في حال تم التعرف عليه سواء على حدود الدولة أو في داخلها، وبعد ذلك يتم حجزه في مركز تابع لوزارة العمل، ويتم أخذ أقواله وتسجيلها وإرسالها لوزارة العمل للنظر بها، ومن ثم تقوم الوزارة بالاتصال بكفيل العامل لبحث طلب بلاغ الهروب والتأكد من مدى مصداقيته.
وأوضح أنه يتم إخراج العامل من الحجز بكفالة أحد المواطنين أو أحد المقيمين في الدولة، ويطلب منه مراجعة الوزارة للنظر في بلاغ هروبه ومتابعة مشكلته، وفي حال تبين أن بلاغ الهروب غير صحيح يتم معاقبة الكفيل بغرامات عدة ولكنها غير كافية.
وأشار إلى أن المشكلة الأكبر في موضوع بلاغات الهروب والتي تبطئ من الإجراءات للنظر في البلاغ عدم حضور الكفيل للمراجعة بناء على طلب الوزارة للنظر في البلاغ وفي الإجراءات التي قد تعيق النظر السريع في القضية.وقال إن بعض الكفلاء يتحايلون على عمالهم بالإبلاغ عنهم أثناء قضاء إجازاتهم السنوية في بلادهم بهدف التهرب من حقوقهم ونهاية خدماتهم.
وقال يستخدم بعض الكفلاء بلاغ الهروب بهدف الإضرار بعمالهم وحرمانهم من نهاية مستحقاتهم بعد سنوات طويلة من العمل أو بسبب مشكلة نشبت بين الكفيل والعامل، فيقوم بالإبلاغ عنه بأنه هارب وأثناء قدومه الدولة يتم حجزه بالمطار وتحويله للتوقيف وقد يتم تسفيره في حال كان العامل جاهلا بحقوقه.
وقال إن المشكلة أن معظم العمال لا يكون لديهم من يساعدهم وهم أثناء الحجز لمتابعة مشكلتهم في الوزارة ما يؤدي إلى حجزهم مدة طويلة.وأشار إلى أن القانون سمح للكفيل بالإبلاغ عن العامل المتغيب لفترة تتراوح بين 7 أيام و90 يوما غير أنه من الخطأ أن يقوم الكفيل بالتبليغ عن العامل وخاصة المسافر بعد 7 أيام من تغيبه، وطالب الكفلاء بعدم التسرع في الإبلاغ عن العمال المسافرين والذين قد يتأخرون عن الالتحاق بعملهم لأسباب طارئة.
اقتراح وحل
وطالب المصدر إصدار قرار يمنع الكفيل تقديم بلاغ هروب بحق العامل إذا لم يرفق مع الطلب رسالة من إدارة الجنسية والإقامة تفيد أن العامل داخل الدولة وليس خارجها لمنع الالتباس في حال كان العامل مسافرا وتأخر لظروف طارئة ولمنع سجنه ظلما، وألا يسمح للكفيل بتقديم بلاغ هروب ضد عامله المسافر إلا بعد شهرين من انتهاء مدة إجازته فإذا انقضت المدة ولم يعد العامل عندئذ يحق للكفيل تقديم بلاغ الهروب بشرط إرفاق صورة عن طلب الإجازة الموقع من قبل العامل والكفيل.
وقال انه يجب التأكد في حال تسجيل بلاغ الهروب بأن العامل داخل الدولة وليس خارجها، فإذا تبين أنه داخل الدولة ولم يلتحق بعمله عند إذن يحق للكفيل الإبلاغ عنه.وقال إن بعض الكفلاء الذين يقدمون بلاغات هروب ضد عمالهم أثناء سفرهم لا يكون لديهم ورقة إجازة موقعة من قبل العامل تظهر تاريخ العودة ومع ذلك يقدمون بلاغات هروب ضدهم ويدعون بأنهم تأخروا عن موعدة العودة من الإجازة.
وقال المصدر إن من بعض حالات الظلم التي تقع على العمال بعد تحويل مشكلة العامل للمحكمة قيام بعض الكفلاء بنفس يوم جلسة المحكمة بتقديم طلب ضبط وإحضار للشرطة لعرقلة حضور العامل الجلسة في المحكمة وبالتالي الإضرار به قضائيا.
وأشار إلى أن هناك بعض الشركات يقدمون بلاغ هروب ضد عمال لم يتجاوز تغيبهم عشرة أيام عن عملهم مع علمهم أنهم مسافرون في إجازتهم السنوية، ويتجاهلون بعض العمال الذين يتخلفون 3 أشهر أو 4 أشهر ولا يقدمون بلاغات هروب ضدهم،
ويعود السبب في ذلك لرغبة الشركة التي تفضل تغيب بعض العمال عن عملهم مع علمهم أنهم داخل الدولة لأن أعمالهم معطلة أو يعملون في مشاريع مؤقتة كمشروع بناء مثلا، وعندما لا يكون عندهم عمل يتناسون العامل ويتجاهلون وجوده أو التحاقه بعمل آخر عن كفيل آخر بشكل مخالف.
تحقيق: محمد زاهر