تدور العملية التعليمية في فلك التحصيل الدراسي الذي تعكسه برامج إعداد المعلم، وما يجري داخل المدرسة لاسيما داخل الصف، فيما تجعلنا المؤتمرات والندوات المعنية بتطوير المناهج وأساليب التقويم على قناعة بان القائمين على الأمر لا يشغلهم شاغل عن تحقيق ذلك الهدف بإكساب المتعلمين قدرا من المعرفة في المجالات الدراسية المختلفة. ولعلنا بذلك نتجاهل طموحاتنا في تنمية قيم واتجاهات المتعلمين التي من غير المستغرب أن تعد دورا غائبا طوعا أو كرها وأمرا قليل الجدوى للمعلم والمدرسة رغم التسليم بخطورة ذلك الهدف في تشكيل الأبناء وفق فلسفة مرغوبة ومدروسة، ما يجعلنا نسعى لنعيد للقيم وزنها ودورها عبر تقدير معلمينا والابتعاد عن تكريس الجوانب المعرفية والنظرية فيما نقره من نظم تقويم ونعده من مناهج وسط بيئة تعليمية نوفرها تبني وتعلم.
الدكتور محمد أحمد المعراوي موجه اللغة العربية بتعليمية دبي لا يعتقد أن دور المعلم غائب طوعا أو كرها وان المعلم لا يعي كون هذا الهدف على رأس أولوياته، باستثناء فئة سلبية قليلة لا يخلو منها قطاع ولا ينجو منها فريق عمل، مشيرا إلى أن التخطيط اليومي للمعلم لا يقبل منه أن يخلو من هدف وجداني، ومعايير تقويم أداء المعلم تبرز أهمية دوره في إكساب طلابه القيم والاتجاهات القيمية الطيبة، كما ينفذ كثير من المدارس مشاريع تعزيز القيم الفاضلة مستعينين بالدعاة والمفكرين وأولياء الأمور. وتساءل معراوي: إلى أي مدى يمكن للمعلم التأثير في البناء الانفعالي والوجداني لطلابه؟، متفقا مع من ينعون الهدف الوجداني ودور المعلم ودور المدرسة في تنمية القيم والاتجاهات السليمة المرغوبة.... معراوي يقر ذلك مع تسليمه بصعوبة قياس تحقق الهدف الوجداني في المواقف الصفية، ملاحظا السلوك غير المرغوب في أفعال أبنائنا بنسب يعدها كبيرة وفيما ينقله الإعلام عن رعونة وطيش مجموعة كبيرة من الأبناء في مخالفة قوانين السير والتسبب بحوادث مدمرة وقاتلة في كثير من أحيانها، وكذلك بعض السلوكيات المخالفة لقيم المجتمع في التواصل مع المعلم أو الزميل، وكذلك الموقف السلبي من العلم والمعلم والكتاب والثقافة إلا من رحمه الله وهداه. ومن الأسباب في عجز المدرسة عن التنمية القيمية بالمستوى الذي ننشده ونعتبره مجديا في تقدير معراوي، دور وسائل الإعلام المنظورة بالصورة والرسم في تأخير نمو قدرة الشاب على التجريد العقلي فجعلته أقل تقديرا لفوائد القيم التي يدرب عليها ونرغب في إكسابه إياها، الأمر الذي يحتاج إلى قدرة كبيرة على التجريد وبناء التصورات المستقبلية والإحساس الصحيح بجريان الزمن، وبالتالي يضعف حرص المتعلم على تلك القيم. إضافة إلى أن طبيعة نمط حياتنا الجديدة المتأثرة بالنهوض المادي والمدني والتواصل العالمي، جعلت نظرات أبنائنا إلى الوجود والحياة نظرة مادية نفعية (براغماتية) تستبدل بالمنافع الكبيرة البعيدة المدى والجماعية، منافع صغيرة فردية وآنية، إلى جانب أن النفس ودوافعها أمر مشترك بين كافة المخلوقات، والقيم مواقف عقدية تحدد وتؤطر الدوافع الأولية وتنظمها لترتقي بالإنسان أسمى وأعلى من كافة المخلوقات، فإذا انفتحت أبواب جهنم بحسب قوله من عدد هائل من الاقنية المتخصصة بإرعاد الشياطين، جاء أثرها فعالا وجارفا لدى فئة واسعة من الشباب، يجعلهم ينساقون مخالفين في سلوكهم ما يؤمنون به حقا وصدقا من القيم، مما دعا شرطة دبي إلى توجيه عناية خاصة لتخفيف آثار الفضائيات الهابطة. ناهيك عن إفساد الأذواق وشغل الأمم بأهواء الأنفس وما لا يجب أن تنشغل به وإحاطة الأمم بسلاسل من الهزائم وعوامل القهر تجعل من الشباب جيلا نافرا من كل ما يألفه المجتمع، مع إحساس بالإحباط ينعكس في السلوك تحللا وتخففا من الضوابط. معراوي اعتبر أن هذا وغيره جعل من المدرسة أمرا قليل الجدوى، وفي ظل الصراع مع العوامل المذكور بعضها فإن قلة الجدوى تنتهي إلى العدم، معترفا بأن الأمر يشكل قلقا واجبا ومسوغا، مستنيرا برؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأن لا شيء مستحيل والله قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، داعيا إلى ضرورة التفكير معا لأن التفكير الفردي أصغر من حجم المشكلة لنصل إلى سبيل فعال إلى تنمية القيم لدى الجيل الذي يحمل مستقبلنا بين يديه.
موجهات السلوك... أحمد هندام منسق اللغة العربية بتعليمية دبي قال إنه لا يختلف اثنان على أن القيم هي موجهات السلوك ودوافعه الكامنة التي تحدد مساره ونوعه ودرجته، وتكوين الاتجاهات لدى الشعوب والرأي العام أصبح من أكبر القضايا التي تقوم عليها آلة الإعلام بوسائلها. وأصبحت القوى العالمية تتبارى في ايجاد تيارات واتجاهات تولد اتجاهات جديدة وتفكك اتجاهات، وتلك حرب أعنف وأخطر من حروب الأسلحة والصواريخ لأنها تبسط سيطرة قوى على أخرى دونما كلفة دموية أو مادية باهظة وتضمن التبعية والسيطرة لفترات طويلة، لذا فكل شعوب الأرض تقدر قيمها وتستمسك بمبادئها وتشبث بوجودها وتجعل ذلك محور مناهجها ضمن منظومة الأهداف العليا التربوية لديها، مشيرا قبل تحليل دور المعلم في تلك القضية إلى أن القيم لا تعلم بالتلقين ولكن بالسلوك. ومن السذاجة بمكان تفكيك الأهداف الإجرائية إلى هدف معرفي ونفسي وحركي، فكل سلوك تعليمي تعلمي يتضمن الأنواع الثلاثة من الأهداف بنسب متفاوتة، وما هذا التحليل في رأيه إلا من قبيل الأدبيات التربوية التي يجب أن يدركها المعلم، وذلك مثل علم التغذية حينما نقول إن كأس الحليب تحتوي على دهون وكربوهيدرات و.. إلى غير ذلك. وشدد هندام على ضرورة أن نوفر ذلك الكأس الصحي ونشجع أطفالنا على شربه بشهية واقتناع، مرتئيا أن القيم كما لمسها طفلا وشابا وموجها عبق يسري في الوجدان وشذى يعطر جنبات النفس، فكم نظرنا إلى ذلك المعلم المثال الذي يطل علينا بالابتسامة والحنو ويحلق بنا في درسنا في عالم من الواقع والخيال الجميل، لا ولن ننسى عطره ولمسته وبسمته. وتابع: كنا نتخيله إنسانا قديسا لا يخطئ ولا ينحرف، واصفا لغة التلقين والزجر والتوبيخ والصراخ والهتاف أنها أضعف ما يبني القيم، ومختلف عناصر المجتمع المدرسي من جدران وألوان وأشجار وإدارة ومقاعد ومناهج قادرة على توجيه السلوك بل وضعه وبناء الاتجاهات والقيم وعلوم الطاقة والنفس والفيزياء تؤكد ذلك، ولكن أهم هذه الأدوار بالتأكيد هو دور المعلم، وللحق فإن أنموذج المعلم المثال لا يزال موجودا في مدارسنا ونراه ولكنه نادرا إلا الذي يبني الاتجاهات ويرسخ القيم.
وترى عائشة إسحاق موجهة الإدارة المدرسية في تعليمية دبي أننا نتعامل مع ما نراه تربويا بموسمية شاهدها الجودة ورعاية الموهوبين والتميز والقيم، متسائلة: كيف يتم التعامل مع هذه القضايا؟، محللة أن المدرسة تمسك مجموعة من القيم تنظم فعاليات عليها غالبا ما تكون روتينية مكررة وتنتهي، مستفسرة: ما القيمة التي اكتسبها الطالب على مدار أسبوع التنظيم مثلا، هل صارت أسلوب حياة بالنسبة له في المدرسة وخارجها؟
«كريزما » خاصة تؤثر وتبني
لكي نعيد للقيم وزنها ودورها في مدارسنا يشدد أحمد هندام منسق اللغة العربية بتعليمية دبي على ضرورة تقدير المعلم معنويا وماديا، فلا يمكن أن يبني القيم معلم ساخط مهضوم حقه فمثل ذلك مدعاة لليأس والاحباط.
وأوضح أنه علينا الاهتمام بالجوانب الشخصية والنفسية في المقام الأول عند اختيار المعلمين، فهناك معلمون أصحاب (كريزما) خاصة تؤثر وتبني منذ اللحظة الأولى، وهناك نماذج لا تصلح أبدا لمهنة التدريس رغم حصولها على أعلى الشهادات، مشددا على أن المناهج ونظام التقويم يكرسان الاهتمام بالجوانب المعرفية النظرية ولا يكادان يعبآن بموضوع القيم والسلوك، مطالبا بإفساح المجال في مناشطنا الصفية واللاصفية بصورة مستمرة تلقائية لترسيخ وبناء القيم.
دبي ـ يحيى عطية



