الفقر في العالم الإسلامي من المشكلات التي أثرت سلباً بدورها على التكوين المجتمعي، حيث ساعد على انتشار الفكر السلبي بين بعض الفقراء، فكان دائماً دافعاً قويا لهم على ارتكاب الجريمة بجميع صورها وأشكالها فزادت معدلات الجريمة وكذلك أدى الفقر إلى زيادة الإقبال على احتراف مهن غير مشروعة كالاتجار في المخدرات والأعضاء البشرية، الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يساهم الفقر أيضا على انتشار البغاء في المجتمع نتيجة عزوف الشباب عن الزواج لضيق ذات اليد.

والغريب في ذلك كله أن نسب الفقر في البلاد الإسلامية والعربية تعد هي الأعلى على المستوى العالمي رغم أن الإسلام الحنيف وضع منذ أكثر من أربعة عشر قرناً نظاماً اجتماعياً واقتصادياً لعلاج هذه المشكلة والقضاء على أعراضها المزمنة ومن ثم كيف عالج الإسلام هذه المشكلة المزمنة؟

د حمدي عبد العظيم العميد السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية يقول: مشكلة الفقر من المشاكل التي عني الإسلام بمواجهتها بالأساليب المستمدة من الشريعة الإسلامية، إذ حرص الإسلام على توفير حد الكفاية لكل فرد في المجتمع بصرف النظر عن عقيدته، ويقصد بحد الكفاية المستوى اللائق للمعيشة وليس المستوى الأدنى المعروف بحد الكفاف، أي أن علاج الإسلام للفقر ينقل الفرد من مستوى الفقر إلى مستوى الغنى.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أعطيتم فاغنوا» وذلك بعكس النظم الرأسمالية والاشتراكية المعاصرة، حيث نجد أن الأولى توفر حد الكفاف دون تفاوت، كما يحدث في الرأسمالية التي تسمح بالطبقية والترف أو الرفاهية الاستهلاكية للقادرين، بينما الغالبية العظمى من المجتمع تئن من الغلاء وسوء التوزيع، وانخفاض الدخل الحقيقي .

أما الإسلام فقد اهتم بتوفير ما يشبع الحاجات الإنسانية للفقراء، إضافة إلى إشباع الحاجات الأخرى التحسينية، فالإسلام لا يوفر الحاجات الضرورية فقط، بل يتعدى ذلك إلى تيسير حياة الناس ويعينهم على احتمال أعباء الحياة ويرفع عنهم الضيق أو الحرج، وتوفيرها يؤدي إلى تجميل حياة الناس، ويترتب على فقده خروج الناس من مقتضى الكمال الإنساني، وإذا توفر حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي، فإن الإسلام لا يمنع الثراء أو الغنى بشرط توافر التقوى والصلاح، لأن من يفتقدهما من الأغنياء أصابه البطر والطغيان والفساد الذي يؤدي الى تبديد الثروات وزوال النعم.

وعن تداعيات مشكلة الفقر يقول د. عبد العظيم: يؤدي الفقر إلى العجز عن إشباع احتياجات الفرد ومن يعولهم من الطعام والشراب والدواء والكساء والمسكن والإحساس بالمعاناة، وعدم القدرة على العمل بإنتاجية مرتفعة إذ أن سوء الأحوال المعيشية يؤدي إلى ضعف الإنتاجية، وضعف القدرة على الإنفاق على التعليم أو العلاج أو المواصلات أو المياه النقية أو الكهرباء، وغيرها من سبل تيسير الحياة على الناس ..

أما الآثار الاقتصادية للفقر فإنه يؤدي إلى ضعف مستوى النشاط الاقتصادي وركود السلع في الأسواق وانخفاض الدخل القومي تبعاً لذلك، إضافة إلى عدم وجود مدخرات وعدم وجود موارد مالية لتمويل الاستثمارات القومية، ويؤدي هذا بدوره إلى اضطرار الدولة للاستدانة من الخارج، ومن ثم زيادة أعباء المديونية وينعكس ذلك على قيمة العملة الوطنية وانخفاض القوة الشرائية لها، وارتفاع الأسعار محلياً .

علاج الفقر

ويقول د . محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: لقد عني الإسلام بمحاربة الفقر عناية فائقة، وجعل هذا فرض عين على كل مسلم غني، وركنا من أركانه الخمسة، وقد تمثل هذا الأمر في فريضة الزكاة، التي هي بمثابة أهم الأدوات المالية لمعالجة مشكلة الفقر والاحتياج، وهذا يظهر في أن 25% من الزكاة مخصص مباشرة للفقراء والمساكين، إلى جانب أن مصارف الزكاة الأخرى وهي المؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين في سبيل الله وابن السبيل وشروط أن لا يكون لهؤلاء موارد مالية، وهؤلاء لهم 50 % من الزكاة، وبالتالى يتبين أن 75% من الزكاة يوجه لعلاج الفقر.

ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الزكاة مورداً إلزامياً ثابتاً ومستمراً لا يتأثر بما يمكن للدولة توفيره من دعم، وإذا كان الفقر يتزايد في العصر الحاضر على مستوى العالم، الذي بلغ فيه مستوى الفقر حوالى 50% من عدد سكانه. وأنه رغم إخراج بعض المسلمين لزكاتهم طوعاً فإنه يوجد عدد آخر منهم لا يزكون من أموالهم، مما يخل بالتوازن في مشاركة المواطنين في الأعباء المالية العامة.

ولعل هذا كله ما دفعنا منذ سنوات إلى تقديم مشروع قانون يعطي للحكومة الحق في القيام بشؤون الزكاة من حيث جمعها وتوزيعها كحل دائم لمشكلة الفقر في مصر، إذ أن إقامة الزكاة في المجتمع يعود على جميع مواطنيه لاسيما الفقراء منه بخير من الله سبحانه الرازق، حيث يقول جل شأنه: «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه» فإذا عطلت هذه الفريضة فإن عاقبة ذلك تلف مال من لا يؤدي زكاته، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة».

كما تقع العقوبة الإلهية على المجتمع الذي لا يهتم بالزكاة ولا يؤديها لقوله صلى الله عليه وسلم «ما منع قوم الزكاة إلا أصابهم الله بالسنين» أي القحط والمجاعة، وبذلك يكون للإسلام السبق الحضاري في القضاء على أسباب الفقر باعتباره أخطر الأمراض الاجتماعية وأكثر فتكاً بالمجتمع .

حد الكفاف

ويشير المفكر الاقتصادي د .محمد شوقي الفنجري إلى أن الفقر في الفكر الاقتصادي يتمثل في الجوع والحرمان، وعدم القدرة على إشباع الحاجات الأساسية هو ما يمكن أن نسميه «حد الكفاف» أما في الاقتصاد الإسلامي فالفقر يتمثل في عدم الوصول إلى الحد اللائق للمعيشة حسب ما هو سائد في المجتمع وهو «حد الكفاية».

ويقول د . الفنجري عندما ننظر الى الإسلام نجد أنه اهتم بالجانب الروحي العقدي، وفي نفس الوقت أيضاً اهتم بالجانب المادي المعيشي فكلاهما يؤثر في الآخر، من هنا كان منهج الإسلام متكاملا في الحياة، وبالنسبة لمشكلة الفقر فقد اهتم بها الإسلام اهتماماً كبيراً وجعلها في المقدمة، قد ساوى بين الكفر والفقر، ففي الحديث الشريف يقول النبي الكريم الى عليه وسلم «اللهم إني أعوذ بلك من الكفر والفقر» واعتبر الإسلام ترك أحد أفراد المجتمع جائعاً هو تكذيب للدين نفسه بقوله تعالى «أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين».

ومشكلة الفقر في التشخيص الإسلامي مردها الإنسان نفسه وفساد نظامه الاقتصادي سواء من حيث ضعف الإنتاج أو سوء التوزيع، حيث جعل الإسلام ضرورة الإنتاج مع عدالة التوزيع، فإن أحدهما لا يغني عن الآخر، فوفرة الإنتاج مع سوء التوزيع وهو احتكار واستغلال،كما أن عدالة التوزيع دون إنتاج كاف هو توزيع للفقر والبؤس وكلاهما يرفضه الإسلام .

عمارة الأرض

وحول كيفية مواجهة الإسلام للفقر .. يؤكد د . الفنجري اهتمام الإسلام بحلول هذه المشكلة ويقول: جعل الإسلام الاهتمام بالبناء والإنتاج وعمارة الأرض فريضة وعبادة، فيقول المولى «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» أي كلفكم بعمارتها .. ولقد بلغ حرص الإسلام على التنمية الاقتصادية درجة عالية إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة «نخلة صغيرة» فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» واعتبر الإسلام السعي في طلب الرزق من أفضل طرق العبادة .

وملكية الإنسان للمال في الإسلام ليست امتلاكاً مطلقاً، فالمال مال الله والبشر مستخلفون فيه، ومن ثم كانت هذه الأموال عامة أو خاصة مسئولية وأمانة يجب الالتزام فيها بتعاليم الإسلام، فينفع نفسه ومجتمعه من خلال هذه الملكية.

والملكية الخاصة في الإسلام مشروطة، بأن يتوفر لكل فرد حد الكفاف أي الحد الأدنى اللازم لمعيشته، فلو وجد في المجتمع جائع واحد سقطت بسببه حقوق الملكية إلى أن يشبع .

وقد أكد الإسلام على ضمان حد الكفاية، لكل فرد يعيش في المجتمع الإسلامي أياً كانت ديانته أو جنسه فهذا أمر جوهري في الإسلام يقول الإمام علي بن أبي طالب إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم .

ومن هنا فإن الإسلام لا يسمح بالثروة والغنى مع وجود الفقر والعوز،ولا شك أن زكاة المال وهي فريضة فرضها الله سبحانه وتعالى على الأغنياء لتعطى للفقراء والمحتاجين، حتى يتحقق الترابط والتكافل الاجتماعي بين الأفراد.

صفات المؤمنين

ومن ناحية أخرى يقول د . سيد عبد الرحيم مهران أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الشريعة والقانون بأسيوط: حارب الإسلام الفقر بأسلحة ومعدات شتى، منها أنه جعل المسلمين جميعاً إخوة سواء أكانوا فقراء أم أغنياء فقال جل شأنه «إنما المؤمنون أخوة» ومعنى هذا الإخاء أن يواسي القوي الضعيف ويرحم الغني الفقير، ويعين القادر العاجز، وإذا تجرد الإخاء من هذا المعني كانت القطيعة وكان لفظ الإخاء لفظاً لا مدلول له «يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين» فالقرآن جعل من صفات المؤمنين أنهم أذلة على المؤمنين، أي بعضهم يعطف على البعض لآخر فالذلة هنا متضمنة معنى العطف والتراحم .

وإذا كان الإخاء قد نظم حال جماعة المؤمنين، فما ينبغي أن يجحد الغني حق الفقير أو يدعه للبؤس والعوز،ومن ثم يقول صلى الله عليه وسلم «ليس المؤمن الذي يبيت شبعانا وجاره جائع وهو يعلم» ومن الأساليب التي اتبعها الإسلام لمحاربة الفقر أيضاً، أنه جعل الأموال وديعة استودعها الله يد الأغنياء، وجعلهم خلفاء عنه فيها، ليسدوا بها حاجات الفقراء والمحتاجين، ويصونوا بها كرامات البائسين، وينفقونها في المنافع العامة والمصالح التي تصل بالأمة إلى الاستقرار والأمان الاجتماعي، وفي هذا يقول الله تعالى: «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه».

ويضيف د . سيد مهران أن الدولة مسؤولة عن حماية الفقراء ولهذا نجد أبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة قائلاً قولته الشهيرة: «والله لو منعني الناس عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم عليه، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال وفرض الإسلام على الأغنياء من أهل كل بلد بفقرائهم، وأعطى للسلطان الحق في إجبارهم على ذلك»، ودليل ذلك قوله تعالى: «وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل».

وقوله أيضاً: «وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم»، ولا شك أن الإسلام بهذه التعاليم قد سبق كل المذاهب والنظريات الحديثة في علاج مشكلة الفقر علاجاً لا يتطرق اليه النقص، إذ أنه جعل مساعدة الفقراء والمحتاجين فريضة إسلامية وغاية نبيلة من غاياته الأساسية.

البر والخير

ويقول د . محيي الدين الصافي بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: لقد ذكر القرآن الكريم الفقراء في كل موضع يغلب عليه مظنة الكسب والمال والبر والخير، وهدف الإسلام من ذلك هو القضاء على الفقر واستئصاله من المجتمع فلا يبقى فقير ولا محتاج لا كفاية له، فيذكرهم وهو يتحدث عن الزكاة بقوله تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين» ويذكرهم وهو يقسم الفيء في قوله تعالى: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» .

ويضيف د . الصافي: وغاية الإسلام من هذا كله أن يعالج المجتمع من الفقر الذي كاد أن يكون كفراً، وأن يحفظ للفقراء قواهم البدنية بهذه الرعاية والكفالة، فإن لهم أفواهاً وأجساماً ولهم قلوب ومشاعر وعواطف، ولهم كرامة، ولابد وأن تراعي هذه القلوب والمشاعر، وأن تحفظ هذه الكرامات، وما ينبغي أن تهدر كرامة الفقير.