زهرة المدائن.. مدينة الرسالات.. أرض السلام.. قدس الأقداس الإسلامية.. مدينة يهفو إليها فؤاد كل أصحاب الديانات السماوية في مختلف بقاع الأرض.. مدينة تتنازعها الإرادات.. إرادة الحق العربية الإسلامية.. وإرادة المغتصب الصهيوني الغاشم.. أرض مقدسة تكتظ بمقدسات لا حصر لها.. كل الأحداث التاريخية تثبت بما لا يترك مجالاً للشك عروبة هذه المدينة إلا أن الصهاينة لا يعترفون بكل حق ثابت لا مراء فيه..
وفي محاولة جادة لإعلاء هذه الحقائق ووضعها أمام كل العالمين يأتي كتاب الكاتب الصحفي خالد محمد غازي ، ليكون برهاناً ودليلاً مضيئا في الوقت الذي يحاول فيه الإعلام الصهيوني المعروف عنه التحيز والمغالطة طمس هوية هذه المدينة وتغيير معالمها. تعددت الكتابات وكثرت في هذا الإطار إلا أن الاستمرار فيها يكون بمثابة الوقوف وراء حق لن يموت أبداً، جاءت هذه المحاولة الجادة تحت عنوان «القدس.. سيرة مدنية» والتي قسمها المؤلف إلي مقدمة معبرة وواضحة الرؤى وجزأين أولهما قراءة موضوعية لتاريخ هذه المدينة للوقوف على الحق والتأكيد عليه بالبراهين المادية الخالدة التي لن تموت مهما مرت الأزمنة وتغيرت الأمكنة، ثم يعرض المؤلف في براعة موضوعية مختلف الرؤى والشهادات العربية وغير العربية حول هذه المدينة لتكون بمثابة تأكيد وتدليل على ما تثبته الحفريات والكتابات والأحداث التاريخية التي تعاقبت على هذه الزهرة المقدسة.
ويرى المؤلف أن مدينة القدس ليست ككل مدن الله بل هي مدينة ذات طابع خاص حملت على كاهلها تاريخاً طويلاً، يضرب بجذوره عبر العصور إلى ما قبل الديانات السماوية.. فهي مدينة الرسالات السماوية ومنبت الأنبياء، ولذلك تأتي محاولته في تخصيص مؤلف عنها بمثابة تعريف للأجيال عربية كانت أو غير عربية أن القدس بالنسبة لليهود ليست مجرد شعار.. بل هي حلم قديم ومرجع لابد منه، لأن الهوية اليهودية تحتل شقين، أحدهما يتعلق بالكيان ذاته، بينما يتعلق الشق الثاني بالقدس، فبدون القدس ليس هناك كيان.. والقدس يتبعها الكيان تلقائيا طالما تحتل جوهره، هكذا إسرائيل قد انطلقت من القدس بمجرد احتلالها عام 1967 لتعد هذه الانطلاقة.. وكأنها تجديد للنشأة الأولى باعتبار أن القدس في قاموس الطموحات اليهودية هي إسرائيل.. وإسرائيل هي القدس.
ويعرض المؤلف في هذا الصدد الرؤية الصهيونية لمدينة القدس المتمثلة في قول بن جوريون - أول رئيس وزراء لإسرائيل: «مسألة القدس ليست مسألة ترتيبات في أساسها، ولا حتى مسألة قدرة عسكرية، رغم أننا لا نستطيع حل كل مشاكل القدس بالقوة العسكرية وحدها، لكنها المرحلة الأولي الاحتلال تعقبها بعد ذلك عدة مراحل، تتعلق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي وأيضا الديموغرافي..».
يرجع الكاتب خالد غازي ميلاد مدينة القدس إلى أكثر من 3000 عام قبل الميلاد، حيث شيدتها، حسب علماء الآثار والحفريات والتاريخ، إحدى القبائل الكنعانية التي نزحت من الجزيرة العربية، ومنذ النشأة الأولى تبدلت عليها القبائل والأجناس والحضارات واللغات وتبدلت عليها كذلك الأسماء، واصفا طبوغرافيتها بأنها تقع على هضبة غير مستوية يتراوح ارتفاعها من 2469-2130 قدما، وتبعد عن البحر المتوسط الذي يحدها من الشرق بنحو 32 ميلاً، وحوالي 18 ميلا عن البحر الميت شرقاً، و19 ميلاً عن الخليل جنوبا، و30 ميلا عن السامرة شمالاً، وطقسها قاري صحراوي، وتضم عدة جبال منها، الزيتون وصهيون وبيت المقدس.
سيرة حياة
ويذكر المؤلف أن مدينة القدس ظهرت إلى الوجود قبل الوجود العبراني في فلسطين بعشرات القرون واستمرت بعدها عشرات القرون الأخرى، وأنها كانت مركزاً للحضارة الكنعانية.. وكان اليبوسيون - الذين يعرفهم التاريخ كأحد بطون العرب الذين عاشوا في شبة الجزيرة العربية - هم أول من أقاموا فيها ملكا، واتخذوا فيها هياكلهم المقدسة، ومن ثم اعتبروا هذه المدينة الأرض المقدسة بالنسبة لهم، وذلك ما تؤكد عليه التوراة عندما تذكر «ملكي صادق» ملك أورشليم «هذا الكاهن الذي جمع بيده السلطتين الإدارية والدينية، فالمدينة مقدسة من قبل سيدنا إبراهيم الذي يعود زمنه لنحو 1900 ق.م».
وفي عام 1550 ق.م كتب حاكم المدينة - اليبوسي يستنجد بفرعون مصر من غارات الخابير، وعلى أثر ذلك خضعت المدينة لفترة طويلة للنفوذ المصري، ولم يستول عليها داود الذي حولها إلى عاصمة لمملكة اليهود المتحدة التي كونها إلا في عام 149 ق.م، أي بعد مرور مدة طويلة من سكن العبرانيين في كنعان، وبين وفاة النبي سليمان أصبحت المدينة عاصمة المملكة الجنوبية، أما المملكة الشمالية فكانت عاصمتها نابلس.
وأثر الخلاف بين المملكتين دكها ملك المملكة الشمالية عام 785 ق.م، ثم استولى عليها بعد ذلك ملك مصر مرة أخرى بين عامي 935-920 ق.م، وقد خربها وحمل منها كنوزها كغنائم حرب، وفي عام 720 ق.م، سقطت القدس في يد الأشوريين، حيث قام ملكهم نبوخذ نصر بدك أسوارها عام 576 ق.م، وبعد ذلك بقرابة نصف قرن استولى عليها الفرس، ثم احتلها الإسكندر الأكبر عام 332 ق.م.
ويؤكد المؤلف خالد غازي أنه في عهد الإسكندر الأكبر تم إعادة بناء المدينة، وكانت ذات ريادة، وفي عهد خلفائه تأرجحت السيطرة على المدينة، حيث دمرها الرومان عام 135م، وأسسوا مكانها مستعمرة رومانية حرم على اليهود دخولها، وأصبحت فيما بعد مدينة مسيحية، وظلت كذلك حتى فتحها المسلمون عام 637 م، حيث سميت باسمها الحالي «القدس».
أسلمة المدينة
ويشير المؤلف أنه طوال العهد الإسلامي لم يفكر أحد من الغزاة بغزو القدس، ولم يجرؤ اليهود على الإقامة بها.. لما حظيت به المدينة من دعاية واهتمام من خلفاء الدولة الإسلامية، فقد عمرت المدينة في أيام الخلفاء الراشدين.. وكذلك أولاها حكام الدولة الأموية اهتماما كبيرا فبنى الخليفة عبد الملك بن مروان مسجد «قبة الصخرة» ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنوات كاملة، وقد احتفظ المسيحيون بكنائسهم في بيت المقدس، وعندما انتقل الحكم إلى العباسيين قام الخليفة أبو جعفر المنصور بزيارة إلى القدس عام 758م فهاله الدمار الذي لحق بالأقصى إثر الزلزال، الذي حدث عام 747م فأمر بإصلاحه وترميمه وتكرر ذلك في عهد الخليفة المهدي عام 780 م.
ويستطرد المؤلف في حديثه عن تاريخ هذه المدينة فيوضح أن المدينة وقعت في يد الصليبيين عام 1099م، وما ترتب على ذلك من دمار وقتل وتشريد لإسلام المدينة، إلا أن الأمر لم يطل حيث جاء الجيش الإسلامي تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي ليحرر القدس عام 1187م، وما أن دخلت القوات الإسلامية المدينة حتى بدؤوا يحفظون الأمن والنظام.. واستهل صلاح الدين وجنوده بيت المقدس بزيارة مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى وأزال ما وجد من آثار مسيحية في المسجدين، وتم البدء في أعمال الترميم والصيانة لكل أجزاء المدينة المقدسة.. ثم توالت على المدينة بعد ذلك حقب عديدة، حيث قدم المماليك عليها ثم الأتراك العثمانيين..
وفي العصر الحديث انتهت الأمور إلى احتلال بريطانيا لفلسطين عام 1917م، ذلك ما ترتب عليه ازدياد النفوذ الصهيوني بالمدينة والبدء في أنشطة الاستيطان وذلك بالاتفاق مع الجانب البريطاني.. وفي عام 1948م، أعلنت دولة إسرائيل التي ضمت لها الجزء الغربي من المدينة لتجعل من بعد ذلك في عام 1950م عاصمة أبدية على حد زعمهم عاصمة لها، ثم تحتل بعد ذلك الجزء الشرقي من المدينة وتبدأ عمليات التهويد بدءا من عام 1967م.
ويوضح المؤلف في إطار تفنيده لأدلة عروبة القدس وزيف كل ما يدعيه الجانب الصهيوني أن مزاعم اليهود المتعلقة بأن الحرم الإسلامي الشريف يقوم مكان هيكل سليمان لا يسندها أي دليل أو حجة على صحة ما يروجون له، إنما هي سلسلة من الأكاذيب التي تهدف في مجملها لهدم الحرم الإسلامي الشريف، ذلك الحرم الإسلامي الذي بدأ عبد الملك بن مروان ببنائه إلى الجنوب من مسجد قبة الصخرة على بضع مئات من الأمتار..
وأتم ابنه الوليد هذه المهمة عام 705م.. وأن محاولات الهدم تعددت بدءاً من الحريق الذي تعرض له المسجد عام 1969م، ومحاولات التفجير التي كشفت السلطات الإسرائيلية النقاب عنها عام 1980.. وكذلك اكتشفت سلطات الأمن الإسرائيلية تنظيما سرياً من رجال الجيش الإسرائيلي كان يخطط لنسف الحرم القدسي من الجو، وذلك في عام 1984.. وهكذا تتعدد المحاولات لهدم الحرم القدس، والتي منها أيضا أعمال الحفر التي تتم تحت المسجد المقدس منذ عام 1971م.
قدس الأقداس
ويخصص المؤلف جزءا هاماً من كتابه لتناول قدسية المدينة والوقوف على المقدسات الدينية التي تحويها المدينة، ليجعل من المقدسات اليهودية مستهلا لكلامه، مؤكداً أن المؤرخين أجمعوا أنه ليس لليهود في القدس أثر يهودي مقدس بارز إلا حائط المبكى وبضعة كنائس حديثة العهد - أقيمت مؤخراً - وبعض القبور، كقبر زكريا وقبر أبشالوم وقبر يعقوب، والاعتقاد السائد أن حائط المبكى هو بقية من سور أورشليم القديم، وأنه الحائط الخارجي للهيكل الذي رسمه هيرودوس ودمره قيطس ويقدسه اليهود ويزورونه بشكل دائم.. ويقدسونه.. ويذرفون الدموع أمامه.. وهذا الحائط يقدسه المسلمون أيضا، بل إن تقديسه عند المسلمين يفوق تقديس اليهود له.
ويرى خالد غازي في كتابه أنه على مر العصور لم يكن عدد المسيحيين بالقدس بالعدد القليل، بل كان دائما يقدر بالآلاف ، إلا أن المسيحيين في العصر الحديث خاصة القرنين الأخيرين منقسمون على أنفسهم داخل القدس إلى مذاهب وشيع وجماعات وطوائف.. وكل مذهب أو طائفة من هذه الطوائف لها معابدها الخاصة بها، ومؤسساتها الدينية والاجتماعية، ولها جميعها مجتمعة ما عدا «البروتستانت» كنيسة القيامة، فالروم الأرثوذكس وهي الجالية القديمة التي عاشت في القدس منذ العصور المسيحية الأولى.
ومن أهم مقدساتهم دير ابينا إبراهيم ودير ماريو حنا المعمدان ودير العذراء والدير الكبير، ثم تأتي طائفة الروم الكاثوليك وأكبر ممتلكاتهم المقدسة في القدس كنيسة القديسة حنة وكنيسة القديسة فيرونيكا، وطائفة اللاتين الكاثوليك يملكون بالقدس أديرة منها دير المخلص والكازانوفا وغيرها، وإضافة لكل ما سبق من طوائف يوجد بالقدس طوائف مسيحية أخرى لكل منها مقدساتها.
أما المقدسات الإسلامية في القدس فهي كثيرة وعظيمة الأثر في نفوس كل المسلمين، نظرا لأن مسجد الأقصى الموجود بالقدس كان قبلة صلاة المسلمين قبل تحويل القبلة ليكون المسجد الحرام بمكة المكرمة، إضافة إلي أن النبي صلي الله عليه وسلم في إسرائه بهذا المسجد مع أنبياء الله تعالى، بل روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الصلاة في المسجد الأقصى أفضل من الصلاة في غيره بخمس مئة مرة».
وقوله أيضا: «من أهل بالحج والعمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة».. فالقدس قدس أقداس المسلمين تزخر بما يراه المسلمون مقدسات كمسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى.. إضافة إلى العديد من المساجد والزوايا داخل الحرم القدسي الشريف وخارجه.
ويخلص المؤلف من خلال فصله الذي عنونه بـ «حضارة المستوطنات وإرهاب التهويد» إلى أن صفة التقديس التي اتسمت بها مدينة القدس أعطتها أهمية خاصة وجعلتها محط الأنظار، وشاهده على صراع دولي كبير استقر إلى أن تصبح مدينة تحت الوصاية الدولية أبان تقسيم الغنائم عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى.

