النصيحة لله والدعوة إلى منهاجه أصل من أصول الدين الحنيف وفضيلة من فضائل الإسلام ومحاسنه، والنصيحة أمانة، وتقبلها فضيلة، والعمل بها ينجي صاحبها من المهالك، وتركها نقص في الدين وإعراض عن الذكر.
ودرجات الناس في تقبل النصيحة تتفاوت من إنسان لآخر، بحسب الإيمان وسعة الصدر، وقوة العقيدة والإيمان، والإعراض عن الناصح تكبر وافتراء، لأنه ينصح لله لا لنفسه.
عن تميم بن أوس الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
والحديث من محاسن القول والمسلمون في حاجة إلى تذكيرهم بهذا الحديث آناء الليل وأطراف النهار.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، قال وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه، إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب، قال وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط وقيل في معنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة.
فأما النصيحة لله: فهي نفي الشرك عنه وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال وتنزيهه سبحانه وتعالى عن جميع النقائض والقيام بطاعته واجتناب نواهيه، والحب فيه والبغض فيه وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته وشكره عليها والإخلاص في جميع الأمور وعلى رأسها العبادات.
وأما النصيحة لكتابه: فالإيمان بأنه كلام الله وتنزيله لا يشبهه شيء ولا يشوبه شيء ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يتطرق إليه الشك، ولا يوصف بغير الصدق فهو القول الفصل ليس بالهزل «وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد».
وإنه الكتاب المعجز الخالد لا بيان أبين منه ولا منطق أعلى من منطقه فالنصيحة له هي الوقوف على أحكامه وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه والتفكير في عجائبه والعمل بمحكمة والتسليم لمتشابهه والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخة ونشر علومه والدعاء إليه والأخذ منه سنداً وشاهداً.
وأما النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به والتحاكم إليه.
ونصرة الرسول، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه. وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء سنته وطريقته، وبث دعوته ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والاستشهاد بها والرجوع إليها والتلطف في تعلمها وتعليمها.
وإعظامها وإجلالها والإمساك عن الكلام فيها بغير علو، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم والتأدب بآدابه. ومحبة أهل بيته وأصحابه وأتباعه لأنهم السابقون الأولون الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فهم الذين أيدوه ونصروه، وجاهدوا معه حتى علت كلمة الله. وأصبحت كلمة الله هي العليا كما أراد سبحانه، ومجانبة من ابتدع في سنته. لأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
لأن الله أكمل الدين وأتم النعمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الأمة على المحجة البيضاء. فيكون المحدث في الدين مبتدعاً تجب مجانبته. وإسداء النصح له لكي يتوب.
وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتنبيههم به وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح، وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات.
وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين على أنهم يتحملون مسؤولية الدعوة وقد شرفهم الله بحمل الأمانة. فلا ينبغي أن يكتموا حقاً، أو يكتموا ما أنزل الله فكتمانه جريمة وتبيانه للناس أمر. وهذا الذي أشار إليه القرآن.
رجاء علي