سخر الله العلي القدير الكثير من المخلوقات الكونية لكي ييسر سبل الحياة على المخلوقات الأرضية من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان إلى عالم النبات إلى عالم البحار ولولا تسخير الله جل شأنه لهذه المخلوقات الكونية لمات كل من كان على كوكب الأرض. والمعنى العلمي لكلمة التسخير هو تنفيذ كل ما كلف به المخلوق من الخالق جل شأنه دون تردد في الطاعة ودون إهمال في الأداء مع الاستمرار في العطاء بدون مقابل إلى أن يأمر الله أمرا كان مفعولا ولقد أشارت الآية 13 من سورة الجاثية إلى هذا المضمون العلمي «وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» صدق الله العظيم،
فالشمس المسخرة تعطي الحرارة والضوء والدفء وتفيض بقوى الجذب على جميع أعضاء المجموعة الشمسية من كواكب وكويكبات ومذنبات ونيازك إلى يوم معلوم. وكوكب الأرض المسخر يحمل ركابا من البشر سواء كانوا من الكفار أو المؤمنين وبين الحين والآخر يقوم البشر بتجاربهم بالقنابل الذرية فيتحمل كوكب الأرض هذه الضربات دون أن يطرد راكبيه ولكن بين الحين والآخر تبتلع الأرض البعض منهم في الزلازل حتى يتعظوا أو يعتبروا ولكنهم لا يبصرون ولا يعقلون فالحروب الدائرة الآن على كوكب الأرض تزيد على مئة حرب بأسماء مختلفة فحروب الاغتصاب وحروب السرقة وحروب القتل وحروب الجنس وحروب الاضطهاد وحروب التمييز العنصري وبرغم كل ذلك فكوكب الأرض يدور حول محوره بانتظام دقيق ويدور حول الشمس بسرعة منتظمة لأنه مسخر من العلي القدير.
والقمر المسخر يعطي الاتزان لحركة دوران الأرض ويعطي لماء البحار والأنهار حركتي المد والجذر حتى تحتفظ المياه بطهارتها وإلا تعفنت المياه وفسدت بالإضافة إلى أن القمر يعمل كتقويم شهري لإقامة ركنين هامين للمسلمين وهما الصوم والحج مع الاستمرار في العطاء بدون مقابل إلى يوم محدد لا يعلمه إلا الله العلي القدير.
والنجوم مسخرات لتعطي الزينة للسماء الدنيا فترفع حالات الاكتئاب والأمراض النفسية بالنظر إليها والتأمل في خلقها فهي شموس نائية وحولها كواكب وبها خلق غيرنا كما أن النجوم نهتدي بها في أعالي البحار باستخدامها في تحديد مواقع السفن المبحرة وكذلك باستخدامها في تحديد مواقع الطائرات عند عبورها القارات ولا يطول الإنسان النجوم.
ليدمرها كما سيحدث في الأقمار الصناعية عند قيام الحرب العالمية الثالثة، حيث ينقطع الإرسال التلفزيوني الفضائي، وحيث تدمر أقمار الملاحة وأقمار الأرصاد وأقمار تجسس وكل ما يدور من أقمار صناعية في الفضاء الخارجي.
ولقد سخر الله جل شأنه الليل تهدأ فيه النفوس وتنام فيه الجوارح وتغمض به العيون ثم سخر النهار الآية المبصرة لنبتغي من فضل الله علينا بالعمل الشريف ولنتدبر للحظة واحدة ماذا كنا سنفعل إذا كان الليل سرمدياً دائماً أو النهار سرمدياً دائماً، فكيف كانت ستستقيم الحياة وهذه الظاهرة موجودة قريبة منّا على كوكب عطارد، حيث نصف هذا الكوكب المواجه للشمس دائم النهار وبالتالي فحرارته تبلغ 3000 درجة والإنسان يتحول إلى عجينة منصهرة أمام هذه الحرارة العالية والوجه الآخر من عطارد البعيد عن الشمس دائم الظلام بدرجة 273 درجة، أي الصفر.
حيث تتجمد الدماء وأجهزة الحياة في جسم الإنسان ولننتبه إلى قول الله تعالى في الآيتين 71 و72 من سورة القصص (قل أرءيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة، من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة منى إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) صدق الله العظيم
ولم يكن أحد يعرف النهار السرمدي عند نزول الآية الكريمة، ولكن بعد 1300 سنة من هذه الآية الكريمة قام الرحلة روبرت بيري برحلته المشهورة لاكتشاف القطب الشمالي في ابريل 1903 فإذا به يرى النهار السرمدي، حيث كان النهار الدائم طوال مدة رحلته عند القطب الشمالي.
السحاب والماء
جاءت القاعدة العلمية للحياة في الآية الكريمة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) ولهذا فإن أي مخلوق خلقه الله العلي العظيم له روح وبالتالي له حياة لا بد وأن يدخل في تكوينه الأساسي الماء وأنه إذا فقد الماء فإنه يعني ذلك فقد الحياة. وعلى ذلك يحتوي كوكب الأرض على ما يزيد عن 70% مسطحات مائية والباقي يابسة حتى أطلق على كوكبنا الكوكب المائي ولنعلم أن المصدر الوحيد للماء العذب هو الأمطار والمصدر الرئيسي للأمطار هي السحب.
حيث تتكون السحب من بخار الماء الناتج عن تبخر المسطحات المائية من المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار وهكذا نجد حركة المياه من الأرض إلى السماء الدنيا ثم تعود مرة أخرى إلى الأرض دون أن تنقص كوب ماء واحدا على مدى 4500 مليون سنة وهي التاريخ التقريبي لخلق كوكب الأرض.
ويحرك بخار الماء في صور متعددة حيث الصورة الأولى هي الضباب الذي هو عبارة عن ذرات دقيقة متطايرة من بخار الماء ويحدث هذا النوع في الليالي ذات الهواء الساكن فتبرد الأرض ويبرد الهواء الملامس حيث يحدث التكاثف على صورة ضباب الذي يتكون في الساعات الأولى من الفجر ثم تبدده الشمس بعد شروقها ويعرف هذا الضباب أحياناً باسم السحب الأرضية.
والصورة الثانية لبخار الماء هي الندى حيث تستمر عملية إضافة بخار الماء إلى الهواء أثناء النهار وعندما تنخفض حرارة الهواء أثناء الليل بسبب الإشعاع الأرضي تقل مقدرته على حمل بخار الماء حيث يتكاثف على شكل قطرات صغيرة من الماء فوق الأجسام الباردة نسبياً مثل زجاج النوافذ وأوراق النبات والأشجار ويعرف هذا الماء المتكاثف باسم الندى والصورة الثالثة لبخار الماء هي الصقيع وهو يشبه الندى في تكوينه ولكن الفرق بينهما أن بخار الماء في حالة الندى يتحول من الحالة الغازية إلى حالة السيولة اما في حالة الصقيع فإن بخار الماء يتحول من الحالة الغازية إلى الحالة الصلبة مباشرة.
والصورة الخامسة لبخار الماء هي صورة السحاب وهي صورة الخيرات وهي عبارة عن ملايين الجزيئات الصغيرة من الماء وبسبب صغر هذه الجزيئات يستطيع الهواء أن يحملها ويأتي دور الرياح في نقلها وتحريكها وتجميعها بقدرة الله تعالى لأنه جل شأنه هو الذي يصرف الرياح وبالتالي لم يجعلها الله تعالى مسخر كباقي المخلوقات بل جعل أمرها بيده الجليلة ليصرفها كيفما يشاء ولنتدبر آية 48 من سورة الروم (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً) وكذلك آية 9 سورة فاطر (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا). صدق الله العظيم
وليس من الضروري أن تسقط جميع السحب أمطاراً ولكن من الضروري أن تسبق سقوط الأمطار وجود سحب ذات شكل خاص مميز ولابد من وجود نواة تتكاثف حولها بخار الماء حتى يصبح حجم قطرات المياه من الثقل بحيث لا يستطيع الهواء حملها فتسقط إلى الأرض على الأشكال السابق ذكرها مثل الضباب أو الندى أو المطر أو البرد أو الثلوج.
كما وأنه من المعتاد أن تمطر السحب شتاء ولكن هذا لا يمنع أن تحدث الأمطار في أي فصل من فصول السنة بما في ذلك الصيف وتكون مهمة الرياح هي تلقيح السحب فيما بينها حتى تأخذ شكل الجبل الأسود المشحون بالأمطار ثم تأتي المهمة الثانية للرياح بنقل هذه الأمطار إلى مكان مقدر والى زمان مقرر من الله العلي القدير فإن الأمطار هي الماء العذب الذي يسقي الإنسان والحيوان والنبات وكل شيء حي وصدق الله العظيم في قوله تعالى (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا).
وخلاصة القول إنه لا يوجد أحياء على كوكب الأرض إلا وبها الماء وهذا هو القانون الأول في الحياة ومصداقا للآية الكريمة في سورة الأنبياء آية 30 (.. وجعلنا من الماء كل شيء حي) صدق الله العظيم.
السحاب المدمر
قسم علماء الأرصاد السحب حسب تكوينها إلى نوعين رئيسيين النوع الأول فيها هو السحب الركامية وهي التي تنمو رأسياً وتصير كالجبال قاعدتها في اتجاه الأرض وقمتها في عنان السماء أما النوع الثاني فهي السحب الطبقية وهي تنتشر كالبساط في طبقات مختلفة السمك وقد أشارت آيتان إلى هذا المعنى العلمي في سورة النور آية 43 (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما) والثانية في سورة الروم آية 48 (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء) صدق الله العظيم.
والسحاب الممطر يسمى المزن وبالتالي يوجد المزن الطبقي والمزن الركامي والأمطار نذيراً حينما تنزل من السماء بالطوفان وتقضي على كل مخلوقات الله والسحب هي التي تحمل في جعبتها الأمطار وبالتالي قد تكون بشيراً حيث تحمل بين طياتها الماء العذب ليسقط في مكان معين وزمان محدد ومقدار مقدار أو يكون نذيراً أو مدمراً وذلك بالبرق والرعد والصواعق.
ويحدث ذلك بصفة خاصة من المزن الركامي وحقيقة أمر البرق أنه تفريغ كهربائي يحدث بين أجزاء السحابة الواحدة عندما يتم شحنها بنوعين مختلفين من الكهربائية الموجبة والسالبة ولا يقوى الهواء على حملها وقد يحدث البرق بين سحابتين متجاورتين وتنجم عن التفريع أن تتمدد وتنكمش السحابة بشدة محدثة صوت الرعد حيث يحدث البرق والرعد في وقت واحد ولكن يرجع اختلاف زمن رؤية البرق والذي يجري بسرعة الضوء المقدرة 186 ألف ميل في الثانية بينما الرعد بطيء نسبياً حيث يجري بسرعة الصوت المقدرة 750 ميلاً في الساعة لهذا فإننا نرى البرق أولاً ثم يليه بعد فترة طويلة نسبياً نسمع الرعد برغم أنهما حدثا في لحظة واحدة.
وحينما يحدث التفريع الكهربائي بين المزن الركامي المشحون بالكهربائية ذات الفولت العالي جداً مع جزء مرتفع من سطح الأرض مثل ناطحات السحاب أو الأشجار العالية فإنه تحدث الصواعق القاتلة وكما أشارت سورة الرعدة آية 13 (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء).
ولقد فتح الله على العلماء باختراع مانعة الصواعق، وهي عبارة عن قضيب من الحديد أو النحاس بارتفاع لا يقل عن ثلاثة أمتار لتوضع بأعلى البنايات وبأعلى صواري السفن وبأعلى مداخن المصانع فحينما تنخفض الصاعقة تستقبلها مانعة الصواعق وتمتصها تماماً لتوصلها إلى سطح الأرض أو سطح البحر حيث تفرغ الشحنة الكهربائية الجبارة إليها، هذه الصورة علمية مصغرة عن السحب المسخرة والتي سخرها العلي القدير لحياة أهل كوكب الأرض لتغطيه الحياة بالماء العذب أو لتغطيه الموت بالبرق والرعد والصعق.
قاسم لاشين
