في أحد الأيام جلس (بابو) مع والدته العجوز يتناولان الإفطار معاً، ولكي تكسر الأم صمت ابنها قالت له أنظر إلى بقرتنا كم هي رائعة إنها تعطينا الحليب والزبد كما اننا ننتفع من روثها في تسميد الأرض، لهذا نحن نعبد البقر، استمر صمت (بابو) وهو يسمع تمجيد أمه للبقرة الوحيدة التي تمتلكها،
وكان (بابو) يفكر في أن يترك قريته ويتوجه إلى حيث توجه رفاقه من قبله وأن يقطع المحيط الهندي باتجاه المياه الدافئة لعله يجد فيها عملاً يحقق له آماله ويبني بيتاً من الطابوق ليكون جواز سفره إلى قلب أي فتاة من فتيات قريته، قالت الأم مالك يا (بابو)
لماذا لا تتكلم؟ فرد عليها قائلاً أريد أن أبيع البقرة، ما كادت الأم تسمع هذه الجملة حتى سقطت قطعة خبز الـ (باراتا) التي كانت في يدها وصرخت في وجه ابنها قائلة كيف تجرؤ أن تقول هذا الكلام على الإله الذي نعبد، وفجأة تركت الأم مكانها وتوجهت إلى البقرة وربتت على ظهرها وصدرها وثديها وبدأت تضع رأسها على مؤخرة البقرة وتقوم بلمس بعض أجزاء من جسدها وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة،
وفجأة (تَبَوَّلَتْ) البقرة على رأس أم بابو فما كان منها إلا أن حملت بعضاً من «البول» في يدها ووضعته على رأس (بابو) وهي تقول له لقد سامحك الرب وسامحتك البقرة والدليل على ذلك أنها منحتك «بولها» كي تباركك به.
أخذ بابو يفكر في مستقبله، مؤكداً لأمه بأنه لابد من بيع البقرة حتى يتمكن من جمع المال الكافي للسفر، وأخيراً وبعد أخذ ورد وافقت الأم على بيع البقرة، ووجد نفسه لأول مرة على متن طائرة بدلاً من ظهر بقرة.
البحث عن عمل
بعد وصوله مباشرة بدأ بابو يبحث عن عمل، لكن الظروف لم تساعده كثيراً، فهو لا يحمل شهادة ولا يجيد لغة غير لغته، لذا كانت الأبواب كلها موصدة في وجهه. في أحد الأيام قرر أحد الشباب الذين يسكنون مع (بابو) أن يذهب في إجازة إلى بلده، وهنا قال (بابو) لصديقه ليتك تقدمني إلى المكان الذي تعمل فيه لأعمل بدلاً منك خلال إجازتك، فقال الشاب بأن ما أقوم به هو توزيع الصحف على البيوت وهذه الوظيفة شاقة عليك.
كما أنك لا تعرف الشوارع والبيوت، لكن (بابو) ضغط على صديقه طالباً منه أن يساعده في هذه الوظيفة على أن يرافقه خلال الأيام الباقية له قبل بدء الإجازة في ذهابه إلى الشوارع والبيوت ليتعرف عليها.
كان (بابو) في صراع مع كل شيء حوله، فقد كان يريد المال بأية طريقة حتى ينفق على نفسه وحتى يرسل إلى والدته لتشتري بقرة جديدة فأم بابو لا تستطيع النوم قبل أن تضع على شعرها بضع قطرات من بول البقر لتتقدس به.
أخيراً تسلم (بابو) العمل في الجريدة وبدأ يوزع على البيوت والمحلات التجارية والشوارع وأثبت في فترة قصيرة بأنه قادر على عمل المزيد حتى أن مدير التوزيع في الجريدة منحة علاوة تشجيعية.
بدأ الحظ يبتسم لبابو فقد ظهرت في المدينة بعض الصحف التي تصدر مساءً فاستغل بابو الفرصة وانضم إلى توزيعها هي الأخرى فأصبح يعمل صباحاً ومساءً مما زاد دخله وجعله يشعر بالاستقرار النفسي.
بعد نحو عام عاد (بابو) إلى بلاده ومعه بعض المال، كان المال كافياً لشراء بقرة لكنه لم يكن كافياً لبناء بيت من الطوب لذا قرر بابو أن يكون العام المقبل عاماً يبني فيه البيت الذي يتمناه خلال زيارته لقريته تعرف بابو على (ريشكا)، كانت ريشكا فتاة متوسطة الجمال ومع ذلك فقد كانت حلم معظم شباب القرية لكن بابو استولى على قلبها لأنه سافر إلى الخارج وستصبح معه فلوس كثيرة وستمكن من تحقيق أحلامها في أول لقاء لهما، صارح (بابو) (ريشكا) بحبه لها واعداً إياها بأنها ستكون أميرة متوجة وأنه سيحضر لها الذهب والساري وكل شيء تريد، وأنه سيبني لها بيتاً من الطوب الأحمر ليتزوجا فيه.
انتهت الإجازة وعاد بابو إلى عمله حاملاً معه صورة (لريشكا) إضافة إلى أحلام كثيرة يأمل في تحقيقها. عاود بابو عمله صباحاً ومساءً في توزيع الصحف وفي كل ليلة كان يضع رأسه على المخدة كان يفكر في حبيبته ويفكر أكثر كيف سيجمع المال ليعود إليها محققاً أحلامها وأحلامه.
في أحد الأيام بعد أن قام بابو بتوزيع صحف الصباح ذهب إلى إحدى شركات البنزين وجلس بالقرب منها وهو يتناول الشاي بالحليب وسارحاً في فكره بعيداً عبر المحيط حيث قريته وحيث ريشكا في هذه الأثناء تقدم منه أحد العمال الذين يعملون في محطة البنزين تبين أنه من نفس بلاده دار بين بابو وعامل محطة البنزين حديث قصير كشف فيه بابو للعامل كل مشاكله وهنا طلب العامل من بابو أن يزوره في سكنه لعله يجد له عملاً إضافياً لزيادة دخله.
رحب بابو بالفكرة وبعد يومين كان بابو يجلس مع عامل المحطة يتناولان العشاء في أحد المطاعم المتواضعة، قال عامل المحطة لصديقه بابو إذا كنت تريد المال فهو موجود ولكن عليك أن تعمل ساعات إضافية، رد بابو قائلاً بأنه يستطيع أن يعمل (24) ساعة في اليوم دون كلل أو ملل ولكن أين المال وكيف الحصول عليه،
هنا قال عامل المحطة بأن صديقاً له يعمل في إحدى المدن المجاورة حيث تباع الخمور هناك في الفنادق والنوادي الليلية دون قيد أو شرط وأن هذا الصديق أحضر خلال الأشهر الماضية نحو (40) زجاجة من الوسكي وأكثر من (200) علبة بيرة، وأضاف عامل المحطة بأن عمله في المحطة يأخذ كل وقته ولهذا فهو لا يستطيع أن يوزع هذه المشروبات على الزبائن الذين يطلبونها ولكن أنت تستطيع ان تتحرك بسهولة وان تقوم بتوزيع هذه المشروبات على العناوين التي سأزودك بها، مقابل عمولة مجزية.
قال بابو ان الخمور في المدينة التي نعيش فيها ممنوعة وان توزيعها سيعرضني للخطر، فقال له عامل المحطة بأنه يعمل في توزيع هذه الممنوعات منذ أكثر من سنتين وان أمره لم ينكشف، لكن الأمن يحتاج إلى شخص شبه متفرغ لأن الطلبات تزداد يوماً بعد يوم وأسعار هذه الممنوعات بدأت ترتفع بشكل كبير،
هنا قال (بابو) وأين هذه الزجاجات والعلب، فقال له عامل المحطة بأنها مدفونة تحت الأرض عند الشجرة التي تقع في مدخل البيت الذي يعيش فيه مع بقية أبناء جلدته، فكر بابو قليلاً ثم قال سأحاول مرة وأرى، بدأ بابو يتعود شيئاً فشيئاً على توزيع قناني الوسكي وكلما وزع أكثر كلما زادت أرباحه أكثر وهكذا أصبح لديه المال الذي دفعه لان يشتري دراجة نارية تساعده في مشاويره التي بدأت تكثر يوماً بعد يوم.
تغير الظروف
بدأت الأموال تزداد في يدي (بابو) لذا طلب من والدته ان تشرع في بناء بيت له في مكان بارز في القرية وهكذا بدأت أحلام بابو تتحقق خاصة بعد ان قالت له امه بأنها أكملت بناء الجدران وبقي السقف والكماليات الأخرى فقط، اجتهد (بابو) في العمل حتى لم يعد يرجع إلى البيت إلا في ساعات الفجر الأولى. تغيرت أحوال وظروف (بابو) وبدا الثراء واضحاً عليه من حيث الملبس والمأكل حتى انه لأول مرة بدأ يستخدم العطور.
في هذه الأثناء أوفد أحد أقسام الشرطة ثلاثة من الضباط إلى الصحيفة الصباحية التي يعمل فيها (بابو) للتدرب على تحرير الأخبار وإجراء المقابلات.. الخ، وبطبيعة الحال لم يكن بابو يلتقي بالضباط فهو يعمل في قسم التوزيع وهم يتدربون في قسم التحرير لكنه في إحدى المرات حدث ما لم يكن بالحسبان، فقد اتصل أحد زملاء بابو ليخبره بأن مدير تحرير الصحيفة يريده على عجل وذلك ليمنحه مكافأة شهرية نظير جهوده الكبيرة وقدرته في زيادة عدد توزيع الصحيفة.
عندما عرف (بابو) ذلك كاد ان يطير من الفرح فهو يريد أي مبلغ من المال ليزيد دخله، لذا أحضر بابو ما تبقى لديه من الصحف التي لم يتم توزيعها بعد وذهب إلى المدير ليأخذ المكافأة، كان الضابط (ر) وهو أحد الضباط الثلاثة الذين يتدربون في الصحيفة قد دخل المكتب في الصحيفة لتوه
وعندما رأى الصحف على المكتب امتدت يده ليأخذ إحداها وبينما هو يتصفحها لاحظ وجود كيس صغير من البلاستيك فيه مسحوق أبيض وبعيون فاحصة وبأيد خبيرة عرف ان هذا الكيس فيه هيروين وعلى الفور أعاد الكيس إلى حيث مكانه وطوى صفحات الجريدة كما كانت، وبدأ يراقب كل شيء حوله لم يطل انتظار الضابط (ر) فقد خرج بابو وهو فرح بالشيك الذي حصل عليه من المدير وتوجه فوراً إلى مجموعة الصحف التي كانت على المكتب وأخذها وانصرف.
قام (ر) بكتابة تقرير إلى رؤسائه يخبرهم فيها بما رآه في مكتب الصحيفة وانه يشك ان (بابو) يعمل في تهريب المخدرات، وضع (بابو) تحت المراقبة حيث تبين بأنه يقوم بتوزيع المشروبات الكحولية في بعض المساكن إلا ان الجهات الأمنية لم تقبض عليه، فقد كان الهدف من تركه حراً هو الوصول إلى الشخص الذي يعطيه المخدرات، كان عدد من الضباط يريدون اعتقال (بابو) ومن خلال التحقيق يمكن الوصول إلى كل شيء لكن البعض الآخر عارض ذلك فالتهمة التي قد توجه له هو توزيع المشروبات الكحولية إلا ان الهدف الأكبر كان اعتقاله وهو متلبس بتسلم أو تسليم المخدرات.
استمرت مراقبة بابو طويلاً دون أن يتم التوصل إلى مصدر المخدرات، فقد كان يوميا يذهب إلى الصحيفة صباحاً ويأخذ الأعداد المخصصة له وبعد توزيعها يعود إلى صاحب مقهى صغير بالقرب من إحدى محطات البنزين فيتناول الشاي وقطعة من خبز (البراتا) بالزيت ثم يذهب إلى بيته ليعود في المساء ليعمل في توزيع الصحيفة المسائية،
بدأ بعض أفراد المراقبة يظنون أن كيس المخدر الذي كان في مجموعة الصحف التي كانت مع بابو ربما وضع له بدون أن يدري أو أنه لشخص آخر، لكن تصرفاته المريبة ومتاجرته بتوزيع المشروبات الكحولية أبقته محل الشكوك، كانت المسألة تحتاج إلى صبر وهذا ما فعله المسؤولون عن المراقبة.
الوقوع في الفخ
في أحد الأيام جاء بابو إلى نفس المقهى وطلب كعادته الشاي وقطعة (البراتا) وبعد أن أنهى التهامها تقدم من صاحب المقهى ليعطيه النقود، فما كان من صاحب المقهى إلا أن دس يده تحت الطاولة وقام بتسليم (بابو) كأسا من البلاستيك الأبيض، بدا بابو وكأنه يشرب الشاي من الكأس وذلك بحركة تمثيلية لا تخفى على رجال الشرطة ثم أخذ الكأس وابتعد قليلاً وتوجه إلى دراجته النارية
وما كاد يصل إلى الدراجة حتى وضع ما كان في الكأس في جيبه وقام برمي الكأس على الأرض، قام ضباط المراقبة وأخذوا الكأس من خلال الكلاب البوليسية والمختبر الجنائي تم التأكد بأن الكأس كان فيه مخدرات، هنا تم معرفة المصدر الذي يأخذ منه بابو المخدر، وتم وضع خطة للإمساك ببابو والشخص الذي يزوده بالمخدرات وهما متلبسان وفي أثناء التسليم، وفعلها ثم تنفيذ الخطة،
حيث تمت بواسطة ضباط محترفين وبالتصوير عن طريق كاميرات الهواتف النقالة، تم اقتياد بابو وصاحب المقهى إلى غرفة التحقيق حيث اعترف صاحب المقهى بأنه فعلا كان يعطي بابو المخدرات لتوزيعها مقابل نسبة من المال أما بابو فقد رفض الاعتراف بأنه مذنب وبدأ يصرخ بأعلى صوته مطالبا إخراجه من غرفة التحقيق مدعياً بأن صاحب المقهى قد استغفله.
تم تحويل بابو إلى المحكمة بتهمة توزيع المخدرات وتوزيع المشروبات الكحولية، عندما عرف بابو بأنه سيحكم عليه لفترة طويلة وبأنه سيتم تسفيره إلى بلاده بعد ذلك جن جنونه وبدأ يصرخ بأعلى صوته وهو ينادي على أمه وعلى ريشكا وعلى البقرة التي باعها.
إعداد ـ أحمد سلطان