أكد الدكتور محمد شامة مستشار وزير الأوقاف المصري ان الحضارة الإسلامية توارت عن حياة المسلمين بسبب غياب الفهم الصحيح للإسلام وغلبة الشكلية والمظهرية على المتدينين مشيرا إلى انه ليس معنى ذلك أن هذه الحضارة لم يعد لها وجود لكن قيم العمل والجد والاجتهاد والانتاج والمسؤولية والالتزام التي ترسخها الحضارة الإسلامية غائبة عن المجتمع الإسلامي. وقال إن الغربيين لا ينكرون دور الحضارة الإسلامية وفضلها في نهضة المجتمعات الغربية.
ودعا الدكتور شامة المسلمين إلى الاستفادة من الحضارة الغربية وان ينقلوا علومها حتى ينهضوا ويتقدموا معربا عن أسفه بأن المسلمين يقلدون الغرب فيما يمكن أن نطلق عليه «نفايات الحضارة» مثل الديسكو والحانات والجينز وغير ذلك من الأمور الهامشية مطالبا بتدريس الثقافة الإسلامية في المراحل الابتدائية والإعدادية حتى تغرس قيم ومبادئ الإسلام في نفوس الشباب ونحصنهم من الوقوع في هذه الأخطاء.
وطالب الدكتور شامة المسلمين بالانفتاح على الحضارة الغربية ونقل ما يتوافق مع ديننا وقيمنا وتقاليدنا حتى ننهض ونتقدم مؤكدا اننا لا نستطيع الانعزال عن العالم في ظل ثورة المعلومات والاتصالات والقنوات الفضائية والانترنت.
وفيما يلي نص الحوار:
* لماذا ينكر الغربيون دور الحضارة الإسلامية في بناء نهضتهم الحديثة؟
ـ ليس كل الغربيين ينكرون دور الحضارة الإسلامية في نهضتهم وتقدمهم فهناك عدد كبير منهم يقرون ويعترفون بان الحضارة الإسلامية كانت هي البذرة لبناء حضارتهم وبعضهم يقول لولا الحضارة الإسلامية لتأخرت حضارة الغرب أكثر من مائتي عام، ولا يستطيع احد من الغربيين أن ينكر أنهم اخذوا الفلسفة اليونانية عن العرب لان الأصل اليوناني ضاع والعرب هم الذين ترجموا الفلسفة اليونانية وأخذها عنهم الغرب، وهذا لا ينكره أحد من الغربيين إلا إنسان لا قيمة له، ونحن نعترف أن هناك بعض الغربيين يعرفون الحقيقة لكنهم لا يحبون الحديث عن الحضارة الإسلامية أو الاعتراف بها، أما الفريق الذي يقول انه لأفضل للحضارة الإسلامية على الغربية فهم قلة لاقيمة لهم ونحن نعترف أن الغربيين لم ينقلوا العلوم الإسلامية ووقفوا عند هذا الحد وإنما بنوا عليها وأضافوا إليها الكثير.
* إذا أردنا كمسلمين الاستفادة من الحضارة الإسلامية في الوقت الحاضر فما الذي يمكن أن نستفيد منها على وجه التحديد؟
ـ يجب أن يفهم المسلمون دينهم قبل كل شيء، فالإسلام ليس ـ كما يعتقد بعض المسلمين ـ انه لحية وجلباب ومسبحة وسواك وما إلى ذلك من المظاهر الشكلية وإنما عمل وإنتاج ولو فهمه المسلمون بهذه الطريقة فإن بإمكانهم بناء حضارة ومشكلتنا اننا لم نفهم الدين ومفهوم المتدين في أذهاننا مختل وغير صحيح فالمتدين عند المسلمين هو من يطلق لحيته ويرتدي جلبابا قصيرا ويمسك بالمسبحة ويظل في المسجد في حين أن الإسلام ليس هذا وإنما هو عمل وجد واجتهاد وإنتاج ومسؤولية والتزام.
وهذه المعاني كلها غائبة عن المجتمع الإسلامي ولو ذهبنا لأي هيئة أو مؤسسة من مؤسساتنا لقضاء مصلحة ما نجد أنها تستغرق أياما في حين أن مثل هذه الحاجة أو المصلحة تنجز في البلاد المتقدمة في دقائق معدودة ويستطيع الشخص الحصول عليها وهو في بيتة بالتليفون أو بأية وسيلة أخرى وهذا هو الإسلام وتلك قيمه ومبادئه التي أخذها الغرب وطبقوها واستعانوا بالمنجزات الحديثة في تثبيت وترسيخ المبادئ والأخلاقيات في المجتمع.
* هل هذا يدفعنا إلى القول إن الحضارة الإسلامية لم يعد لها وجود خاصة في ظل هذا الواقع المتخلف الذي يعيشه المسلمون؟
ـ لا نستطيع القول إن الحضارة الإسلامية لم يعد لها وجود لكنها متوارية ومختفية وغير ظاهرة وليس لدى المسلمين وعي أو إدراك بها وإذا أدركوها نسبوها للغربيين فمثلا إذا أراد مسلم أن يحدد موعدا لآخر ويريد منه الالتزام بهذا الموعد وعدم التأخر عنه يقول «موعد خواجه يعني» اي الالتزام به وهذا مبدأ إسلامي لكنه غاب عن المسلمين فنحن في حاجة إلى الوعي بحضارتنا والوعي لا يتحقق إلا من خلال نظام تعليمي جيد وللأسف النظام التعليمي الموجود في بلادنا سييء يقوم على حفظ بعض الجمل وكتابتها في ورقة الإجابة في الامتحان وهذا التعليم لا يكون شخصية في حين أن الإسلام يكون شخصية.
* إذا أردنا تكوين شخصية مسلمة تستفيد من حضارتها وفي نفس الوقت تواكب الحضارة الغربية وتأخذ بمنجزاتها فهل هذا ممكن.. وكيف يتحقق ذلك؟
ـ الإسلام عندما خرج من الجزيرة العربية وانتشر في العالم لم يغمض عينه عن الحقائق التي كانت موجودة وإنما أخذها وأدخلها في منظومته وصبغها بالصبغة الإسلامية وغير ما كان مخالفا للإسلام فيها.. نحن لدينا تراث يجب أن نأخذ الصالح منه نستفيد به ونطوره وأيضا ننقل عن الغرب ونطور بحيث لا نكون مقلدين مثل القرود ولذلك علينا أن نطور ونطوع ما ننقله ليتواءم مع أسلوب حياتنا ومبادئنا وتقاليدنا وللأسف المسلمون يقلدون الغرب فيما يطلق عليه «نفايات الحضارة» مثل الديسكو والملابس وما يتعلق بالشكل والمظهر والغربيون أنفسهم يسمونها نفايات الحضارة لان الحضارة هي السلوك والأخلاق والعمل والانتاج والمسؤولية والالتزام، أما ما حولها فهو النفاية، فنحن أخذنا النفايات وتركنا الجوهر.
* من المسؤول عن دعم هذا التوجه في العالم الاسلامي نحو نفايات الحضارة وترك الحضارة الحقيقية وجوهرها؟
ـ المسؤولية تقع على عاتقنا جميعا خاصة المسؤولين عن التعليم والإعلام لان وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية تمثل معامل هدم الحضارة الإسلامية لأنها تنشر الدجل والخرافات وتجعل الحضارة الإسلامية فقط في مجال الخرافات والأساطير وغيبوبة العقل.
فالإعلام والتعليم مسؤولان بصفة أساسية عن دفع ابنائنا وشبابنا تجاه نفايات الحضارة الغربية ويجب أن ندرك أن كل فرد على ثغر من ثغور الإسلام فيجب أن يحرص على ألا يؤتي الإسلام من قبله، ونحن نحاول تطبيق تعاليم ومبادئ وجوهر الحضارة الإسلامية لكننا مثل النغمة النشاز في المجتمع. رغم انه علينا أن نلتزم بقيمنا ونحاول رفع مستوى أبنائنا ونحثهم على فهم الإسلام بطريقة صحيحة وعقلانية.
* إذن كيف نبدأ كعالم إسلامي بداية صحيحة لبناء حضارتنا من جديد؟
ـ يجب إصلاح التعليم ووسائل الإعلام وان يقوم المدرسون والدعاة والإعلاميون بدورهم وان يكون هناك برنامج متكامل للنهوض بالمجتمع من جديد.
* هناك دعوات للانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى فما هي الضوابط التي ينبغي أن تحكم هذا الانفتاح حتى نتجنب مخاطر الذوبان وفقدان الهوية؟
ـ كل شعب له خصوصيته الحضارية والثقافية ويجب أن تحترم من جانب الشعوب الأخرى وان تكون هناك تعددية حقيقية وألا تسعى حضارة إلى فرض هيمنتها وسطوتها على الحضارات الأخرى لكن ذلك لا يعني اننا ندعو إلى الانعزال وعدم التواصل مع الحضارات الأخرى فلن يستطيع مجتمع يعيش في عالم اليوم وهو يقيم سياجا يمنع أبناءه من الاتصال والتواصل مع الثقافات الأخرى فهذا مستحيل في ظل ثورة المعلومات وثورة الاتصالات التي نعيشها وفي ظل وجود القنوات الفضائية وشبكة الانترنت وغيرها وبالنسبة للمسلمين يجب أن نقر بان الإسلام لم يحرم عليهم الاتصال بالثقافات والحضارات الاغريقية والفارسية والرومانية وغيرها فقد نقلوا النافع من هذه الحضارات ودمجوه في الحضارة الإسلامية كما أن الحضارة الإسلامية ليس منابعها عربية فقط فقد ساهم فيها الفرس والترك واليونان.
وغيرهم لكن كل هذا انصهر في بوتقة الحضارة الإسلامية، وبالنسبة للأجيال المعاصرة يجب أن نرسخ في نفوس الشباب ثقافتنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ثم نتركهم ليأخذوا عن الغرب وغيره لأننا بذلك نكون قد حصناهم وأصبحنا على ثقة أنهم سوف يأخذون ما يوافق ثقافتنا ويتركون مالا يتفق معها لأننا بينا لهم القدرة على التميز بين ما يضر وبين ما ينفع.
* كيف نستطيع تحصين الشباب حتى لا ينخدع ببريق الحضارة الغربية وحتى لا يتخلى عن القيم والتقاليد الإسلامية؟
ـ هذا يتطلب تدريس الثقافة الإسلامية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية حتى يتمسك الطالب بعاداته وتقاليده وقيمه وتعاليم دينه وهذا يجعلنا نتخلص من ظاهرة التقليد السييء للغرب لأن الشباب ـ للاسف ـ لا يقلدون الغرب في الثقافات النافعة وإنما يقلدونه فيما نستطيع تسميته بنفايات الحضارة مثل الديسكو والرقص والغناء والملابس.
وغير ذلك من الأمور الهامشية في حين كان من المفترض علينا أن نقلد الغربيين في العلم والقيم التي تعلو وتسمو بالإنسان وتمجد النواحي الروحية، ومعظم شبابنا يعتقدون أن التحضر يتمثل في ارتداء الجينز والذهاب إلى الحانات وصالات الديسكو رغم أن هذا أبعد ما يكون عن التحضر، والغربيون يعترفون بذلك ويقولون إن هذه الأمور بمثابة تنفيس عن الناس التي تقضى في العمل معظم ساعات اليوم.
القاهرة ـ ضياء الدين احمد