قال الشيخ: انقل لكم في هذا المجلس صورتين عن مشاعر سلبية طاغية عند رجلين فاتحاني بما يفكران به ويخافان منه، هامساً في أذن حواء: أن تداركي رجلك قبل أن يقتله الغم أو يضيعه الطيش.

فأما من ينتظر أن يقتله الغم فهو رجل يمثل شريحة ليست صغيرة بين الرجال، لم يصل إلى الزواج إلا بعد أن دفع ثمناً باهظاً أكثر من طاقته ألزمه به مجتمع ضيق على الرجال وطالبهم بما لا يستطيعون من مهر مرتفع وسكن مستقل وشؤون أخرى، وهو بعد زواجه يمضي أكثر يومه في عمل مرهق ليرضي زوجته ويطعم أولاده، وطبيعي أن يشعر مثل هذا الرجل بأنه قد استنفذ حتى آخر قطرة من دمه حتى يقيم أسرة ويحافظ عليها.

قال لي هذا الرجل: أتعرف يا شيخنا أننا كرجال لا نزيد على الرقيق لدى زوجاتنا بشيء، إن زوجتي تعرف أنني لا يمكن بحال من الأحوال أن أتحول عنها إلى زواج آخر وقد أنفقت كل ما جنيت واستدنت فوقها لأحصل عليها ولأنفق على أولادها، وهي لهذا لا تدخر شكلاً من أشكال النكد النسائي إلا وتمارسه في حقي مبخسة أولاً كل ما قدمت وأقدم، معتبرة أن ما فعلته يفعله الحقير من الرجال، وانها تستحق أكثر مما أستطيع بكثير، وانني على هذا لا أمتلك حقاً عليها وليس عليها لي أدنى الواجبات، إن الرجل فيما سلف ـ والحديث لصاحبنا ـ كان قادراً في أية لحظة أن يسرح زوجته ليتزوج من أخرى لا يمنعه عن ذلك عجز عن دفع المهر المؤجل لزوجته الطالق والمهر المقدم لزوجته العروس، وكان قادراً على أن يدخل على زوجته ضرة أو ضرتين أو يهدد بذلك على الأقل لتتأدب زوجته الأولى وتسير على الصراط المستقيم، أما اليوم فأنا وغيري لا نملك أن نرفع رؤوسنا في حضرة نسائنا اللاتي لا يعترفن لنا بأي فضل، واللاتي يعرفن عجزنا عن مجرد التفكير في الطلاق أو الزواج بأخرى، فحياتنا وجهودنا وطاقاتنا لا تسمح بطلاق أو زواجٍ ثانٍ، فنحن الأسارى في قيد رق نسائنا مع أن الأمور تصور خلاف ذلك.

لست في صدد مناقشة الرجل أو مقارعته بالحجة لأن ما به من هم وغم يكفيه، ولكن الحياة في الأسرة الإنسانية يجب أن ترتقي وتسمو عن ذلك وليس قليلا على الرجل أن يشعر أن مجرد عجزه عن طلاق زوجته وزواجه أو زواجه بأخرى هو الذي يجعله يحافظ على بيته وأسرته، ولا يحتمل عند الرجل أن يشعر أن كل ما قدمه في سبيل بناء الأسرة وهو لا يستطيع بحال من الأحوال أن يقدم مثيله وهو العاجز عن أن يكون إلا زوجاً لها ومنفقاً على أولادها، إنني أهمس في أذن كل حواء كهذه: أترضين أن تكوني والزمن على زوجك المسكين، ولماذا تضطرينه إلى الشعور بأن ضيق ذات يده هو السبب الوحيد لارتباطه بك، إنني أحذرك من أن تكوني ممن وصفهن الرسول الكريم بأنهن من أكثر أهل النار والسبب الأول لهذا أنهن يكفرن العشير.

قرأت مرة لتوفيق الحكيم تعبيراً يصف حياة الزوجين بأنها كحياة فرسين يجران عربة تحمل الزمن الذي يلهب ظهري الفرسين بالسياط، فكلما هوى السوط على ظهر أحد الفرسين مال برأسه مستنجداً بشريكه وطالباً منه الدعم والتعاطف، أما المرأة التي يصفها صاحبنا فهي كمن تترك رفيقها وتعتلي العربة مع الزمن لتشارك هذا الأخير في متعة جلد الزوج المسكين، أيليق بزوجة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تفعل مثل ذلك.

وعندنا أن مثل هذه المرأة أعمتها الدنيا وزينتها ولم تؤمن بقضاء الله وقدره، ولم يصل الإيمان إلى سويداء قلبها بحيث يزرع فيه الشكر والقناعة، ولم تتأدب بأدب الإسلام في حسن معاشرة الزوج وتقدير سعيه إلى ما يرضيها ويرضي أولادها، فهي مبتلاة بالحرص والطمع وهما شر ما يبتلى به ابن آدم ويقضي على السعادة في حياته.

وأعجب من قوم لا يزالون يصرون على جدال مريض ومقيت حول تعدد الزوجات، ونحن في زمن يقدر للفالح فيه أن يتزوج من امرأة واحدة ويرضيها، ومن قوم يصورون الرجل كما هو في التصور الإسلامي مالكاً لنسائه مع أن الواقع يؤكد عكس هذا ولسنا في هذا نعمم حكمنا على كل النساء فلا تزال المؤمنات الذاكرات الشاكرات الصابرات يزين عالم حواء ومن فيه.

هذه صورة يبدو أن نسبة تواترها وتعدادها لم تعد قليلة، وهي صورة تعيب صاحباتها وتطعن في دينهن وتمثل خطراً على حياتهن وآخرتهن، أصلحنا الله وأصلح نساء المسلمين.

ماهر سقا أميني