تتنافس الدراسات الاجتماعية الحديثة في التعرف على مدى اعتقاد الإنسان بالأبراج، تلك التي يراها البعض علماً له أصول علمية متفق عليها، أصل له كثير من القدماء والمحدثين، ذلك العلم يحول جاهداً الربط بين تحركات الأبراج الفضائية التي أحصي عددها بـ 12 برجاً بسلوكيات البشر، وهذا الأمر يعتقد فيه الكثيرون من أبناء الثقافة العربية والإسلامية، على الرغم من رفض الإسلام لهذا التنجيم وتأكيده على أن تصديق مثل هذه الأمور يعد خروجاً عن العقيدة الإسلامية القويمة.

ولكن نص «كذب المنجمون ولو صدقوا أو صدفوا» الذي يعتمد عليه بعض رافضي هذا التنجيم باعتباره نصاً لحديث نبوي ، اتضح من خلال البحث والدراسة والتحقيق أنه حكمة وشعار لا علاقة له بالحديث النبوي.

يقول طه أبوكريشة الأستاذ بجامعة الأزهر: إن عبارة «كذب المنجمون ولو صدقوا» شعار يلخص حكمة أمة وتجربتها الممتدة ، ومعناه أن الإنسان الكاذب يوصف بالكذب ولو صادف الحقيقة أحيانا، لأن مصادفة الواقع أو الحقيقة لا تعني أن الكذاب يريد ذلك وإنما تعني أن الواقع ساعده على أن تكون تجربته صحيحة، بل إن كلمة «المنجمون» كلمة واسعة تعني أمورا بعضها صادق وبعضها كاذب.

ويضيف: إن التنجيم بعيد عن علم الفلك، فالتنجيم أمور تقوم على الخيال لكن العلم عبارة عن مجموعة مسائل منضبطة كل مسألة منها لها مقدمات ولها نتائج، ثم تجمع بينها روابط لتصل في النهاية إلى تحقيق حركة تقدم العلم، أما التنجيم فإنه بكل المقاييس لا يضم مسائل منضبطة أو محكومة بقانون تؤدي من المقدمات إلى النتائج فالتنجيم أشبه بتفسير الأحلام لا يعتمد علي قواعد، وبالتالي فلا التنجيم علم ولا تفسير الأحلام علم، فالتنجيم نسبة إلى النجوم والنجوم ليست فاعلة أو مؤثرة ولو بالقانون الطبيعي.

ويفسر أبو كريشة شيوع فكرة تأثير النجوم في البشر بأن الفيلسوف أرسطو كان قد وضع نظرية العقول العشرة والأفلاك التسعة، ليفسر بها كيف خلق العالم وكيف نتصرف في الدنيا، وانتهى في نظريته إلى أننا نعيش في مقعر فلك القمر والمقعر يحركه الفعل رقم 10، وكل مقادير الناس مكتوبة في مقعر فلك القمر، وهي نظرية خيالية بالطبع وتجاوزها العلم حاليا بعد الاكتشافات التي وضعت أموراً كثيرة في نصابها، وبالتالي فتأثير النجوم في البشر يجب أن يكون في متحف التاريخ الآن.

ويرى أن المنجم في محاولته الوصول إلى الغيب يستعمل طريقتين الأولى ابتدعها اليهود أيام النبي بهدف تحديد عمر الأمة الإسلامية، فخمنوا أن الحروف المفردة التي تفتتح بها السور بها السر فقاموا بوضع نظام الجفر، حيث جعلوا لكل حرف من الحروف الأبجدية رقماً حسابياً، ثم جمعوا هذه الأرقام التي تدل على الحروف المفردة ليحددوا عمر الأمة الإسلامية، لأنهم يتصورون أنهم سيتسلمون زمام الأمور بعد انتهاء عمر الأمة الإسلامية، ثم صارت طريقة الأرقام وسيلة من وسائل التخمين في أمور المستقبل ومنها قراءة الطالع، وهي طريقة خيالية لكن الناس صدقوها.

أما الطريقة الثانية فهي طريقة علمية لكن انحرف البعض بها، وهي عبارة عن التعامل مع البروج التي تدور حول الأرض، حيث يدور حول الأرض 12 برجا، والبرج عبارة عن مجموعة من النجوم التي ترسم شكلا معينا، هذه الأشكال سماها أهل البادية بما يقاربها في بيئتهم، فكان برج الثور والدلو والعقرب وغير ذلك، وهذه أمور علمية لكن اختلط بها الخيال، فقالوا طالما هذه بروج والبروج جمع برج والبرج مجموعة من النجوم والنجوم مؤثرة يكون كل واحد ولد في برج معين يخضع لمؤثرات هذا البرج، وبالتالي هذا تنجيم وهو ما يختلف عن علم الفلك.

أما د. أحمد كمال أبو المجد الأستاذ بجامعة الأزهر فقد أكد أن التنجيم علم وإن اتهمه بالدجل أيضاً فقال: إن التنجيم علم قديم يعتمد على معرفة حركات الكواكب في الأبراج، ويضع لكل مكان لكوكب بين الأبراج حدثا مرتبطا به كالحرب والسلام والغني والفقر والعواصف والزلازل.

وأضاف: إن الأساس في الموضوع رياضي، ولا خلاف في أنه علم معتبر في تحديد أماكن سير الكواكب لكنه شيطاني في نسبة الحوادث إلى حركة الكواكب، ومعنى كونه شيطانيا أن الشياطين تظهر في صورة معينة عند توقف الكواكب في نقطة معينة في مسارها، فتبدو الشياطين على هيئة زراعة أو شاب قوي نشيط فيستدل بذلك على النماء والقوة، وتظهر بصورة سوداء كالحة أو حيوان مؤذ فيستدل بذلك على الشر والمصائب، وقد سجل البعض النقاط المختلفة لسير الكواكب فيما يزيد على أربعين موقعا حسب الصور التي ظهرت لهم، وعلى أساس ذلك يحددون توقيت الأحداث بناء علي هذه الصور الشيطانية، ومن هنا كان الكلام عن المستقبل دجلا وكذبا يحدثه الشياطين وينقل ذلك العرافون.

وقال: إن التنجيم ظل عبئا على علم الفلك الذي تخلص منه في العصور الحديثة، فاقتصر الفلك علي النواحي الرياضية والطبيعية وابتعد عن الأكاذيب والخرافات التي حاربها الإسلام، وجعل المستقبل غيبا لا يعلمه إلا الله ولا يعتد به إلا بالحقائق الكونية.

وأشار إلى أن وقوع بعض تخمينات المنجمين هو من باب الصدفة وليس من باب العلم، وهو أمر لا يعول عليه ولا يصلح أساسا للاعتماد أو التصور، من أجل ذلك كان تصديق ذلك خروجا على التدين الصحيح يؤدي إلى الكفر إذا اعتقد صاحبه أنه حقيقة لا مراء فيها وأن المنجم يعلم الغيب دون شك.

وكالة الصحافة العربية