منذ انهيار الحضارة الإسلامية وتراجعها أصبح المسلمون يعانون من التخلف التكنولوجي ومع تسارع وتيرة المنجزات الحضارية والتكنولوجية في الغرب تضاعفت درجة اليأس والتشاؤم لدى المسلمين بسبب صعوبة اللحاق بركب الغرب وقد حاولت بعض البلاد الإسلامية النهوض ووضعت مشروعات لتحقيق هذا الهدف.

ويختلف المسلمون حول أسباب تراجعهم وابتعادهم عن دائرة المنافسة الحضارية، فالبعض يرجع ذلك إلى أسباب دينية وابتعاد المسلمين عن تعاليم الإسلام وتبعيتهم للغرب في حين يرى البعض الآخر ان غياب الإرادة هو أساس المشكلة لكن يتفق الجميع على ان العالم الإسلامي يمتلك مقومات التقدم وهو قادر على المنافسة من جديد.

* هل يستطيع المسلمون استعادة حضارتهم وتحقيق التقدم واللحاق بركب الغرب؟

في البداية يعرب الدكتور محمد السعيد جمال الدين الأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس عن أسفه لأن المسلمين ليس لديهم الحافز المعنوي الذي يدفعهم إلى التقدم وليس في دينهم ما يحول بينهم وبين التقدم، مشيراً إلى أن العالم الإسلامي يمتلك الإمكانات المادية ويتمتع بموقع جغرافي ممتاز ويتحكم في بعض الطرق والممرات ويمتلك ثروة بشرية هائلة ورغم ذلك يعانى المسلمون من التخلف، ويرى ان البداية على طريق النهضة يجب أن تكون من خلال الاعتراف بأننا متخلفون وأن الأمم الأخرى سبقتنا وتفوقت علينا، موضحاً أن قضية التخلف في العالم الإسلامي طرحت منذ نحو قرنين من الزمان رغبة في إصلاح الأوضاع وقد تركزت المناقشات حول ان الحضارة الإسلامية تتميز بوجود المصلحين فيها بصفة مستمرة، ففي الحديث «يبعث الله على رأس كل مئة من يجدد لهذه الأمة دينها» وهؤلاء المصلحون يهتمون بالإصلاح المادي والروحي.

ويشير الدكتور جمال الدين إلى أن العلماء والمفكرين اختلفوا حول تحديد نقطة السقوط بالنسبة للدولة الإسلامية وحضارتها فأرجع البعض ذلك إلى الدولة الأموية حينما تحولت الخلافة إلى ملك عضود في حين يرجع البعض الآخر تدهور العالم الإسلامي وتخلفه إلى القرن الخامس عشر الميلادي في أعقاب فتح القسطنطينية، فعندما استرخى المسلمون واطمأنوا تراجعوا تدريجياً عن الإمساك بعوامل القوة في وقت شعر فيه الأوروبيون أنهم مستهدفون وأن أرواحهم في أيدي العثمانيين فتعالت همتهم وحشدوا طاقاتهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والتصدي للوجود العثماني. ويضيف قائلاً عقب هذه الأحداث كان الانهيار الإسلامي سريعاً فلم تمض خمسون سنة على فتح القسطنطينية حتى طرد المسلمون من الأندلس في عام 1492م ثم استمر التراجع حتى نجحت الدول الأوروبية مثل انجلترا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وغيرها في احتلال البلاد الإسلامية، ومنذ ذلك الوقت بدأ التخلف يخيم على المسلمين واقترن الفقر والجهل بالعالم الإسلامي.

ويؤكد الدكتور جمال الدين أن الدول الإسلامية حاولت اللحاق بركب التقدم وتجاوز التخلف لكن كل دولة منها سارت في طريقها منفردة فتركيا مثلاً حاولت التخلص من تاريخها الإسلامي لتلحق بركب الحضارة المادية وتنكرت للجوانب الروحية التي كانت السبب في تقدمها وتبعتها في ذلك بعض الدول الإسلامية الأخرى وحاولت دول آخري تحقيق التقدم لكن محاولاتها كانت مجردة من كل أدوات القوة فمحاولة محمد علي نجحت لكنها أجهضت عندما حاولت مصر اللحاق بركب الحضارة الحديثة وتبعتها محاولات آخرى لكنها عجزت عن تحقيق التقدم.

ويخلص الدكتور جمال الدين إلى القول ان التخلف وصمة عار لابد أن يتخلص منه المسلمون بأية وسيلة من الوسائل وعليهم أن يعملوا ليكون تقدمهم على أسس علمية رشيدة مع التركيز على التصنيع والاعتماد على الذات وعدم اللجوء إلى استيراد السلع الاستهلاكية والاهتمام بالعنصر البشري لأنه المقياس الحقيقي لتقدم الأمة وإعداد العقول المبدعة المبتكرة.

ويرى الدكتور قاسم عبده قاسم أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة الزقازيق ان العالم الإسلامي لكي ينهض فإنه يحتاج شيئاً واحداً هو الحرية لأنه بالحرية يستطيع المسلم أن يفكر كيف شاء ويعلن عن رأيه ويؤمن بالتعددية وعندئذ نستطيع السير في الطريق الصحيح.

ويضيف أما في ظل الأوضاع الحالية التي نعيشها فلا أحد يستطيع أن يمارس رفاهية الخطأ فإذا كان من حقي أن أتكلم وأعلن عن أفكاري وإذا كان من حقي أن أخطئ ومن حق الآخرين الأخذ برأيي أو رفضه فليس من حق أحد أن يحاكمني على شيء قلته لأنه يختلف معي في الرأي أو أن ينفيني فكرياً كما تنفيني الدولة سياسياً إذا اختلفت معها.

ويشير الدكتور قاسم إلى أنه عندما توجد الحرية على كل المستويات بدءاً بحرية التعبير عن الرأي في السياسة والعلم وغير ذلك دون خوف سنكون قد وصلنا إلى تلمس طريق الهداية، مؤكداً ان إشاعة مناخ الحرية كفيل بانطلاق المبدعين والباحثين والمفكرين لإيجاد إبداعات واختراعات في كل المجالات خاصة وأننا لا نفتقد هذه الكفاءات ولكن المناخ العام لا يشجعها على الإبداع.

ويؤكد ان الإرادة موجودة لدى العالم الإسلامي، فكل المسلمين راغبون في التقدم ويريدون لبلادهم ان تكون على قمة العالم لكن هذا من قبيل الأماني والرغبات التي لا تقوم على خطط ومشروعات لتحقيق هذا الهدف.

دراسة الواقع

من جانب آخر يرى الدكتور عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس للأعلى للشؤون الإسلامية ان المستقبل للإسلام لأنه الدين الوحيد الذي يحقق للبشرية السعادة في الدنيا والآخرة وهو الوحيد الذي يستطيع إخراجها من هذا الصراع المادي وطغيان المادة على كل شيء وهو الذي يستطيع ان يجعل الشعوب تعيش حياة متوازنة بين الماديات وبين الروحانيات، فهو دين وسط يصلح لكل زمان ومكان وكل ما يريده الإسلام ان يكون له رجال يؤمنون به ويلتزمون بكل تعاليمه ثم ينشرونه بين الناس، فالإسلام قوته ذاتية وإذا تعرفت عليه شعوب العالم معرفة جيدة فسوف تعتنقه من تلقاء نفسها وهذا هو ما حدث في العصور الإسلامية الأولى لأنه لم يكن باستطاعة الجيوش الإسلامية مهما كانت قوتها ان تفتح كل هذه البلدان التي أصبحت إسلامية الآن، فالذي حدث ان التجار هم الذين نشروا الإسلام لأنهم كانوا قدوة في أخلاقهم وتعاملاتهم فأعجب بهم الناس واعتنقوا دينهم.

وحتى يتجاوز المسلمون واقعهم المتخلف يؤكد الدكتور مرزوق على ضرورة دراسة الواقع الذي نعيشه بدقة ونحلله بعمق ذلك لأنه ظهرت في السنوات الأخيرة بوادر صحوة إسلامية لكنها قامت على الشعارات والمظهريات التي تمثلت في إطلاق اللحية وارتداء الجلباب القصير وحمل السواك والالتزام بسلوكيات معينة، مؤكداً ان هذا وحده لن يفيدنا كثيراً وإنما لابد ان نحدد دوافعنا وأهدافنا في مواجهة هذا القرن الجديد الذي ظهر فيه العداء لكل ما هو إسلامي بصورة لم تكن تخطر لنا على بال، ذلك ان أعداءنا تمكنوا من الإمساك بزمام القوة وامتلكوا ناصية العلم وأصبحوا يتحكمون في مقدراتنا ويتهموننا بالتطرف والإرهاب وعلينا ان نعرف كيف نخرج من قبضتهم وان نمتلك حريتنا ونبنى كياننا حتى نصبح مثلهم أو نتفوق عليهم وهذا لن يتحقق بالشعارات وإنما بالعودة إلى منهج القرآن في بناء الإنسان والدولة وان نبحث بجدية عن أسباب ضعفنا وتخلفنا في مواجهة الآخرين.

ويرجع الدكتور عبدالصبور تخلفنا إلى وجود خطأ في رؤية ومنهجية التعامل مع كتاب الله فعندما كنا نتعامل مع القرآن بطريقة صحيحة وعندما فهمنا دعوة القرآن إلى العلم في أول آية نزلت من القرآن الكريم «اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم» وهذه الآيات تعنى ان نقرأ أولاً في كتاب الكون المنظور ثم نقرأ في المصحف الشريف بحيث يكونان وجهين لعملة واحدة هما العلم والإيمان وبذلك تظل المسيرة محكومة بهذين المعنيين، موضحاً انه عندما كانت الدنيا تسير بهذين المعنيين وعندما كانت الدنيا تسير مع الدين في اتجاه واحد كان هناك من العلماء مثل الرازي وابن الهيثم وابن النفيس وغيرهم من العمالقة الذين بنت أوروبا نهضتها وحضارتها على ما نقلته من علومهم.

ويشير الدكتور مرزوق إلى وجود مفارقة في الوقت الحاضر في حياة المسلمين بين القرآن ككتاب يتلى وبين كونه ينبغي ان يحكم حياتنا وسلوكنا وهذا أدى إلى تخلفنا في العلوم الدنيوية التي هي ضرورية ومطلوبة وأصبحنا تابعين للغرب ندور في فلك تقنياته وعلومه وأصبحنا في موضع المفعول به لا الفاعل لأننا نأخذ الإسلام كشعار دون تطبيق أحكامه ومبادئه.

الفهم المستنير

ويؤكد الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف ان تخلف المسلمين الآن يرجع إلى غياب الفهم المستنير للإسلام، مشيراً إلى ان المسلمين أصبحوا يرددون آيات القرآن دون فهم ويقرأونه على الأموات ويصنعون منه الأحجبة ويضعونه في البيوت والسيارات بمثابة ديكور أو للتبرك به وأحياناً يتخذون منه حرفة للتداوي والعلاج بالقرآن.

ويرى انه لهذه الأسباب فقد المسلمون مفاتيح الحضارة وتخلوا عن مسؤوليتهم في عمارة الأرض ـ التي هي فريضة إسلامية ـ وتركوها لغيرهم على عكس المسلمين الأوائل الذين فهموا الإسلام حق الفهم ونجحوا في إقامة حضارة هي من أطول الحضارات عمراً في التاريخ الإنساني كله.

ويضيف الدكتور زقزوق بعض الأسباب الأخرى التي أدت إلى تخلف المسلمين ومنها الانفصال بين القول والفعل وبين العبادات والمعاملات فكثير من المسلمين يصلون ويصومون ويحجون ويؤتون الزكاة لكن كل ذلك لا ينهاهم عن الرشوة والغش والكذب ولو كان المسلمون ملتزمين بتعاليم دينهم لعرفوا ان إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان بالإضافة إلى ان العقل المسلم لم يعد مبدعاً ولا مبتكراً وأصبح يعتمد على ما ينتجه الآخرون.

ويعرب عن أسفه لأن المسلمين يركزون على الشكليات والمظاهر في حين ان التقدم يتطلب العودة إلى الإسلام وفهمه فهماً شاملاً والوعي بتعاليمه بوصفه دين العلم والسلوك المسؤول، مؤكداً ان التركيز على الشكل دون الجوهر والأخذ بالقشور دون اللباب لن يحقق لنا الحضارة التي نتمناها والتي هي فريضة إسلامية ويجب على المسلمين ان يساهموا في صنع الحضارة وان ينافسوا الأمم الأخرى حتى تعود لهم مكانتهم وعزتهم ويعود إليهم ماضيهم المجيد.

ويدعو إلى ضرورة تغيير العقلية المسلمة وإعادة صياغتها بما يجعلها تتواءم مع العصر وتستوعب المنجزات الحضارية وتندفع إلى منافسة العالم، موضحاً اننا لا نريد التهوين من أنفسنا لكننا في حاجة إلى إرادة قوية حتى يكون لنا مكان في هذا العالم ويجب ان نتذكر ان حالنا الآن أفضل من حال المسلمين الأوائل في بداية البعثة النبوية فقد نجح المسلمون في بناء حضارة رغم العقبات التي كانت تعترض طريقهم ورغم وجود دولتين كبيرتين كانتا تهيمنان على العالم في ذلك الوقت هما الدولة الرومانية والدولة الفارسية.

القاهرة ـ «البيان»: