دعا الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإستراتيجية النظر إلى إيران بوصفها دولة جارة وصديقة تربطنا بها روابط تاريخية ومصالح اقتصادية وتقارب في نمط الحياة الاجتماعية مشيرا إلى اللقاء بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس أحمدي نجاد الذي اتفق فيه على إخماد نار الطائفية المشتعلة في العراق وإطفاء جذوتها في لبنان.

وقال أمس في كلمته خلال مؤتمر النظام الأمني في منطقة الخليج الذي ينظمه مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية في أبوظبي انه إذا كان هناك خلاف مذهبي بين إيران ودول المجلس فيجب ألا يؤدي هذا الخلاف المذهبي إلى أي نوع من العداء والكراهية لأنه خلاف قديم يصعب علاجه بين يوم وليلة وتجاوزه يكون بتحكيم العقل والرجوع إلى جوهر الدين الإسلامي الحنيف، وتغليب سماحته،

وتوعية عامة الناس بأن التعايش مطلوب من أجل توفير الأمن للمنطقة، وأن لا فائدة من تسخير جزئيات من السلبيات المذهبية في زمن يحتاج فيه الناس إلى التقارب والألفة لتحقيق الرفاهية والاستقرار لشعوب المنطقة بأكملها. وقال: لا يحق للمجتمع الدولي أن يكيل بمكيالين فيحرمنا وإيران بل يندد بنا جميعاً عندما نسعى لاقتناء أسباب المعرفة النووية من جهة، ويغض الطرف بل ويدير ظهره لما قامت وتقوم به إسرائيل التي أصبحت تملك القنبلة النووية.

وأكد ان إيران ودول مجلس التعاون نسيج باهر من السنة والشيعة يشبه في دقة حياكته أبرع ما ينسج ولكن ومع هذا كله فلا يزال هناك جرح يدمي بين ضفتي الخليج ألا وهو جرح الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية. فكيف لنا أن نتفق مع إيران في العراق ولبنان وهي لا تزال تحتل أرضاً من أراضينا ؟ أتمنى على إيران أن تواجه نفسها وتقر بأن هذا الاحتلال لا يمكن أن يدوم وأطلب من الشعب الإيراني قبل حكومته وقياداته بأن ينصفنا ولا يجور علينا وما أقسى جور الصديق والجار.

وقال ان مجلس التعاون يواجه أزمة تعكر صفو الاستقرار فيه وتهدد أمنه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وحالة الأزمة أصبحت ظاهرة تخطّى الحديث عنها النطاق الإقليمي، فغدت محور كتابات كثيرة تحللها وتبحث عن دوافعها وتقترح لها الحلول يغذي بعضها روح الكراهية والعداء مستفيدة في ذلك من خلافات مذهبية وسياسية تطرأ بين طرفي الخليج: دوله السُّنيّة على شواطئه العربية، وإيران الشيعية على الشاطئ الآخر.

وقال ان هذه الكتابات والتحليلات الصادرة عن محللين سياسيين يعيشون بعيداً عن المنطقة جعلت من إيران محوراً لمدّ شيعي يسعى حثيثاً إلى مدّ نفوذه في منطقة الهلال الخصيب مما يعني تقويض حركة التعايش السلمي بين أطياف المجتمع العربي بمختلف مذاهبه وعقائده التي ظلت قائمة على مدى قرون طويلة، ومن ثم كما يزعم هؤلاء المحللون بروز إيران كقوة مهيمنة في المنطقة،

وقد ساعد على قبول مثل هذه التحليلات غير الايجابية بروز قوى حديثة التكوين في المنطقة تدور في فلك إيران اشتطت في تحديها لكل ما يخالف توجهاتها فلجأت إلى العنف لتصفية حساباتها مع إخوانهم السنة فسمتهم تارة بالوهابيين، وتارة أخرى بالتكفيريين، وأشاعوا أنهم ممن ساندوا أو سكتوا على اضطهادهم في فترة صدام حسين في العراق، والحق انه إذا عدل صدام في شيء، فلقد كان عادلاً في اضطهاده لكل العراقيين وبكل أطيافهم وطوائفهم.

وأشار الأمير تركي إلى أن هنالك في المقابل عناصر انطلقت من عالمنا السني بدعوة بغيضة لقتل من سموهم بالرافضة والتنكيل بهم، واجتمعت الفئتان في العراق الذي أصبح مَلْفاً ومسرحاً لشتى أنواع الكره والبغض والمنكر وهنا يبرز السؤال عن حقيقة ما يوصف بالخطر الإيراني وربطه بأحداث العراق ولبنان وانعكاسات ذلك على أمن واستقرار دول مجلس التعاون.

وأضاف: يجب أن ندرك أن جزءاً كبيراً من الخلاف المذهبي تحول إلى فعل سياسي صرف، وإذا ما تم الركون إليه تحول إلى خطر عظيم؛ لأنه سوف يصبح باعثاً على الخوف من الآخر والتوجس منه والارتياب من أفعاله، ولو استسلمنا لهذه المخاوف والتوجسات

فلن يكون هناك معنى لوجود نفوذ إيراني في العراق أو لبنان أو فلسطين، ولا لنفوذ سعودي فيهم، إذا كان الغرض أن يتواجه ويتصدى كل فريق للأخر هناك، وما يفترض أن يكون هو تعاون من أجل البناء وشراكة بين دول متجاورة تعمل سوية من أجل إخراج المنطقة من الأزمات الخانقة التي تواجهها اليوم.

وتساءل الأمير: لم لا نأتي البيوت من أبوابها ونحول هذه النفوذ إلى استثمارات في العراق ولبنان وفلسطين ودعم للتنمية فيهما بل و بيننا أيضا فنتطلع لاستثمار سعودي في مشهد أو شيراز مقابله استثمار إيراني في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية أو في الجبيل، وبذلك نُذهب عنا رجس التوجس والشك.

وقال إن دول الخليج كلها وليس دول مجلس التعاون وحدها تواجه تحديات ومصاعب جمة. تحتاج إلى حلول عقلانية أهم من تأجيج خلافات مزعومة، كالقول بصراع بين السنة والشيعة في العراق، أو البحث عن هلال شيعي أو مدّ سني هنا أو هناك؛ ففي إيران بطالة وصعوبات اقتصادية واجتماعية متزايدة وزيادة في عدد السكان مطرده.

ومثلها عندنا في دول مجلس التعاون وإن اختلفت الأرقام مما يستدعي الاجتهاد والعمل المشترك، استناداً إلى المعارف التي أكسبنا إياها الخالق وتعاون مشترك، وحالة استقرار تساعد في تطبيق خطط التنمية. وأكد سموه: أما الذين يبحثون عن حلول غيبية غير واقعية بواسطة مهدي منتظر أو إمارة إسلامية مزعومة، تستمد من الموروث التاريخي

فإنما يعترفون بعجزهم عن معالجة تحديات اليوم، بوسائل دنيوية بشرية، وفق السنن الإلهية التي وضعها الله عز وجل واشترطها لإعمار الأرض وجعل من مستلزماتها العمل ثم العمل ثم العمل، مع الإخلاص وبذل الجهد والشورى، ثم يكون توفيق الله بعد ذلك (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

وقال إن الاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة وجلهم من الشباب يجب ألا تكون بتخديرهم وجعلهم ينتظرون (مائدةً من السماء) ولا بنشر أفكارٍ متطرفة بينهم تشل قدراتهم الإنتاجية، وتُورث التواكل، وتُشيع التعصب والاختلاف.ودعا سموه إلى العمل بإخلاص للعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه ونقتدي به عليه الصلاة والسلام في تأسيس فكر سياسي بَنّاء يخص أمور الدنيا، دون إغراق في الغيبيات،

ومن ثم نشرع في فتح آفاقٍ للتعاون والبناء المشترك والتبادل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمواجهة التحديات الحقيقية. وحول القضية الفلسطينية و الملف النووي الإيراني أوضح الأمير تركي إن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تسعى لاستتباب الأمن لجميع دول المنطقة روحياً واقتصادياً،

ولذلك فلقد أكدت المملكة العربية السعودية وشريكاتها في مجلس التعاون على ضرورة حل القضية الفلسطينية، حلا عادلا، لأنها قضيتنا الأولى ومرتكز أمننا وهمنا، وكذلك على ضرورة خلو منطقة الشرق الأوسط من جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل، وحق جميع دول المنطقة المشروع في الاستخدام السلمي لجميع أنواع الطاقة، بما فيها الطاقة النووية، ولقد حثّت دول المجلس إيران لمرافقتها في هذا المجال.

وفيما يتعلق بدور المملكة العربية السعودية بالنسبة للأوضاع في لبنان أكد أن المملكة ودول الخليج كانت ولا تزال مرتبطة بكل لبنان، فلا يمكن القول بأن حلفاءنا هناك السُنّة دون غيرهم، لأن موقع المملكة الريادي في العالم الإسلامي يحتم عليها أن تكون لكل العرب والمسلمين، دون تفريق بين طائفة وأخرى، مسلمة أو غير مسلمة، ودفعاً للتنافس والشقاق فقد وجدتِ المملكة أنه من الضروري فتح حوار مع إيران بدلاً من الصراع معها في لبنان، لأن الصراع سيضر أولاً باللبنانيين كلهم،

ثم بالعلاقة بين الجارين الكبيرين على ضفتي الخليج، وأخيراً وهو الأمر الأهم سوف يضر أي صراع بالعلاقة المتوترة أصلاً بين السنة والشيعة، وهي علاقة لم نبذل بعد الجهد الكافي لعلاج اضطرابها بطرق تؤدي إلى تأصيل أسس للتعايش الحضاري في إطار روح التسامح الهائلة التي يفيض بها ديننا الحنيف، فإن لم نستطع فعل ذلك فعلى الأقل نمنع الاحتراب بين أتباع المذهبين.

ومما لا شك فيه أن أي صراع ينشأ بين السعودية وإيران في لبنان سوف يمتد إلى خارجها، ولن يجد له من مشجعين سوى المتطرفين في الجانبين الذين لا يعيشون ولا يزدهر منطقهم السقيم والأعوج المخالف للإسلام الصحيح إلا في زمن الفتن والنزاعات، فإذا غابت الفتن أثاروها،

وإذا اصطلح الناس فتنوا بينهم وأججوا الخلاف والشقاق، أما المشجع الآخر فأجنبي غريب، يعيش على خلافاتنا ويبرر وجوده بيننا بنزاعاتنا؛ ولذلك فنحن نتشاور مع كل اللبنانيين، ونسدي النصح لهم ونستمع إلى ما يخالجهم من اهتمامات وهموم ونقارب ونوازن بينهم، ولكننا حريصين كل الحرص على ألا نخدش سيادة لبنان أو أن نقدم مصلحتنا على مصالح الشعب اللبناني.

وأضاف: إذا انتقلنا إلى مشكلة العراق فسوف نجد أن هناك حاجة ملحة وضرورية إلى تعاون سعودي خليجي عربي إيراني يسعى حثيثاً لرأب الصدع دون انتظار حل الأزمة في لبنان، وإن كان حلها هناك سوف يساعد في توفير أرضية تشكل قاعدة يمكن البناء عليها، ولكن وضع العراق لا يمكن تأجيله إلى حين حل أزمة لبنان، فهو ينزف الآن وكل يوم وبغزارة، وثمة حاجة للتعاون فيه للم الشمل.

وقال الأمير إنه لمن المؤسف أن في العراق قوى سياسية لم تتعلم بعد فن التعايش وتقاسم السلطة، واللجوء إلى العقل في إعطاء كل ذي حق حقه بدلاً من السعي إلى استئصال الآخر ونفيه وتشريده إن هذه القوى بحاجة إلى أن يقدم لها العون كي تنهج النهج القويم الساعي إلى تحقيق العدالة والمساواة والحرية لأفراد المجتمع العراقي،

وعلينا ألا نسمح لها باستغلالنا من أجل تصفية حساباتها، والتمدد ألقسري على بعضها البعض مستخدمة سلاح التشدد والمذهبية، لتغطية أطماعها السياسية، وتحقيق شهوة الزعامة والتسلط. ونطالبها بالكف عن المزايدات، أن كانت عرقية أو مذهبية، وبالإخلاص في النية والصفاء في القلوب.

وعلينا نحن أن نترفع بأنفسنا عن استخدامهم، واستغلال حاجاتهم، واستثمار خلافاتهم، من أجل تصفية حساب مع عدو بعيد، أو كورقة ضغط على طامع قريب. واختتم الأمير تركي كلمته بالتحذير من خطر التطرف في الدين وقال ان هذا الخطر دهمنا ولا يزال يفعل، ولن يتوقف إلا بموقف حاسم ضده يرفضه ولا يبرره ولا يوظفه بأي شكل من الأشكال عنيفاً كان يستخدم السلاح، أم لفظياً كان يستخدم اللسان والبيان، فيشيع الكراهية والبغضاء،

ويفرد الأرضية المناسبة لشركائه، حاملي السلاح، وناشري القتل والتدمير والتفجير في مجتمعاتنا، وهو موقف يجب أن يشترك فيه مع الحكومات علماء الدين وأهل الرأي، فمثلما اكتوينا نحن السنة بنار (القاعدة) وفتنتها، هاهم الشيعة يكتوون بنار وفتنة طائفة جديدة بينهم تدعى (جند السماء) رأينا شرها، وفعلها المنكر، من النجف في العراق إلى زاهدان في إيران.

وقال: دعوني أقولها بملء فمي: فعوضاً عن الحلم بهلال شيعي، أو التخوف منه يمكن أن نعمل معاً لبناء هلال خصيب يمتد من العراق حتى لبنان، تكون لسوريا صدارة فيه، وللأردن حصة فيه، ولفلسطين زاوية فيه، ينشغل بالبناء والرخاء والسعادة وتستفيد منه دول الخليج كافة، ليكن هلالاً نتفق عليه لا هلالاً نختلف عليه.

أبوظبي ـ ماجدة ملاوي