لثقافة أولياء الأمور ومستواهم التعليمي دور محوري إن لم يكن أساسيا في تشكيل وعي الطالب وتنويره منذ سنوات عمره الأولى، ورغم الوعي الشديد بأهمية وجود علاقة بين المنزل والمدرسة الا أن هنالك أيضا إدراكا من المختصين بعدم فاعلية هذه العلاقة في مساعدة الطالب أو المعلم على النجاح
وان التواصل بين الطرفين لا يسير بالصورة المرجوة التي يمكن أن تسهم الإسهام المطلوب في إنجاح العملية التربوية والتعليمية وانه مازال محدودا وفي إطار ضيق للغاية وان السبب الرئيسي لذلك المستوى التعليمي والثقافي لبعض أولياء الأمور وعدم إدراكهم لأهمية العلاقة والتواصل مع المدرسة ونتيجة ذلك على الأبناء.
ودعا عدد من التربويين إدراج تعليم الأسر غير المتعلمة وتنويرها بشأن دورها في النجاح الأكاديمي لأبنائها ضمن خطط وزارة التربية والتعليم التطويرية وإنشاء روابط متينة مع تلك الأسر التي تشارك المدرسة المسؤولية كاملة في تنشئة الطالب وتزويده بالمعلومات والخبرات اللازمة والضرورية لبناء إنسان يساهم في رفعة وتطور مجتمعه ولا يمكن ان يتأتى ذلك من وجهة نظرهم إلا عبر اسر مثقفة وواعية.
وفي دراسة ميدانية حول أنماط النجاح والرسوب في المدارس الثانوية العامة في الشارقة التي أعدت برعاية من برنامج كرسي اليونسكو في مركز الدراسات التطبيقية في التربية والتعليم في كلية التقنية العليا للطالبات بالشارقة أكدت الدراسة ان نصف الآباء أميون أو على أكثر تقدير من حملة الشهادة الابتدائية لذا فان العديد منهم يفتقر إلى المهارات والوعي اللازمين لمراقبة تعليم أبنائهم على نحو منتظم،
كما لفتت الدراسة إلى تقديم البيئة المنزلية الدعم اللازم للطالب بصورة عامة ولكن هذا الدعم يفتقر إلى الاستراتيجيات المحددة والمدروسة التي تمكنها من الارتقاء بأداء الطالب أو التعرف على المؤشرات الدالة على ترك الطالب الوشيك للمدرسة حتى تتمكن من توفير علاج مناسب أو البحث عن حلول مبكرة كما وجدت الدراسة بصفة
خاصة ان التغييرات الاجتماعية والاقتصادية غير المسبوقة التي حدثت في الدولة في فترة ما بعد النفط أدت إلى بروز فجوة أفرزت أباء غير قادرين على توفير ظروف ملائمة في المنزل تدفع في اتجاه التطور الفكري والعاطفي السليم كما ان حوالي نصف الآباء عدا اقلية منهم يولون اهتماما مستمرا بمتابعة التقدم الدراسي لأبنائهم
ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى افتقار الوالدين إلى التعليم وارتفاع معدلات الطلاق وتعدد الزوجات بأجنبيات وغياب الأب، كما حذرت الدراسة انه اذا لم يتم مواجهة المشكلات التي يتعرض لها النظام التعليمي فان التعليم سوف يستمر على الأرجح في معاناته الحالية.
عمر الجروان موجه الخدمة الاجتماعية في مكتب الشارقة التعليمي يرى ان محور الأب هام في تفعيل الخطة العلاجية للطلاب الراسبين أو ذوي التحصيل المتدني ويحتل المرتبة الثانية من محاور التفعيل للخطة التي تضعها منطقة الشارقة التعليمية، مشيراً إلى ان المستوى الثقافي والدرجة العلمية لولي الأمر تلعب دورا مهما إلى جانب الأدوار الأخرى لان الأساس في مجتمعاتنا ان الثوابت الدينية والأعراف والتقاليد التي تربينا عليها هي خير سبيل لتربية النشء .
وذكر ان المهم في دور أولياء الأمور القدرة على استقطابهم للتواصل مع المدرسة وعدم الاكتفاء بجلبهم من اجل التحاور في سلوكيات سلبية أو تدني التحصيل لان ذلك يصيب الأب أو الأم بالإحباط، مشيراً إلى اتباع التوجيه لأسلوب تكريم أولياء أمور الطلبة المتميزين سلوكيا أو دراسيا وبالتالي زيادة نسبة التردد والتواصل وطرح القضايا التي تصب في نهاية المطاف في مصلحة الطالب.
ويعزو عمر عبد الوهاب فني المختبر في مدرسة ابن حزم المشتركة في منطقة عجمان التعليمية تدني مستوى الطلبة التحصيلي إلى أمية غالبية أولياء الأمور خاصة وان المدرسة تقع في منطقة نائية وبالتالي فقدان الطالب للقدرة على التواصل في البيت أو إيجاد من يتابعه دراسيا لان الأم أو الأب لا يتقنون القراءة والكتابة كما أن بعض الطلبة لا يتقنون العربية لان الأمهات غير عربيات وهي مشكلة نعاني منها ونحاول إيجاد الحلول دون جدوى.
وقال إن ولي الأمر المثقف يتحاور مع ابنه ويزيد من نسبة اطلاعه وتواصله مع العالم الخارجي كما أن تقديره للعلم والدراسة يكون اكبر بحيث يتخذ الطالب من ذويه في العادة النموذج الذي يحتذي به .ويرى فريد عبد الله مدير مدرسة حلوان للتعليم الثانوي في الشارقة أن الحديث عن تأثير المستوى الثقافي لولي الأمر لا يتم مناقشته دون التطرق إلى أهمية تواصل البيت مع المدرسة لان ذلك هو أساس نجاح العملية،
وأكد أن التواصل الحاصل لا يعبر عن طموح إدارة المدرسة إذ تأمل أن يكون تواصل أولياء الأمور كامل ،مشيرا إلى ان بعض أولياء الأمور الأميين قد يؤثرون سلبا على أبنائهم من خلال عدم قدرتهم على متابعة مستوى تحصيل أبنائهم أو تدريسهم لبعض المواد لكن البعض الآخر وهو موجود بكثرة يكون حريصا بصورة كبيرة لتعليم ابنه كي لا يكون أمياً وحتى يحصل على فرصته في الحياة عبر إيجاد عمل جيد ولا يتأتى ذلك إلا من خلال العلم .
وذكر أن بعض أولياء الأمور يجهلون المرحلة الدراسية لأبنائهم أو حتى اسم مدارسهم وهو أمر محبط خاصة لأبنائنا الطلبة الذين يشعرون بعدم وجود من يدفعهم ويشجعهم على التعلم والنهل من نبع العلم والطبيعي ان يخرج الطالب ابن البيئة المثقفة مثقفا لان المثل يقول «الإناء بما فيه ينضح» لكن ذلك لا يمنع من وجود حالات تشذ عن القاعدة ويكون بعض الطلبة المتفوقين منحدرين من اسر أمية لا تعرف القراءة والكتابة.
من جانبه يشعر عبد الحميد المصري معلم لغة انجليزية في مدرسة معاذ بن جبل للتعليم الثانوي في الشارقة بالإحباط نتيجة لانعدام التواصل من قبل أولياء الأمور والتي لا تزيد نسبتها في أفضل الأحوال عن 3 بالمائة وتكون الزيارة مدفوعة بأسباب أهمها رسوب الطالب أو وجود مشكلة
لكن التواصل البناء الذي يهدف إلى الارتقاء بمستوى أداء الطالب التعليمي والتربوي غائب تماما عن الميدان وقد يكون مرده أمية بعض أولياء الأمور أو انشغال المتعلمين في شؤون حياتهم العملية، مؤكدا ان ولي الأمر الأمي قد يكون ايجابيا اذ يسعى ويصر على تعليم ابنه ما لم يستطع تعلمه أو قد يكون سلبيا ولا يعطي بالا للعلم .
وقال ان توعية المجتمع الأسري بالدور الكبير المنوط بهم جزء من مهام وزارة التربية والتعليم لان المعلمين او الإدارات المدرسية لا يمكنها ان تجبر الأسر على التواصل مع المدارس لكن حملات التوعية والاجتماعات الدورية قد تسهم في رفع مستوى الوعي عند أولياء الأمور بضرورة وضع أيديهم بأيدي المدارس وصولا بالطالب الى بر الأمان.
وذكرت مايسة محمد من نموذجية الشارقة للبنين أن لولي الأمر سواء كان متعلما أم لا دورا كبيرا في دعم مستوى الطالب التحصيلي والتربوي ولا غرو ان أكثر الطلبة المتميزين ينتمون إلى اسر متعلمة تعي قيمة العلم ودوره في الارتقاء بمستوى الإنسان، مشيرة إلى ان متابعة الطلبة في المرحلة التأسيسية تحتاج إلى متابعة الأسرة
واذا لم يكن ذوو الطفل متعلمين يتراجع المستوى للطالب بصورة ملحوظة وقد يؤدي ذلك إلى كرهه للمدرسة وبالتالي التسرب منها، لافتة إلى ان بعض المدارس تضع خطة متابعة للطلبة الذين لا يجدون من يتابعهم في المنزل سواء لأسباب كزواج الأب من أجنبية وأمية الوالدين أو انشغالهم بالعمل.
سيما تيمور ولية أمر الطالبتين خلود وعائشة عيسى الزرعوني من مدرسة الرميصاء للتعليم الأساسي حلقة ثانية في الشارقة تعزو تفوق ابنتيها في الدراسة ولعبة الشطرنج للمتابعة المستمرة لهما من قبلها اذ تواظب على زيارة المدرسة ومتابعة مستوى التحصيل والاطلاع على النتائج ومواطن الضعف والقوة لديهما،
فيما ترى ان قصور الوالدين ينعكس على الطالب الذي يشعر بإهمال الأسرة له فلا يهتم بالتحصيل أو حتى الانتظام في الذهاب إلى المدرسة معتبرة رقابة الأهل وتواصلهم من الأسباب الرئيسية لضمان نجاح أبنائهم ووضعهم على بر الأمان.
وترى ختام سليم ولي أمر لثلاثة طلاب في المدرسة الأهلية الخيرية بدبي والشارقة ان ضيق الوقت يمنعها من متابعة أبنائها دراسيا الأمر الذي انعكس سلبا على مستواهم مما دفعها إلى مواظبة زيارة المدرسة والاطلاع عن كثب على أداء أبنائها، مشيرة إلى ان ولي الأمر المثقف يستطيع الأخذ بابنه ومساندته في حال تراجعه فيما يعجز ولي الأمر الامي عن ذلك وقد يسبب هذا إخفاق ذلك الطالب وحرمانه من حقه في التعلم.
تهيئة الجو لتنشئة الطالب
أوضح الدكتور سيد منصور موجه الخدمة الاجتماعية ان الأسرة والمجتمع من أبرز المؤسسات الاجتماعية التي تقوم بعملية التنشئة الاجتماعية، والمسؤولية بينهما مشتركة في تربية الأبناء التربية الصالحة، والمدرسة لا تستطيع وحدها أن تحقق الجو الصالح لتنشئة الطالب وتحقيق أسباب نموه إذا عملت بمعزل عن الأسرة لهذا أصبح التعاون بين الأسرة والمدرسة أساسا لإتمام العملية التربوية والتعليمية،
مؤكدا أن المدرسة مؤسسة اجتماعية تعمل للمجتمع وبالمجتمع، وهي مؤسسة أوجدها المجتمع لتنقل إلى أجياله الجديدة خبراته الماضية وطرائقه في الحياة ومثله وتراثه، ولا يمكن أن تتم هذه المهمة التربوية إلا إذا تواصلت بالمجتمع عامة وبالبيت خاصة، فالمدرسة مكملة لعمل البيت، وكل فصل بين عملها وعمل البيت أو تناقض بين توجيهها والتوجيه البيتي يؤدي إلى اضطراب في توجيه الطفل.
دراسة تربوية تنتقد تواصل البيت والمدرسة
خلصت دراسة ميدانية أعدتها لجنة البحوث والدراسات بمجلس الخدمة الاجتماعية في منطقة عجمان التعليمية بعنوان « تواصل أولياء الأمور مع المدارس ومدى تفاعلهم مع مشروعاتها وقضاياها، واقعه ... وما ينبغي أن يكون عليه» التي اشرف عليها الدكتور سيد منصور موجه الخدمة الاجتماعية
ولطيفة خميس الكتبي موجه الخدمة الاجتماعية في منطقة عجمان التعليمية ان التواصل بين البيت والمدرسة موجود لكنه محدود وفي إطار ضيق وليس في مستوى المطلوب كما ان الأمهات أكثر استجابة لدعوات المدارس من الآباء كما ينسحب القول على مجالس الأمهات اذ تعد اكثر نشاطا وفاعلية عن مجالس الآباء في المدارس.
وأوضحت الدراسة أن ضعف التواصل بين الطرفين يرجع بدرجة كبيرة إلى تدني المستوى التعليمي والثقافي لأولياء الأمور و ضعف استجابتهم لدعوات المدرسة وضعف وسائل اتصال المدرسة بأولياء الأمور كما سلطت الضوء على واقع التواصل بين البيت والمدرسة عبر تناول واقع تواصل أولياء الأمور مع المدارس ومدى تفاعلهم مع مشروعاتها وقضاياها من وجهة نظر الهيئات الإدارية والفنية والتدريسية بمدارس منطقة عجمان التعليمية (ذكورا وإناثا) وكذلك أولياء أمور الطلبة بهذه المدارس.
وخلصت إلى عدة نتائج على ضوء الاستبيانات التي تتم تفريغها وتحليل نتائجها حيث أكدت الدراسة ان التواصل بين البيت والمدرسة يشكل عاملا أساسيا في نجاح العملية التربوية و التعليمية كما خلصت نتائج الدراسات الميدانية المقارنة التي أجريت على مدارس عجمان بنين وبنات لكل من أعضاء الهيئات الإدارية والتدريسية وأولياء الأمور تجمعت من أرض الواقع معلومات تفيد بأن هذا التواصل لا يسير بالصورة المرجوة والتي يمكن أن تسهم الإسهام المطلوب في نجاح العملية التربوية والتعليمية
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها المستوى الثقافي والتعليمي لبعض أولياء الأمور وعدم إدراكهم لأهمية العلاقة والتواصل مع المدرسة ونتيجة ذلك على الأبناء، كما يعد التفكك الأسري والمشاكل العائلية احد أهم العوامل والتي قد تحول دون تواصله مع المدرسة ومتابعة الطالب من قبل الأهل، كما يلعب اقتناع بعض المدرسين وإدارات المدارس بعدم جدوى دور الأب في مساعدة المدرسة بمتابعة وتواصله معها.
وخلصت الدراسة إلى ان عقد الاجتماعات الذي يتم بصورة شكلية من قبل المدارس مع أولياء الأمور وعدم إعطائهم أدوارا فاعلة أو مشاركتهم في مناقشة مشاكل الطلاب وأخذ اقتراحاتهم بالعناية الكافية يدفعهم إلى عدم التجاوب مع دعوة المدرسة في المرة الثانية، إضافة إلى تقاعس بعض إدارات المدارس عن تشكيل أو تفعيل مجالس الآباء والأمهات بالمدارس واعتبار آرائهم استشارية وليست ذات جدوى، وهذا يؤثر سلباً على تواصل أولياء الأمور مع المدارس بالدرجة المطلوبة.
متابعة تحصيل مستوى الطلبة
استعرضت لطيفه خميس الكتبي موجهة الخدمة الاجتماعية أساليب التعاون بين البيت والمدرسة من خلال متابعة الطالب في جوانب عدة أهمها الجانب السلوكي حيث تعتبر الأسرة المهد الأول في عملية التنشئة الاجتماعية والسلوكية للطالب ثم يأتي دور المدرسة لتعزيز السلوكيات الإيجابية وتعديل السلوكيات السلبية منها من خلال برامجها وأنشطتها.،
اما الجانب الثاني فهو متابعة مستوى الطالب التحصيلي حيث يضمن الجو الأسري الهادئ ضمان للتحصيل العلمي الجيد وتعاون الأسرة مع المدرسة في هذا الجانب يقضى على كثير من المشكلات الدراسية .فالمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور لأبنائهم للوقوف على مستواهم التحصيلي والتعاون مع المدرسة من أهم العوامل المؤثرة في تحسن المستوى التحصيلي للطالب .
تحقيق : نورا الأمير
