عند افتتاح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وأخوه الرئيس علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية اليمنية لسد مأرب في أواخر عام 1986 استبشر اليمنيون وخاصة في منطقة مأرب التاريخية خيرا بهذا الإنجاز الذي أعاد إلى المنطقة حيويتها ونشاطها.

فمأرب التي احتضنت أقدم الحضارات تتميز بخصوبة أرضها واتساع رقعتها الزراعية لكنها كانت تفتقر إلى المياه اللازمة للزراعة ولذلك فقد كان لإعادة بناء سد مأرب على نفقة المغفور له الشيخ زايد آثار ايجابية كبيرة على التنمية الزراعية وإحداث نهضة ملحوظة في إنتاج المحاصيل الزراعية وزيادة المساحة المزروعة الواقعة خلف حاجز السد.

واستكمالا لمكرمة المغفور له الشيخ زايد فقد اصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله توجيهاته إلى صندوق أبوظبي لتمويل المرحلة الثانية للسد التي تقدر تكلفتها بنحو 24 مليون دولار وتشمل تنفيذ القنوات الرئيسية والفرعية إضافة إلى إنشاء طرق فرعية إسفلتية بطول 38 كيلومتراً وأخرى معبدة بطول 86 كيلومتراً وحماية للقنوات طولها 24 كيلومتراً.

وحسب المهندس حسين مذكور رئيس الهيئة العامة لتطوير المناطق الشرقية التابعة لوزارة الزراعة والري اليمنية فقد تم حتى الآن تنفيذ 76 بالمئة من هذه الأعمال ويتوقع أن يستكمل خلال العام الحالي. ويعتبر مشروع سد مأرب بمرحلتيه الأولى والثانية من أكبر مشاريع السدود باليمن حيث تتسع بحيرته لتخزين 400 مليون متر مكعب من المياه ويروي 7 آلاف هكتار كمساحة حقلية و10 آلاف هكتار مساحة محصولية.

ويبلغ طول القنوات الرئيسية للسد عند نهاية تنفيذها 50 كيلومتراً والفرعية 86 كيلومتراً إلى جانب قناتين تحويليتين سعة الأولى 200 ألف متر مكعب والثانية 180 ألف متر مكعب. ومنذ إنجاز المرحلة الأولى لسد مأرب حدث تحول كبير في حياة سكان المنطقة الاقتصادية والاجتماعية فقد شجع ذلك المزارعين على استصلاح أكثر من 20 ألف هكتار مما أدى بالتالي إلى ارتفاع ملحوظ في انتاج المحاصيل الزراعية المختلفة.

ويؤكد تقرير صادر عن الهيئة العامة لتطوير المناطق الشرقية أن نسبة إنتاج محافظة مأرب من الحبوب ارتفعت من 30 بالمئة عند افتتاح السد عام 1986 إلى أكثر من 60 بالمئة في العام الماضي ويشير إلى الزيادة الكبيرة في إنتاج المحاصيل الحقلية وزراعة محاصيل لم تكن موجودة قبل إعادة بناء السد مثل الخضار والفواكه التي تمتلئ بها الأسواق اليمنية.

وفي الجانب الاجتماعي يمكن ملاحظة التطور الذي حدث في المنطقة من خلال توجه نسبة كبيرة من السكان نحو الزراعة والتوسع الأفقي فيها الذي يعتمد على المياه الجوفية وإنتاج المحاصيل ذات المردود الاقتصادي العالي الأمر الذي ساعد في رفع مستوى الدخل وتحقيق الاستقرار المعيشي للسكان الذين كانوا يعتمدون في السابق على مياه السيول والأمطار الشحيحة .

وبسبب ذلك غلب على حياتهم طابع الترحال والتنقل بحثا عن المياه والمرعى. وتشير إحصائيات رسمية صادرة من محافظة مأرب إلى أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة بلغت 9 ,88 ألف هكتار في عام 2004 تركز معظمها في زراعة الخضار والفواكه وزيادة كبيرة في المساحة المزروعة بالحمضيات.

وتتركز معظم مزارع الحمضيات في المناطق المتاخمة لسد مأرب مثل مديريتي مأرب عاصمة المحافظة والوادي المحاذيتين لوادي «ذنه» المعروف باحتضانه لأرض الجنتين في التاريخ اليمني القديم. ويقول صالح بريعمة صاحب مزرعة حمضيات تبعد نحو 8 كيلومترات عن موقع السد الجديد أن أهالي مديريتي مأرب وسبأ عادوا لممارسة نشاطهم الزراعي بعد إعادة بناء السد في مساحات واسعة وأدخلوا العديد من المحاصيل الزراعية بدلا عن زراعة الحبوب فقط. وأشار إلى أن المزرعة التي يمتلكها تنتج جميع أنواع الحمضيات مثل البرتقال واليوسفي والليمون والباباي والمانجو .. وأكد أن مزارعي مأرب يقومون الآن بتسويق منتجاتهم من الخضار والفواكه والحمضيات بدرجة أساسية إلى جميع المحافظات اليمنية.

وتوقع بريعمة زيادة المساحة المزروعة في «وادي ذنه» الذي يصل طوله إلى 100 كيلومتر بعد الانتهاء من قنوات الري وبذلك سوف يتسنى تغطية احتياجات اليمن من المحاصيل الزراعية التي تنتجها أرض مأرب الخيرة وتصدير الفائض إلى الأشقاء في دول الخليج العربي.

ويتفق قائد أبو ناب صاحب مزرعة أخرى في «وادي ذنه» مع ما قاله صالح بريعمة لكنه يرى بأن التوسع الكبير في زراعة الحمضيات خلال السنوات العشر الماضية أدى إلى تناقص منسوب المياه في الآبار المنتشرة على امتداد الوادي والمناطق القريبة من السد وهو ما يستدعي حسب قوله إلى سرعة إنجاز ما تبقى من القنوات الرئيسية والفرعية للتقليل من الاعتماد على مياه الآبار خاصة وأن أشجار الحمضيات تستهلك كميات كبيرة من المياه.