تحولت أدوات التقويم المستمر التي كانت بمثابة الطامة الكبرى لطلبة الصف الثاني عشر في الفصل الدراسي الأول إلى «حصالة» يستخدمونها لتجميع أكبر عدد من الدرجات تحسباً لمفاجآت الامتحانات الفصلية، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى الشفافية التي تتمتع بها المدارس في احتسابها لدرجات أعمال السنة لطلابها بل وصل الأمر إلى كيل الاتهامات بسعي بعضها إلى تحصيل درجات للطلبة لا يستحقونها سعياً منها لرفع معدل النجاح بنهاية العام.
واعتبر تربويون أن هذا التباين في تطبيق أدوات التقويم بين مدرسة وأخرى يرجع بالدرجة الأولى للأعباء المتزايدة المفروضة على الهيئات الإدارية بالمدارس وضيق الوقت وهو ما لا يعطي لهم الفرصة لتحديد إطار محدد لتطبيق هذه الأدوات في ظل غموض دليل التقويم المستمر، ليتركوا الأمر وفقاً لأهواء المعلمين فمنهم من يختار أقصر الطرق من أجل إنهاء التكليفات المفروضة عليه، ومنهم من يتشدد مع الطلبة وهو ما يخلق خلالاً في التقييم بالمدارس.
محمد حسن مدير مدرسة محمد بن راشد للتعليم الثانوي في دبي قال إن أدوات التقويم التي تحتسب عليها 50% من درجة الطالب تعاني قصوراً في التطبيق أثبتته نتائج الفصل الدراسي الأول فهناك عدد من المدارس لم تكن موجودة على الخارطة بلغت نسبة النجاح بها 100% وشهدت ارتفاعاً كبيراً في درجات طلابها.
بينما هناك مدارس مميزة حفرت أسماءها في الميدان التربوي منذ سنوات عديدة نأت بنفسها عن التفويت في احتساب درجات التقويم لطلابها وهو ما أدى إلى أن نسبة النجاح لديها لم تتعد 60% والمتفوقون لم يتعدوا أصابع اليد الواحدة، فنسبة النجاح في ثانوية محمد بن راشد التي تعد من أعرق مدارس الدول خلال الفصل الدراسي الأول بلغت 64% لطلبة العلمي وأقل من 40 % لطلبة الأدبي.
وأوضح أن خلل تطبيق أدوات التقويم كالمشاريع والبحوث والتقارير أعطت الفرصة لمدارس أن تتلاعب في درجات طلابها، مشيراً إلى أن التوجيه لم يقم بدوره على الوجه الأكمل في هذا الصدد فكثيراً ما عجز الموجهون عن طرح أسماء لمشروعات أو بحوث على المعلمين الذين بدورهم يعانون من مسؤوليات والتزامات جمة ولا يكترثون بأهمية المشروع أو البحث أو التقرير الذي يطرحونه للطالب بقدر ما يسعون إلى إنجاز ما طلُب منهم من تكليفات في الوقت المحدد لهم.
وأوضح أن «الغش العلني» كان من أبرز السلبيات التي خلفها التطبيق الخاطئ لأدوات التقويم فظهرت العديد من الممارسات الخاطئة من الطلبة التي لم يعتاد عليها الميدان التربوي خلال الفترة الماضية، مثل توجههم للمكتبات لشراء البحوث والتقارير التي كلفوا بها دون أن يبذلوا أي مجهود في إعدادها.
وشدد على أن الحد الأدنى للنجاح الذي حددته وزارة التربية والتعليم بـــ60% من شأنه أن يدفع عددا كبيرا من المدارس إلى البحث عن طرق بديلة لترفع من نسب نجاحها، وتأتي أدوات التقويم في مقدمه هذه الطرق والتي تضمن للطالب أعلى درجة بما يسهل من مهمته في امتحانات نهاية العام الدراسي، بينما مدارس أخرى تتشدد في احتسابها لدرجات أعمال السنة للطلبة وهو ما يعد إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلبة.
وقال إبراهيم الحوسني مدير مدرسة حميد بن عبد العزيز للتعليم الثانوي في عجمان إنه على الرغم من مرور فترة كافية على تطبيق نظام التقويم المستمر للصف الثاني عشر إلا أنه لا يزال حتى الآن طلبة غير ملمين بأدواته وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم وضرورة تحليهم بقدر أكبر من الالتزام والانضباط كي يتمكنوا من تحقيق معدلات عالية بنهاية المطاف، لافتاً إلى وجود أعباء متزايدة مفروضة على الهيئات الإدارية والمعلمين الذين لديهم التزامات كبيرة من شأنها أن تحول دون تقديم أدوات التقويم بالصورة المثلي للطلبة، لافتاً إلى وجود لجان من المناطق التعليمية تقوم بزيارات مستمرة للمدارس من أجل متابعة تطبيقها لأدوات التقويم المفروضة على الطلبة وفقاً للمعايير التي تضمنها دليل التقويم المستمر منعاً لوقوع أية تجاوزات في المدارس.
وأضاف إبراهيم بركة مدير مدرسة الشعلة الخاصة في الشارقة إن عملية التقويم المستمر للطلبة تتسم بأعلى درجات الدقة والشفافية ولا تسمح المدرسة بأية مجاملات لطالب على حساب زميله، خاصة وأن هناك لجانا تأتي باستمرار من المنطقة التعليمية من أجل التأكد من دقة وشفافية سير أعمال التقويم، مشدداً على أن المدارس الخاصة ذات السمعة الطيبة بالدولة والتي تخرج سنوياً أكثر من طالب من أوائل الثانوية العامة لا يمكن أن تضحي بكل هذا من أجل بعض السلوكيات السلبية البعيدة كل البعد عن آلية عملها.
وأوضح أن اتهام المدارس الخاصة بفبركة أدوات التقويم وإعطاء الطلبة درجات لا يستحقونها لا أساس له من الصحة والدليل على ذلك أن المدارس الخاصة كانت من أشد المعارضين لتطبيق نظام جديد للثانوية العامة إذ كانت قد أرسلت مقترحاً إلى وزارة التربية والتعليم بإجراء الامتحانات النهائية للفصلين الأول والثاني تحت مظلة الوزارة وليس داخل المدارس منعا لوقوع أية تجاوزات وبتقليص نسبة أعمال السنة للطلبة من 50% إلى 20% وهو ما يدل دليلاً لا يقبل الشكل على حرصها على الدقة والعدل في تقييم الطلبة.
فيما اعتبرت أسماء الدراي مديرة مركز ديره المسائي في دبي إن النتائج المخيبة للآمال التي حققها طلبة تعليم الكبار في الفصل الدراسي الثاني تدفعنا إلى البحث عن السبل الكفيلة برفع هذه النسبة، ومن بين هذه الوسائل زيادة نسبة أدوات التقويم عن 20 %، مشددة على أن ذلك لا يعني أن المراكز ستستغل هذا الأمر من أجل أن تعطي درجات للطلبة بدون أدائهم للتكليفات المفروضة عليهم.
وأشارت إلى أن هناك عدداً كبيراً من الطلبات في مركز ديرة المسائي طالبن برفع معدل أدوات التقويم إلى 50% واعتبرن فرصا لتحقيقهن نتائج مرضية في أدوات التقويم كبيرة لأنها لن تتطلب منهن مجهوداً كبيراً بقدر ما تحتاجه الامتحانات الفصلية من مجهود كما أن هذا الأمر من شانه أن يخفف الضغط المفروض عليهم خلال أدائهم لامتحانات نهاية العام ويعزز من فرصتهن للنجاح.
ولفتت إلى أن الشهادة التي يحصل عليها طلبة تعليم الكبار أو المسائي هي نفسها التي يحصل عليها طلبة الصباحي، لذا فإنه ينبغي معاملة الفئتين بنفس الصورة فلماذا تحتسب لطلبة الصباحي 50% على أدوات التقويم وتحتسب لطلبة المسائي 20% فقط، مشيرة إلى أنه إذا كانت مبررات وزارة التربية والتعليم لذلك في عدم وجود مختبرات ومكتبات في المراكز المسائية تساعد الطلبة على أداء التكليفات المطلوبة منهم فإن ذلك يدعونا إلى ضرورة تطوير هذه المراكز التي لا تقل أهمية عن المدارس النظامية.
لجان للمراقبة
وقال خليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية إنه منذ إقرار نظام التقويم المستمر وبناء على كتاب من وزارة التربية والتعليم تم تشكيل لجنة تضم ممثلين من الإدارة التربوية بالمنطقة وممثلين من التوجيه الإداري والتوجيه الفني مهمتها الرئيسية متابعة سير عمل المدارس فيما يتعلق بطرق تطبيقها لأدوات التقويم المستمر كالبحوث والتقارير والمشروعات، وبالفعل كان هناك تنسيق كامل مع المدارس خلال الفصل الدراسي الأول وتم إعداد تقرير مفصل للمنطقة ونفس الأمر سيتم تطبيقه في الفصل الدراسي الثاني.
وأوضح أن نظام التقويم المستمر بأدواته العديدة لا يزال وليداً وفي مراحله الأولى ومن المتوقع أن يكون هناك اختلاف في تطبيقه بين جميع المدارس إلا أن اللجنة المختصة بهذا الأمر تسعى باستمرار إلى التشديد على المدارس بالالتزام بالمعايير التي وضعتها التربية في دليل التقويم المستمر لضمان النزاهة في تقييم الطلبة في الأدوات المختلفة، مشيراً إلى أن العام الدراسي القادم سيتم التغلب على هذا التباين في التطبيق بعد أن نكون قد وضعنا أيدينا على كافة السلبيات التي ظهرت خلال العام الدراسي الجاري وتوصلنا لطرق علاجها.
تفاوت
قال تربويون إن هناك تفاوتاً كبيرا ظهر بين نتائج الطلبة في أدوات التقويم المستمر وامتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول فعلى سبيل المثال نجد طالبا حصل على العلامة الكاملة في أعمال السنة لمادة ما، بينما في امتحان منتصف العام الدراسي للمادة ذاتها لم يحقق حتى درجة النجاح، وهو يثير علامة استفهام حول آليات تطبيق هذه الأدوات في المدارس.
دبي ـ أحمد جمال
