باتت وزارة المرأة في موريتانيا أشبه بمحكمة لفض النزاعات الأسرية، بعدما انهالت قضايا الموريتانيات، اللاتي يتفادين القضاء، اتقاء للعادات والتقاليد.

فقد أنشأت وزارة المرأة الموريتانية قبل سنوات قطاعا لفض النزاعات الأسرية ومساعدة المرأة في الحصول على حقوقها كاملة من الرجل، لكن النساء العاملات بهذا القطاع اصطدمن برفض الكثير من الموريتانيات اللجوء إلى القضاء بحجة أن ذلك يعتبر خروجا على التقاليد الاجتماعية التي توصم المرأة بالعار والفضيحة إذا ما حاولت نقل مشاكل بيتها خارج الإطار الأسري، مما دفع المسؤولات بالوزارة إلى جعل قطاعهن بمثابة محكمة مصغرة لإصلاح ذات البين وتوثيق عقود الصلح بشكل قانوني يخول للوزارة اتخاذ الإجراءات المناسبة في حال إخلال الزوج بما تعهد به.

المشاكل التي ترد إلى هذا القطاع كثيرة ومتعددة، منها قصة سيدة من قبيلة «الولوف» الزنجية، التي تحكي بنبرة لا تخلو من حدة لرئيسة القسم المختص بفض النزاعات الأسرية، ما تلاقيه من عذاب ومشقة على يد زوجها السابق الذي يرفض تقديم النفقة لأطفاله، ويهددها كلما أتت إليه بالضرب.

وتضيف ماريا «تزوجني عمر وهو مهندس بناء قبل خمس عشرة سنة، وأنجبت منه خمسة ذكور وثلاث بنات، وكان يكرمني ويحسن وفادة أهلي، وقبل سنتين طلب مني أن اسمح له بالزواج كما هي عادتنا نحن الزنوج، لكنني رفضت طلبه بشدة لأنني تربيت مع مجتمع (العرب البيض) الذي لا يسمح بالتعدد ويعتبره إهانة لكرامة المرأة».

وقلت له «أنا لن أرغمك على البقاء معي لكنني لن اقبل بضرة إلا على جثتي، فاعتذر لي واقسم لي بأنه لن يكرر طلبه مرة أخرى، لكن أخواته وبعض حاشيته القريبة علموا بما دار بيني وبينه فأوغروا صدره علي من خلال الهمس في أذنه بأنه عديم الرجولة». وقالوا له «كيف تقبل البقاء مع امراة واحدة وهذا ما لم يقبل به رجل زنجي من قبل، فأنت إذن بمثابة الخاتم في إصبعها تقلبك كما تشاء».

وفجأة جاءني غاضبا وقال لي «أمامك خياران أما القبول بالزواج عليك أو الطلاق وترك المنزل أنت وأولادك، فقبلت بالطلاق وخرجت مرغمة إلى (الكزرة) وهي بيوت من الخشب في ضواحي العاصمة، ولكنه يرفض ان يعطيني نفقة أولاده، ويحاول فرض حصار اقتصادي علي لأقبل بالأمر الواقع وأعود إليه».

أما تيه بنت خطري فتقول «إنها لجأت إلى قسم النزاعات الأسرية بوزارة شؤون المرأة بعد أن لحقها الضرر والأذى من زوجها الذي طردها مع أطفالها من السكن، والتزم بالإنفاق على الأولاد بمبلغ 5000 آلاف أوقية شهريا أي ما يعادل 15 دولارا فقط».

ولأنها تعاني من مشاكل مادية فقد استفادت من سلفة بسيطة قدمها لها صندوق الأسرة المنتجة في الوزارة تستثمرها في تجارة البخور، لكن زوجها السابق أوقف المبلغ الذي يدفع لأطفاله بعدما علم أنها تنوي الزواج.

من جهتها تقول مانتيا توري «إن زوجها ابن عمها الذي تزوجها وهي صغيرة وسافرت معه في عمله وولدت له أربعة أولاد اثنان منهم على قيد الحياة، لم يلبث أن طلقها سنة 1996 ولم يهتم بالإنفاق على الأولاد بعد أن أرسلها مع الأطفال إلى القرية، مما دفعها إلى الذهاب للمدينة للتدريس للاطفال».

وعندما علمت بقسم النزاعات الأسرية ولجأت إليه وطالبت بالنفقة،حاول أن ينتزع منها حضانة الأطفال ولكنها رفضت ذلك لأن هذا حق ولا يسقطه إلا الزواج وهي قررت عدم الزواج والتفرغ لتربية أولادها. ورغم أنه يحصل على راتب كبير إلا أنه اقتطع مبلغ 5000 أوقية شهريا يسلمها لصندوق النفقات لدى وزارة المرأة الذي تأتي إليه هي بدورها لتستلم هذا المبلغ كل شهر.

وأضافت السيدة مانتيا أن« وزارة المرأة تقوم حاليا بتدريبها في مجال الصباغة وتأمل أن يكون هذا التدريب فرصة لتطوير خبراتها في مجال الصباغة والحصول على قرض حتى تستطيع توفير دخل منتظم لها ولأطفالها».

وعن هذا الموضوع تقول رئيسة قسم النزاعات الأسرية مريم منت آده « يقوم قسم النزاعات الأسرية في مصلحة الأسرة باستقبال الشكاوى والاستماع إليها ثم محاولة التوصل إلى صلح بين الأطراف المتنازعة».

وفي حال عدم التوصل إلى صلح يستفيد المتظلمون من الدعم والمؤازرة القضائية التي يقوم بها أفراد المصلحة أو بعض المحامين المتطوعين، أو منظمات المجتمع المدني العاملة في المجال. وبعد مناقشة المشكلة المطروحة مع الأطراف يتم تسجيل النزاع في محضر توجهه المصلحة إلى المحكمة، وفي حال عجز بعض المتظلمين عن توصيل موقفهم أمام القاضي يتم اللجوء الى بعض أفراد المصلحة لمساعدتهم. كما تستفيد بعض المتضررات من فحوصات طبية مجانية بالتعاون مع قطاع الصحة وبعض منظمات المجتمع المدني المعنية.

نواكشوط ـ بشير ولد ببانه