لم تأخذ حظاً من العلم، كما أنها لم تأخذ حظاً من الجمال، وكأن الظروف كلها تجمعت ضدها، كبرت وتفتق جسمها عن أنوثة واضحة، لكن أحداً لم يلتفت إليها، كانت تعيش على الهامش شأنها شأن أسرتها البسيطة، فوالدها موظف حكومي يشغل وظيفة متواضعة ولا يكاد مرتبه يكفيه، لذا كان همه توفير لقمة العيش لزوجته وبناته الثلاث، ولهذا كان يخرج من الصباح الباكر ولا يعود إلا في ساعة متأخرة من الليل، أما والدتها فقد كانت تعمل في مصنع صغير للملابس.
حيث كانت هذه الوظيفة تدر عليها بعض المال الذي كان يساعد الأسرة على ظروف الحياة الصعبة، نشأت (و) في بيئة قاسية، لكن ذلك لا يعني أنه ليس بداخلها أنثى، فقد سمعت أول كلمة إطراء من (أ) أحد عمال القهوة الموجودة بالقرب من بيتها، فرحت بها فرحاً كبيراً وباتت تردد ما سمعته من (أ) في داخلها ألف مرة، لذا كانت تتعمد أن تمر من أمام القهوة لعلها تسمع من (أ) كلمات إطراء جديدة فهذه الكلمات تجعلها تشعر بأنها مثل غيرها من بنات جنسها.
(أ) يتقدم لطلب يدها رغم أن (و) لم تكن جميلة وكانت ظروفها المادية صعبة إلا أن ذلك لم يمنع (أ) من التقدم لطلب يدها فقد نشأت بينهما قصة حب كانت أسلاك الهاتف شاهدة عليها، فقد كان الهاتف وسيلتهما في الحديث، أصبح (أ) يتصل بـ (و) هاتفياً كلما سنحت له الفرصة وكان يبثها حبه وغرامه وكذلك فعلت هي فقد أحبته من كل قلبها وجوارحها فهي تعلم بأنها لا تملك الجمال أو المال وأنه من الصعب أن يعجب بها أي أحد حتى أنها كانت تسأل نفسها كيف يمكن لشاب مثل (أ) أن يحبها أو يعجب بها لذا تشبثت به تشبث الغريق بالقشة.
في أحد الأيام جاء (أ) طالباً يد (و) للزواج، رحب والدها به إلا أن مشروع الزواج لم يتم حيث اختلف العريس ووالد العريس على تفاصيل المهر فالشاب لا يملك إلا القليل من المال وكذلك والد (و) لذا كانت تكاليف الجهاز حجر عثرة أمام إتمام الزواج، أحست (و) بأنها خسرت الدنيا كلها بخسارتها (أ).
السفر إلى الخارج
بقيت (و) تجتر آلامها ورغم أن علاقتها استمرت مع (أ) عن طريق الهاتف إلا أن الأمل في الزواج منه أصبح بعيد المنال إن لم نقل مستحيلاً، في أحد الأيام جاءتها من تخبرها بان رجلاً كبيراً في السن من دولة عربية يرغب في الزواج من امرأة شابة وأنها رشحتها له والأهم من ذلك أن هذا الرجل لا يشترط جمالاً أو مالاً فيمن تقبل به زوجاً وان شرطه فقط انه يريد امرأة شابة وحسب رغم أن (و) كانت مرتبطة عاطفياً مع (أ).
إلا أنها لم تمانع في الزواج خاصة وان العريس الجديد أغدق عليها الهدايا والذهب ولم ينس أن يدغدغ مسامعها ببعض كلمات الحب والإطراء حيث أعادت تلك الكلمات الثقة إليها، خلال فترة لم تتجاوز الأسبوعين كانت (و) مع زوجها العجوز في المطار ينتظران الطائرة التي ستقلهما إلى بلد الزوج، بعد وصولهما إلى مقصدهما حاولت (و) أن تتكيف في البلد الجديد، رغم أن الجو كان مختلفاً عليها وكذلك الناس والمكان والمحيط الذي وجدت نفسها فيه إضافة إلى الغربة عن الأهل والوطن كلها عوامل كانت تضغط بقسوة وقوة على أعصابها إلا أنها.
ومع ذلك عملت المستحيل من أجل إرضاء زوجها كانت حياة (و) رتيبة رغم غنى زوجها ووجود الفيلا الكبيرة والخدم، بعد عام من زواجها رزقت (و) بطفلة ولم تكمل عامها الثالث حتى أنجبت البنت الثانية كانت الطفلتان أكثر حظاً من أمهما من حيث الجمال وظروف النشأة، من جانبه كان زوج (و) قلقاً بسبب ما رزق به فقد كان يريد ولداً يرث أمواله الطائلة فهو يملك من البنات خمسا من زوجتين سابقتين لذا بدأ الزوج يختلق المشاكل لزوجته التي حاولت أن تتحمل كل شيء من أجل ابنتيها وأخيراً حدث ما لم يكن في الحسبان فقد جاء زوج (و) ليخبرها بأنه طلقها وعليها أن تعود إلى بلادها حالاً، وقع الخبر كالصاعقة على رأس (و).
خاصة عندما عرفت بأنها لن تأخذ ابنتيها معها، مرت اللحظات وكأنها دهر كامل على (و) وهي ترى تضحياتها مع هذا الكهل تضيع سدى فقد تنكر لها، رغم إخلاصها الشديد له وسهرها عليه في أثناء مرضه ثم كيف ستترك ابنتيها الصغيرتين وكيف ستعيشان، وكيف ستطمئن عليهما، ومن سيعتني بهما بعد مغادرتها إلى بلادها.
أسئلة كثيرة ومحيرة كانت تجول في ذهنها ولا تجد إجابة لها حاولت (و) أن تستعطف زوجها وأن يبقيها خادمة عنده حتى تربي ابنتيها مؤكدة له بأنها لا تعارض في زواجه من أخرى بل أنها ذهبت لأكثر من ذلك عندما قالت له بأنها على استعداد لتكون خادمة لعروسه الجديدة وأن كل ما تريده مقابل ذلك هو أن تبقى بجانب ابنتيها إلا أن الرجل رفض طلبها قائلاً بأنه لا يحتاج إلى خادمة جديدة فلديه الكثير من الخادمات الفلبينيات والسريلانكيات، عندما وجدت (و) بأن هذا الباب مغلقا في وجهها طلبت منه أن تأخذ ابنتيها معها على أن يزورهن متى أراد إلا أنه رفض ذلك بشدة أيضاً وبسرعة كبيرة أنهى الرجل إجراءات سفر (و) وفجأة وجدت نفسها في المطار عائدة إلى بلادها تاركة ابنتيها وراءها وهي لا تدري إن كانت ستراهما أم لا وإن كانت ستراهما فأين ومتى؟ عندما حملتها الطائرة شعرت (و) بأزيز في رأسها ودماغها يفوق عشرات المرات أزيز الطائرة التي كانت تقلها.
وصلت (و) إلى بلادها وحاولت التأقلم مع الوضع الجديد لكنها لم تتمكن من ذلك فصورة ابنتيها وهما تبكيان عند وداعها كانت لا تزال عالقة أمامها وبدأت هذه الصورة تحاصرها في كل مكان، لذا قررت بعد أسبوعين من وصولها إلى بلادها العودة مرة ثانية إلى حيث ابنتيها وعندما رآها والد ابنتيها أخبر الشرطة وطلب منهم أن لا يسمحوا لها بالبقاء في بيته لحظة واحدة وخلال نحو (24) ساعة عادت (و) إلى بلادها من جديد تجر أذيال الخيبة والحسرة بعد أن قام زوجها السابق بإلغاء إقامتها فقد ألغى بذلك كل أمل لها في رؤية ابنتيها.
العودة للحبيب الأول.
بدأت (و) تشعر بوحدة قاتلة خاصة وأن والديها قد فارقا الحياة في أثناء وجودها خارج بلادها أما أختاها فقد تزوجتا وكل واحدة منهما أصبح لها حياتها الخاصة بدأت (و) تفكر كيف تستغل ما لديها من مال لذا قررت أن يكون لها «بقالة» تعيش من دخلها تمكنت (و) من عمل البقالة بما لديها من مال وعندما احتاجت إلى المزيد من المال باعت ما لديها من حلي ذهبية بدأت البقالة تعمل بشكل جيد وتدر على (و) دخلاً لا بأس به كما أن حركة البيع والشراء والتعامل اليومي مع الناس أنست (و) بعض ما كانت تعانيه من عذاب بسبب فراق ابنتيها فكرت (و) أن تخرج من وحدتها لذا قررت أن تبحث عن (أ) حبيبها الأول لم يطل بحثها كثيرا فما كادت تسأل عنه بعض عمال القهوة التي كان يعمل فيها حتى أرشدوها إليه قائلين لها بأنه لا يزال يعمل في نفس المقهى.
في المساء التقت (و) (أ) في أحد المطاعم وهناك بدأت تشكو له كل مشاكلها وما لاقته على يد طليقها، حاول (أ) أن يخفف عنها معاناتها قائلا لها بأنه على استعداد لعمل أي شيء من أجلها ولكي تعرف (و) إن كان (و) متزوجا أم لا سألته بخبث قائلة له كيف حال زوجتك وأولادك فرد عليها.
قائلا: بأنه غير متزوج وأنه رفض الزواج لأنه لا يزال يحبها فرحت (و) بما سمعته من (أ) وأحست بان الحياة قد بدأت تبتسم لها لذا بدأت ترمي شباكها حول (أ) حيث طلبت منه في أحد الأيام أن يأتي لمراقبة البقالة بحجة أنها ذاهبة إلى المستشفى كان الهدف من وراء هذه الدعوة هو أن يرى (أ) ما لديها من مال وكم هو دخل البقالة حتى يشجعه ذلك على الزواج منها وفعلاً تمكنت (و) من لفت انتباه (أ) لوضعها المادي الجديد، لذا لم يمض وقت طويل حتى تقدم (أ) طالبا يدها حيث تزوجها وانتقل للعيش معها في شقتها التي ورثتها عن والديها، بعد الزواج طلبت (و) من (أ) أن يترك العمل في القهوة وان يتفرغ للعمل في البقالة وافق (أ) وبدأ يدير البقالة بنفسه في حين بدأت (و) تتفرغ لشؤون البيت وعندما كانت تجد وقت إضافيا كان تذهب لتساعد (أ) في عمله بدأت الحياة تبتسم لـ (و).
خاصة وأن بقاء (أ) في البقالة في ساعة متأخرة من الليل كان يدر أرباحاً كثيرة ولكن بعد مرور نحو سنة أحست (و) بان دخل البقالة لا يكاد يفي بثمن البضاعة التي تشتريها لها وعندما سألت (أ) عن ذلك أخبرها بأنه يبيع بالدين إلى البقالات الأخرى في الأحياء المجاورة وانه سيبدأ بجمع الإيراد فيما بعد انطلت هذه الحيلة على (و) لكن بعد بضعة أشهر اكتشفت الحقيقة المرة وهي أن (أ) مدمن مخدرات وأنه ينفق على الكيف كل دخل البقالة ليس هذا فقط بل إن البقالة عليها ديون كثيرة وان أصحاب المحلات التجارية يرفضون تزويد البقالة بالبضائع حتى تدفع البقالة ما عليها من ديون كادت المفاجأة تذهب بعقل (و).
فضياع البقالة يعني ضياعها فلم يعد لها أمل في الحياة إلا الدخل الذي تجنيه من البقالة خاصة بعد أن نفد كل ما كان لديها من مال وحلي ذهبية حاولت (و) أن تتدارك الأمر وأن تشرف على البقالة بنفسها لكن الوقت كان متأخراً فلم يعد في البقالة إلا جدرانها الأربعة طلبت (و) من (أ) أن يتدبر الأمر حتى لو اضطر أن يقترض من معارفه لكنه رفض ذلك فكل معارفه يرفضون التعامل معه لأنهم يعرفون جيداً بأنه مدمن مخدرات وأنه من المستحيل أن يقرضوه شيئاً.
اسودت الدنيا في وجه (و) وبدأت تبحث عن حل، في إحدى الليالي رجع (أ) إلى البيت وهو يترنح فقد كان في حالة سكر شديد، وعندما بدأت (و) في تأنيبه وتحميله مسؤولية خسارتها وجه إليها لكمة على وجهها أسقطت أحد أسنانها وأسقط مع سنها آخر ذرة من حب في قلبها له، هنا طلبت (و) من (أ) أن يطلقها وأن يترك شقتها فما كان منه إلا أن أسمعها كلمات نابية كانت تتمنى الموت بدلاً من أن تسمعها فقد ذكرها بفشلها في زواجها الأول مذكراً إياها بقبح وجهها وشكلها وقال لها بأنه يشعر بالندم لأنه تزوجها وأضاع معها وقته والأهم من ذلك أن(أ) أخبرها بصراحة بأنه تزوجها ليس حباً فيها وإنما طمعاً في مالها وفي البقالة التي كانت تمتلكها كان لهذا الكلام تأثير قاس على (و).
لذا أصرت على الطلاق من (أ) إلا أنه رفض أن يطلقها إلا إذا أعطته مبلغاً من المال ضاقت الدنيا في وجه (و) وبدأت تفكر في العودة إلى زوجها الأول وابنتيها لذا حاولت الاتصال ببيت زوجها الأول لكنها وجدت الهاتف مقطوعاً وعندما اتصلت بإحدى السيدات التي كانت جارة لها تسألها عن زوجها الأول وابنتيها أخبرتها السيدة بأن زوجها ترك المكان وانتقل مع أسرته كلها إلى مدينة ثانية ولا أحد يعرف عنهم شيئاً، أحست (و) لأول مرة بأنها فقدت كل شيء حتى الأمل في رؤية ابنتيها فقدته لذا عادت إلى بيتها مثقلة بالهموم وارتمت على أول كرسي قابلها وسبحت في بحر عميق من التفكير في هذه الأثناء جاء (أ).
وبدأ يصرخ في وجهها لأنه جائع ولا يجد طعاماً اقتربت (و) منه واحتضنته بحنان ودفء كبيرين وطلبت منه أن يدخل ليستريح حتى تحضر له الطعام دخل (أ) إلى غرفة النوم وما كاد جسده يلامس السرير حتى راح في سبات عميق عندما دخلت (و) إلى غرفة النوم وجدت (أ) يغط في نوم عميق فذهبت إلِى المطبخ وأحضرت سكيناً كبيراً وبكل ما لديها من قوة وبكل ما تحمل في قلبها من حقد على هذه الدنيا وبكل ما في صدرها من قهر ومعاناة أمسكت بالسكين وغرستها في قلبه فانفجرت الدماء وكأنها نافورة ماء ثم أخرجت السكين وغرستها في رقبته، استمرت (و) في ضرب (أ).
حتى أفرغت كل ما في نفسها من حقد وبعد ذلك خرجت إلى الشارع حافية القدمين وهي تمسك السكين الملوثة بالدماء، أمسك بها بعض الجيران حيث سلموها إلى الشرطة، في المحكمة وقفت مشدوهة لما يجري حولها أما محاميها الذي أوكلته المحكمة ليدافع عنها فقد نظر إلى القاضي قائلاً سيدي هذه المرأة ليست مجرمة بل هي ضحية الظروف التي تكالبت عليها وأجبرتها على أن تقف في هذا المكان، بدأت (و) تصيح بطريقة هستيرية فطلب القاضي تحويلها إلى طبيب نفسي.
إعداد: أحمد سلطان
