السيدة أم كلثوم هي ثالث بنات الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من زوجته الفاضلة أم المؤمنين السيدة «خديجة بنت خويلد»، وربما كانت أم كلثوم هي أكثر بنات النبي التي ورثت عن والديها قيمة الصبر وضبط النفس عند الشدائد، فعلى الرغم من المواقف الصعبة التي تعرضت لها رضوان الله عليها من أُناس قابلوها في حياتها إلا أن كتب السيرة لم تذكر لنا موقفاً واحداً أو عبارة واحدة صدرت عن هذه السيدة الكريمة تهجو أعداءها أو تذكر لهم مواقفهم معها.

وقد شاءت المقادير أن تتزوج الفتاة الجميلة الكريمة «أم كلثوم» من ابن عم أبيها عتيبة عبدالعزى ابن أبي لهب وابن أم جميل حمالة الحطب!

وعلى الرغم ممن كان شائعاً عن أم جميل من أنها سيدة تحمل في قلبها كل أنواع الحقد والكره والغيرة، إلا إننا لم نسمع من فتاتنا أم كلثوم كلمة عنها تهجوها أو تذكرها بسوء حتى بعد طلاقها من ابنها «عتيبة» الذي استجاب هو وأخيه لرغبة أبويه أبي لهب وزوجته حمالة الحطب في تطليق بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانت السيدة رقية وأختها أم كلثوم متزوجتين من عتبة وعتيبة أولاد أبى لهب! ولم تكتف حمالة الحطب بذلك بل إنها سرعان ما زوجت ولديها من فتاتين أخريين، نكاية وتشفياً في بنات رسول الله، وحرباً على دين الله الجديد الذي أُنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دوناً عن بقية قريش.

ومما لاشك فيه أن السيدة «أم كلثوم» قد عانت كثيراً من هذه الحماة المتسلطة وذاقت على يديها مرارة طلاقها من ولدها إلا إنها في محنتها هذه لم تفقد صبرها ولم ترد عليها قولاً أو فعلاً حتى إنها لم تشكوها لأحد ممن حولها ولربما اقتصر الأمر على بعض الفضفضة لأمها الحنون التي داوت جرح ابنتها بحثها على المزيد من الصبر وضبط النفس والتوجه إلى الله فهو وحده الكفيل بحل أمرها.

ولعلنا هنا نكتسب قيمة جميلة ونتعلمها من سيرة هذه السيدة «الحليمة» التي آثرت الصبر واحتساب أمرها إلى الله بدلاً من الدخول في مهاترات أو مناقشات قد تنقص من إيمان المرء ولا تزيده.

وكم من المشكلات التي تحدث للمجتمع المسلم الآن سببها الدخول في مهاترات لا حصر لها ولا عد تورث الذنب والكره والبغضاء ولا تحل المشكلات، وكأننا تناسينا قول الله عز وجل «ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا» سورة الطلاق آية 3.

عاشت السيدة أم كلثوم في بيت أبيها وهي تحمل لقب مطلقة لا لذنب جنته إلا لأن أبيها رسول الله!

وقد كانت البيئة الصحراوية في المجتمع الجاهلي تقسو على الفتاة في مثل هذه الظروف، إلا أن الإيمان بالله يذلل كل شيء ويهونه حتى وان كان الموت نفسه.

فبذلت السيدة أم كلثوم من نفسها ووقتها لخدمة دين الله ولنصرة أبيها ما لم تبذله فتاة في مثل سنها وخرجت من همها الصغير الذي تضاءل في عينها أمام ما يلقاه أبيها رسولنا الكريم من أذى من المشركين ومحاربة وصلت إلى محاولات التجويع والحصار.

كانت أم كلثوم الابنة البارة بأمها التي تساعدها وتحمل عن كاهلها الأعباء المنزلية دون شكاية أو مَن، وكانت الابنة الذكية التي تخفف من حمل أبيها ولا تزيده رغم آلامها، وكانت الأم الحنون لأختها فاطمة بعد وفاة أمهما السيدة الجليلة «خديجة».

وقد عاشت السيدة أم كلثوم هكذا سنوات طويلة في مكة «لا تمل من العطاء، ولا تشكو القضاء، ولا تهجو من أساء»!

تأخر سن زواج السيدة «أم كلثوم» بمعيار الزواج في العصر الجاهلي فقد كانت البنات تخطب في ذلك العصر في سن مبكرة، ولكن ما كانت أم كلثوم الفتاة التي تتزوج من أجل الزواج فحسب، بل كانت لا ترضى إلا بمن هو كفؤ لها، ولم تكن تتعجل فقد كانت تعرف من أقاويل أبيها الشريفة الكثير الذي كان يعينها في حياتها، وكانت تحسن الظن بربها، وقد سمعت قوله صلى الله عليه وسلم: «حسن الظن من حسن العبادة».

عاصرت السيدة أم كلثوم وفاة أمها السيدة خديجة ومن بعدها أختها رقية التي كانت مرتبطة بها أشد الارتباط ؛ فقد تزوجتا معاً، وطلقتا معاً، ثم ما لبثت أن تزوجت رقية من عثمان وظلت أم كلثوم مع أختها فاطمة في بيت أبيها في مكة إلى أن هاجرت مع أختها فاطمة إلى المدينة المنورة، كل هذا ونجدها حليمة صبورة لا يجف نبض عطائها ولا تكل عبادتها بل تزيد وجاء اليوم الأصعب في حياتها يوم فراق أختها ورفيقة طفولتها وأكثر الناس حباً، وقد ظلت صابرة متماسكة تدمع عينها ولا يخرج صوتها وكانت رضوان الله عليها سمعت أبيها صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «إنه مهما يكن من القلب والعين، فمن الله والرحمة ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان».

مر عام على وفاة الأخت الحبيبة وها هو عثمان بن عفان يلازم الرسول الكريم ويلتمس لديه العزاء عن فقيدته الغالية وها هو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم جالساً في بيته فيأتيه عمر بن الخطاب شاكياً إليه صاحبيه أبو بكر وعثمان فقد عرض زواج ابنته حفصة التي مات عنها زوجها من أحدهما تلو الآخر فسكت عمر وأجاب عثمان بأنه لا نية له للزواج فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لعمر ملاطفاً «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة»!

وقد كان فتزوجت «أم كلثوم» من عثمان بن عفان على مثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها.

عاشت السيدة أم كلثوم مع زوجها عثمان ست سنوات لم تنجب خلالها ولكنها رأت فيها الإسلام يبلغ أوج انتصاره وشاهدت أباها صلى الله عليه وسلم مؤيداً منتصراً وزوجها ذي النورين معه صاحباً ومجاهداً بماله ونفسه. وكما كانت أم كلثوم فتاة ناضجة راجحة العقل، كانت أيضاً زوجة كيسة رزينة صبورة لا يصدر عنها إلا ما يرضي الله ورسوله وعندما احتجزت قريش زوجها عثمان في صلح الحديبية وسرت شائعة بقتله!! كما هي عادتها رضي الله عنها لم نجدها إلا صابرة، محتسبة، منضبطة الانفعال تملك زمام نفسها ولم يطل حزنها فأعاد الله إليها عثمان لتقضي معه ما تبقى من عمرها، ثم تلحق بأختها رقية بعد حياة مليئة بالكفاح ومجاهدة النفس، والصبر الجميل.

جيهان محمود