الباحث عن أعمدة السعادة في الكتاب والسنة يجدها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولا شك أن النفس الشريفة الراضية المرضية التي تبحث عن السعادة تحب الإحسان وتجتنب الأذى وإذا فعل صاحبها ذلك حصلت الألفة والمحبة بين الناس وانتظم حال المعاش والمعاد وانصلحت أحوال العباد وتحقق المراد وسعد كل إنسان في دنيا الناس.

والمؤمن الكامل الإيمان هو الذي يحب الخير والمنفعة لأخيه المسلم إذ الشخص لا يحب لنفسه إلا الخير، ويبغض له مثل ما يبغض لنفسه، فإذا كان في نعمة وبحبوحة من العيش تمنى لأخيه المسلم أن يكون له مثل ما هو فيه من الخير وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعسر ذلك على القلب الدغل.

قال الكرماني: ومن الإيمان أيضاً أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء.

وينبهنا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه في حديث آخر فيقول لكي تكون مؤمنا: وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما.. الحديث.

فذكر الإحسان إلى الجار ليتجلى برهان الإيمان في قلبه وتثمر دوحته بحسن الحلال وجليل الصفات، كما يبين أن محبة الخير للناس كما يحب الإنسان لنفسه تظهر آداب الإسلام في التعامل الراقي الخالص لوجه الله تعالى. فالمرء يجب أن يكون مطيعاً لربه كريم الخلق، صحيح الجسم، ناجحاً في أعماله، غنيا عن غيره، آمناً على نفسه وعرضه وماله، ويكره لنفسه ضد هذه الصفات فلا يتمنى لغيره ضرراً أو يسعى له في أذى.

وقد بين لنا ذلك الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه وهو ينصح ابنه الحسن فقال: يا بني: اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبينه فأحب لغيرك ما تحب لنفسك وأكره له ما تكرهه لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وأرض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك.

ولا تقل ما لا تعلم ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك، ولا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حراً. والمؤمن الذي يحب الخير لأخيه يؤثر إخوانه على نفسه والإيثار أمر عظيم مدح الله تعالى أهله في كتابه الكريم فقال تعالى: « وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ». الحشر: 9

قال العلماء: الإيثار على أنواع، إيثار في الطعام وإيثار في الشراب وإيثار في النفس والروح وإيثار في الحياة.

فأما الإيثار في الطعام فقد روى أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رأس مشوى فقال: أخي فلان وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثه إليه وبعثه ذاك إلى آخر، فلم يزل يبعث به من واحد إلى واحد حتى تداولته سبعة بيوت فرجع إلى الأول. وحكى عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان مريضاً فعوفي من مرضه، فاشتهى على جماعة سمكة مشوية فأتى إليه بها، فلما وضعت بين يديه إذ السائل على الباب واقف يسأل، فقال لغلامه ادفع إليه هذه السمكة، فقال له أنت أحببتها ولم تأكلها، فقال إن الله تعالى يقول: « لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» آل عمران: 92.

وأما الإيثار بالماء، ما روي أن جماعة استشهدوا باليرموك فأتي إليهم بماء وفيهم الروح فأتي إلى واحد منهم بالماء فأشار إليهم أن اسقوا فلاناً فأتوا إليه فأشار إليهم أن اسقوا فلاناً وهكذا فماتوا كلهم ولم يشربوا من الماء إيثاراً منهم لأصحابهم.

وأما الإيثار بالنفس والروح ما روي أن الإمام علي رضي الله عنه بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة ليفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وروحه إذا تعرض لهجوم المشركين.

ولما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع آثره بالمال والنفس وقال عبدالرحمن بارك الله لك فيهما فآثره بما آثره به.

وقال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له، وقال أيضاً إني لألقم اللقمة أخاً من إخواني فأجد طعمها في حلقي، فالسعادة كل السعادة عندما يسعد الإنسان من حوله، إنه الإيمان الذي يزرع الحب في قلوب أهله وصدق من قال: أفضل ما في العالم إيمان صادق وخلق مستقيم وعقل صحيح وجسم سليم ورزق هانئ وما سوى ذلك شغل.

حامد واكد