بات المأزق العراقي مرشحاً لأن يكون بوابة لتنفيس الاحتقان الإقليمي، مع كشف مصادر مطلعة عن موافقة الإدارة الأميركية على التفاوض مع سوريا وإيران الشهر المقبل، كجزء من مؤتمر إقليمي في بغداد يناقش طرق إعادة الاستقرار إلى العراق الذي شهد أمس مزيداً من عمليات القتل طالت 40 شخصاً بينهم 18 صبياً كانوا يلهون بالكرة. بينما خطا الأكراد خطوة جديدة مثيرة للجدل بالإعلان عن تحويل «البشمركة» إلى قوات نظامية «للدفاع عن كردستان».

وقال وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري أمس، إن مسؤولين من دول في المنطقة منها إيران وسوريا سينضمون إلى مبعوثين من الولايات المتحدة وبريطانيا في اجتماع في بغداد الشهر المقبل لبحث سبل تحقيق الاستقرار في العراق.

وقال زيباري إن الاجتماع المقرر عقده في منتصف مارس سيكون فرصة للقوى لمحاولة حل بعض خلافاتها بشأن العراق. وأعرب زيباري في اتصال هاتفي من الدنمارك التي يزورها حالياً، عن أمله في أن تكون هذه محاولة لكسر الجمود ربما لعقد اجتماعات أخرى في المستقبل. وقال انه يريد أن يصبح العراق قضية توحد لا تفرق الأطراف.

ويخطط العراق لاجتماع مارس منذ أسابيع، لكن حتى أمس كان من المتوقع أن يضم الاجتماع الدول التي تقع على الحدود مع العراق ودولاً إسلامية فقط. وقال زيباري إن الاجتماع سيضم نواب وزراء خارجية أو مسؤولين كبار من الدول المجاورة للعراق. وتابع إن سفراء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي في بغداد أكدوا أنهم سيحضرون الاجتماع، وان الجميع وافقوا على الحضور بعد مفاوضات مضنية.

ولم يصدر تعليق أميركي رسمي على موضوع الاجتماع، بينما تحدثت مصادر بريطانية رسمية عن أن مبعوثاً بريطانياً سيحضر الاجتماع لكنها لم توضح على أي مستوى. وقال زيباري إن مشاركين آخرين سيأتون من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. ورد زيباري على سؤال عما إذا كان مسؤولون أميركيون سيعقدون اجتماعات منفصلة مع إيرانيين أو سوريين، قائلا إن الهدف هو جمعهم معا في قاعة واحدة أولا قبل بحث الاحتمالات الأخرى.

وفي وقت لاحق قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ان الولايات المتحدة ستشارك في هذا المؤتمر، معربة عن أملها في مشاركة إيران وسوريا فيه. وأوضحت الوزيرة الأميركية ان هذا المؤتمر الذي سيضم مسؤولين كباراً في الدول المشاركة، سيليه اجتماع ثان على المستوى الوزاري «ربما في بداية ابريل».

وقالت رايس «ان الحكومة العراقية تحضر لاجتماع إقليمي موسع، أولاً على مستوى مسؤولين كبار ويمكن ان يحصل في النصف الأول من شهر مارس»، مشيرة إلى ان الولايات المتحدة «تدعم تماماً» هذه المبادرة. وأضافت «ان من بين المدعوين جيران العراق المباشرين إضافة إلى مسؤولين في دول أخرى في المنطقة ومنظمات دولية والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن». وأوضحت رايس «ان هذا الاجتماع الأساسي سيليه ربما في النصف الأول من ابريل اجتماع وزاري مع المدعوين أنفسهم إضافة إلى مجموعة الثماني»، وأعربت أيضاً عن أملها في ان تشارك سوريا وإيران في هذه الاجتماعات.

وفي وقت سابق، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أمس، عن أن الإدارة الأميركية وافقت على الجلوس على مائدة المفاوضات مع مسؤولين إيرانيين وسوريين على هامش المؤتمر. وأضافت الصحيفة انه خلال المشاركة في المؤتمر، تسعى الإدارة الأميركية إلى وضع أصابعها على ما بات يشكل قضية معقدة تعكر النقاش بشأن العراق.

وأشارت إلى أن منتقدي الإدارة الأميركية هاجموا لأشهر عدم اعتمادها الحلول الدبلوماسية مع إيران وسوريا وإقامة حوار معهما من اجل سبل استقرار العراق. وأضافت انه وحتى وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنغر الذي يؤيد بشكل عام سياسة الإدارة الأميركية في العراق، قال الأسبوع الماضي إن الوقت قد حان من اجل إنهاء الحجر على الدبلوماسية وطالب بعقد مؤتمر دولي بشأن العراق.

ولفتت الصحيفة إلى أن لقاء بغداد لم يتم اعتباره أميركيا ارتباطا مباشرا للدبلوماسية الأميركية مع السوريين والإيرانيين، حيث أشار مسؤول كبير في وزارة الخارجية في وقت متأخر الاثنين، إلى أن اللقاء سيتم بشكل منفصل وثنائي مع السوريين والإيرانيين. ومع ذلك أفادت «واشنطن بوست» أن لقاء بغداد يعد امتدادا لسياسات الولايات المتحدة في استخدام الحكومة العراقية قناة للحوار مع الإيرانيين والسوريين بشأن الأمن في العراق.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية انه سيتم الإعداد لهذا الحوار بشكل تدريجي، وسيكون هنالك اجتماع أولي على مستوى السفراء في النصف الأول من مارس، وسيمثل الجانب الأميركي فيه السفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاد أو خليفته ايان كروكر. وإذا ما مضى الاجتماع الأول على ما يرام سيكون هناك اجتماع ثان في ابريل على مستوى وزراء الخارجية.

وأوضحت «واشنطن بوست» أن أجندة اجتماع مارس مبهمة، ولكن المسؤولين الأميركيين قالوا إنهم يأملون أن تناقش دول الجوار العراقي كيف يمكن لهم تأييد الحكومة العراقية في النواحي الدبلوماسية والسياسية والأمنية. وأشار المسؤول في الخارجية الأميركية، وفق الصحيفة، إلى أن إيران وسوريا لم توافقا بشكل رسمي على اللقاء لكنهما لم تبديا رفضا بالقول «لا»، ويتوقع العراق مشاركتهما. وما زال الوضع الأمني في بغداد يشهد مزيداً من العنف حصد أمس 40 عراقياً بينهم 18 صبياً كانوا يلعبون الكرة، إضافة إلى ثلاثة جنود أميركيين.

وأكد مصدر أمني أن 18 صبيا تتراوح أعمارهم بين عشرة أعوام وخمسة عشر عاما قتلوا وأصيب 20 آخرون في تفجير بسيارة مفخخة في منطقة الورار في مدينة الرمادي بمحافظة الانبار السنية (غرب العراق). وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه إن «سيارة مفخخة كانت متوقفة بالقرب من ملعب لكرة القدم في منطقة الورار انفجرت ما أسفر عن مقتل 18 طفلا تتراوح أعمارهم بين العاشرة والخامسة عشرة وإصابة عشرين آخرين».

كما أعلن الجيش الأميركي أن ثلاثة من جنوده قتلوا أمس عندما انفجرت عبوة ناسفة أثناء قيامهم بعملية جنوب غرب بغداد. وقال بيان للجيش الأميركي إن «وحدة من القوة متعددة الجنسيات في بغداد اصطدمت بعبوة ناسفة أثناء قيامها بعملية تمشيط على احد الطرق جنوب غرب بغداد ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود وجرح رابع».

من جهة أخرى، قال الناطق الرسمي باسم قوات البشمركة اللواء جبار ياور في مؤتمر صحافي أمس «تقرر تحويل قوات البشمركة إلى قوة نظامية مهمتها الدفاع عن كردستان وسيصبح اسمها قوات حرس كردستان». وأضاف «سيتم تحديد يوم خاص للاحتفال بتحويل البشمركة إلى حرس كردستان». وأوضح أن «رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني سيكون هو القائد العام للقوات بموجب الدستور الكردي».

وردا على سؤال عن تحفظات دول الجوار العراقي على من هذا التحول وخصوصا تركيا قال «إن قوات الحرس هي قوة دفاعية لحماية شعب كردستان وليست قوة هجومية». وأضاف «عند تعرض كردستان إلى أي هجوم ستدافع هذه القوة عن شعب كردستان وحقوقه». ويشكل احتمال استقلال إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع بالحكم الذاتي، هاجسا لتركيا ودول أخرى في المنطقة توجد فيها أقليات كردية.