وجه محمد يونس الفائز بجائزة نوبل للسلام 2006 دعوته لجميع دول العالم الغنية والفقيرة للقيام بدورها في محاربة الفقر وأبدى رغبته في المساعدة بتقديم المشورة والتدريب للتوسع في إقامة بنوك لإقراض الفقراء على غرار بنك جرامين الذي أنشأه في بنجلاديش موضحاً أن كثيراً من الدول الغنية ترغب في تحمل المسؤولية الاجتماعية تجاه الفقراء لكنها تفتقد إلى الهيكل والنظام المالي الذي يساعدهم على تنفيذ هذه المسؤولية.

وقال يونس اثناء زيارته لدولة الإمارات التي تستمر يومين لحضور مؤتمر تعليم بلاحدود، ان فكرة بنك جرامين الذي أنشأه عام 1983 لتزويد الفقراء بقروض يبدأون بها مشروعاتهم، نجحت لأنها اعتمدت على فلسفة مساعدة الفقراء ليساعدوا أنفسهم، معتبرا ان المساعدات المالية التي تقدمها الدول في صورة دعم للفقراء عادة ما تواجه الكثير من المشاكل ولا تصل إلى الأفراد المقرر الوصول إليهم كما تخلق فرصة للفساد. واعترف يونس بوجود نسبة فائدة عالية على القروض التي يقدمها بنك جرامين للفقراء والتي تصل إلى 20% في بعض الأحيان لكنه أشاد أيضا بقدرة البنك على تخفيض نسبة الفقر في دولة بنجلاديش بنسبة 2% في العام معلناً قدرة الدولة على تحقيق هدف الأمم المتحدة لتخفيض نسبة الفقر إلى النصف بحلول عام 2015 وأوضح يونس السمات الاقتصادية التي حققت لبنكه النجاح ونفى وجود مساعدات مالية أو منح يتلقاها البنك. وهذا هو نص الحوار:

* ما هو الهدف من زيارتك لدولة الإمارات ومدة إقامتك؟

ـ لقد كنت مدعوا لمؤتمر التعليم الذي نظمته وزارة التعليم العالي في إمارة دبي وهو مؤتمر يستضيف عدداً كبيراً من المهتمين بالتعليم من جميع دول العالم وكنت المتحدث الرئيسي في المؤتمر وأمضيت يومي الجمعة والسبت فقط في دولة الإمارات.

* هل جرت مناقشات بينك وبين المسؤولين هنا لإنشاء بنك للفقراء وهل ترى ان هناك ضرورة لإنشاء مثل هذا البنك في دولة غنية مثل الامارات؟

ـ لم نتناقش في إقامة بنك للفقراء هنا في الإمارات، لكن إذا كانت هناك رغبة واهتمام لإنشاء هذا البنك سأكون سعيداً وراغباً في المساعدة بقدر ما استطيع، والإمارات دولة غنية بالفعل وقد استطاعت رفع مستوى المعيشة لجميع الطبقات ورغم ذلك قد يوجد بعض الفقراء الذين ليسوا موضع جدارة مالية في نظر البنوك التقليديين ويمكن تقديم هذه الخدمة لهم.

* هل هذا يعني ان أسلوب عمل بنك الفقراء يمكن تنفيذه في الدول الغنية؟

ـ نعم: فالفكرة تقوم على مساعدة الناس لتصبح أكثر ابتكاراً وأن تعتمد على أنفسها في تحقيق الربح، للفقراء ليكونوا أغنياء وأيضا للأغنياء ليكونوا أكثر ثراء.

* ما هي السمات التي يتميز النظام الذي يعمل به بنك جرامين والتي تختلف عن غيره من البنوك التقليدية وفي رأيك ما هي الأسباب وراء نجاحه؟

ـ هناك عدد من السمات الخاصة لبنك جرامين فهو من الأساس مشروع اقتصادي وليس خدمة اجتماعية، فهو مصرف له رأس مال يقارب 500 مليون تكا أي حوالي 5,12 مليون دولار يقوم باستثمارها في اقراض العملاء لتمويل مشروعاتهم الفردية وتتصاعد مستويات الاقراض من الفرد إلى المجموعات، ويحدد البنك العملاء الذين يتعامل معهم من الفقراء الذين لا يملكون أرضا زراعية أو ممتلكات وهو يتناقض مع سياسة سائر البنوك التي لا تتعامل مع الفقراء لأنهم لا يملكون الضمانات المالية التي تشترطها البنوك.

من جانب آخر فهؤلاء العملاء يشكلون الملاك الفعليين للبنك ويمتلكون 92% من أسهم المصرف وهم أعضاء في مجلس الإدارة حيث يوجد 9 من بين 13 عضواً أي بنسبة 69% تقريبا وهم المستحقون لأرباح المصرف من استثماراته ويشاركون بقوة في صناعة القرارات.وتم وضع إدارة جديدة للحلقة المفرغة القديمة لدخل الطبقات الفقيرة ـ دخل قليل ـ مدخرات قليلة ـ استثمار قليل وفي النهاية أيضا دخل قليل، وقمنا في البنك بتغيير هذا النسق إلى دخل منخفض ـ ائتمان ـ استثمار ـ دخل أكبر ـ ائتمان أكبر مزيد من الاستثمار ثم مزيد من الدخل.

وأسسنا نظاماً يعتمد على المشاركة والتعاون بين الافراد، فالشرط الوحيد للاستفادة من خدمات البنك هو ان يقدم المستفيدون الطلب ضمن مجموعة لا تقل عن خمسة أشخاص وان يتكاتفوا من أجل دفع الاقساط. كما وجهنا جانباً كبيراً من القروض إلى النساء وهن يمثلن نسبة 94% من عملاء المصرف ونفس النسبة من مالكي أسهم المصرف و69% من عضوية مجلس الإدارة، فقد لاحظنا ان الأسرة الفقيرة تحقق فائدة فورية إذا كان التحسن في دخلها عن طريق المرأة بينما لا يحدث نفس التحسن في الأسر التي يزيد فيها دخل الرجل فالمرأة تضع أسرتها وأولادها في سلم أولوياتها، بينما الرجل لديه سلم مختلف للأولويات!

فائدة 20%

* كيف تفسر نسبة الفائدة العالية المفروضة على القروض التي يمنحها بنك جرامين والتي تصل في بعض الأحيان إلى 20% وهذا يعني أن المقترض لن يكون قادراً على تحقيق أرباح بسبب خدمة هذا القرض؟

ـ هذا الأمر يعتمد على قدرة المقترض، ومشروعه، فالبنوك التقليدية في بنجلاديش تصل نسبة الفائدة بها إلى 15%، ومصرف جرامين ترتفع نسبة الفائدة عن البنوك التقليدية ما بين 4% و5% وهي ليست كبيرة إذا أخذنا في الاعتبار أن المقترض سددها بالأسبوع أو بالشهر.

من جانب آخر، يجب أن تكون نسبة الفائدة كبيرة في مصرف جرامين، لأن الخدمة التي يقدمها المصرف مختلفة، فالمصرف هو الذي يذهب إلى المقترض، لأن سياسة البنك تقوم على أن البنك يجب أن يذهب إلى العملاء وليس العملاء يأتون إلى البنك ولهذا ترتفع التكلفة ولابد من تغطية تكلفة الخدمة لأنها تحتاج إلى كثير من الالتزامات لذلك نضع قاعدة بسيطة لحساب الفائدة هي تكلفة الخدمة وإضافة 10% عليها.

* وهذه النسبة الإضافية لتحقيق أرباح للمصرف؟

ـ لا ليس لتحقيق أرباح وإنما لتغطية التكلفة وتوفير الموارد للاستمرار في العمل.

* ما رأيك في المعاملات الإسلامية التي بدأت تنتشر في كثير من الدول وما هي فرص توسع هذه المعاملات الاسلامية في دعم الاستثمارات الصغيرة. ؟

ـ أنا أرى أنها نظام جيد ما دامت تعمل بكفاءة ويقبل عليها الجمهور فهي جيدة وأنا أشجعها ما دام الناس يستفيدون بالفعل من هذه البنوك وهناك فرص كثيرة للتوسع وهي بالفعل آخذة في التوسع في دول كبيرة.

* هل أنت مهتم بإنشاء وحدات للمعاملات الإسلامية في مصرف جرامين في بنجلاديش؟

ـ لا ليس في تخطيطنا إقامة مثل هذه الوحدات، لأن لنا نظاماً محدداً نعمل به ولم يطلب أحد منا نظاماً مختلفاً ونحن لا نحتاج إليه خاصة أن معظم المصارف في بنجلاديش تعمل وفق هذا الأسلوب التقليدي وفق التعاملات الإسلامية.

لا يوجد تعثر

* ذكرت أن تخوف البنوك التقليدية من إقراض الفقراء انهم لا يملكون الجدارة المالية وليس لديهم أصول لذا فالاحتمال الأكبر ألا يستطيعوا رد القروض، لكن نسبة رد القروض من مصرف جرامين تصل إلى 99%، هل يشكل هذا ضغطا على العملاء ليتمكنوا من الدفع في الوقت المناسب؟

ـ الفقراء هم العملاء الأكثر التزاماً، فهم دائماً يردون القروض في الوقت المطلوب، ولا يوجد ضغط عليهم للسداد فإذا لم يستطع المقترض أن يرد القرض فإننا نقوم بإعادة جدولة القرض وفقاً لمتطلباته، فعلى سبيل المثال إذا كان يدفع 100 تكا في الأسبوع فيمكنه دفع 50 تكا وهكذا نعيد الجدولة ونجعل الأمور أسهل على العميل.

وبهذا الأسلوب سيتمكن من رد القرض وسيظل عميلاً جيداً حريصاً على رد القرض ولا يوجد ضغوط لأن الأمور تسير ببساطة ونحن نتجنب في نظامنا أي شيء يمكن أن يشكل ضغطاً على العميل، لأنه إذا كان العميل غير قادر على الدفع على الإطلاق، فهذا الأمر لا يجعل منه شخصاً سيئاً وإنما يعني أنه شخص يحتاج إلى المساعدة ووظيفة المصرف هي تقديم هذه المساعدة ولدينا المرونة الكاملة لتنفيذ ذلك.

* المبادئ أو القرارات الستة عشر التي اتخذها البنك كقانون يلزم المتعاملين معه والمتعلقة بأمور اجتماعية كالانضباط والتعاون والالتزام بالنظافة والصحة العامة، لكن المبدأ السادس عشر تعلق برفض تقليد دفع العروس للمهر للعريس الذي يتقدم إليها، فما هو الهدف من هذا المبدأ؟

ـ هذه المبادئ تتعلق بالتعاون والشجاعة والالتزام بمبادئ الصحة العامة والتغذية والطعام الصحي والتدريبات الرياضية وإصلاح المسكن وهي نتيجة مناقشات كثيرة بين أفراد المجتمع ولم تأت بين ليلة وضحاها، أما المبدأ السادس عشر فهو يتعلق بعادة اجتماعية سيئة وهي ما يعرف «بالدوري» وهو مبلغ من المال تدفعه المرأة في بنجلاديش للرجل الذي سيتزوجها فيما يشبه المهر وقد شكلت مشكلة كبيرة في بنجلاديش إلى الدرجة أن البعض كان يقدم على الانتحار عندما يعجز عن توفير الأموال لابنته لتتزوج بها.

وإذا لم تستطع الأم أن تجد زوجاً لابنتها بسبب عدم قدرتها على دفع المهر، كانت تبيع كل ما تملك وتبيع بيتها وتقترض بفائدة عالية لتجد لابنتها زوجاً، وإذا تزوجت الفتاة بمهر منخفض فإنها تظل مهانة في نظر زوجها وأسرته لأنها لم تقدم المهر المطلوب، لذك كانت تشكل مشكلة اجتماعية كبيرة خاصة للفقراء، وبعد عدد كبير من المناقشات قررنا أننا لن نأخذ أو نعطي قروضاً لهذا المهر أو الدوري وطالبنا الناس بالتوقف عن هذه العادة الاجتماعية.

* جانب كبير من الأموال التي يديرها مصرف جرامين تأتي من المساعدات المالية التي يقدمها المانحون الدوليون لذا لا يمكن اعتبار جرامين مصرفاً بالمعنى التقليدي وإنما مؤسسة لإدارة الأموال ومساعدة الفقراء.

ـ هذا ليس صحيحاً، فلم يتلق مصرف جرامين طوال تاريخه أية أموال، فقد بدأ البنك وقمت بالاقراض بمبلغ 27 دولاراً من جيبي الخاص وبصفتي الشخصية كنت اقرض العملاء ولم يكن هناك أي جانب حكومي أو مساعدات من مانحين دوليين والمرة الوحيدة التي تلقينا فيها أموالاً من الخارج كان في عام 1992 والسبب ان المانحين جاءوا إلينا وأرادوا ان يشاركوا بأموالهم في المصرف لكننا لم نسع وراءهم ولم نطلب منهم شيئاً لأننا لم نكن بحاجة إليهم، لكنهم جاءوا وأرادوا إعطاءنا الأموال واستمر ذلك حتى عام 1995 ثم قلنا لماذا نأخذ هذه الأموال، ولدينا أموال كثيرة لذلك توقفنا عن تلقي الأموال من المانحين.

وفي عام 1998 اضطررنا إلى الاقتراض كمصرف من المصارف التقليدية الأخرى بسبب حالة التضخم في بنجلاديش وكان علينا إعطاء قروض جديدة للعملاء ليبدأوا مشاريع جديدة، واقترضنا من البنوك التقليدية وقمنا بسداد ما اقترضناه في خلال عامين، ومنذ ذلك الحين لم نتلق أي منح أو نأخذ أي قروض من البنوك الأخرى.

بعد جائزة نوبل سارع الكثيرون للتبرع لبنك جرامين هذه التبرعات ذهبت إلى مؤسسة جرامين تراست وهي مؤسسة غير حكومية وغير هادفة للربح، ومستقلة ومنفصلة تماماً عن بنك جرامين، وهي تقوم بتنفيذ البرامج العالمية لمحاربة الفقر في كثير من دول العالم.

* كان الهدف من إقامة المصرف هو الحد من الفقر، فهل نجحت في استئصال الفقر من بنجلاديش، وما هو الموقف المالي للبنك حالياً؟

ـ إلى الآن نحن نسير على الطريق الصحيح للقضاء على الفقر وتنفيذ مبادئ الأمم المتحدة لتخفيض نسبة الفقر في العالم إلى النصف بحلول عام 2015، ففي عقد التسعينات انخفضت نسبة الفقر في بنجلاديش بنسبة 1% كل عام بما يجعل النسبة الإجمالية لخفض الفقر هي 10% خلال 10 سنوات .

وفي خلال السنوات الخمس الأولى منذ عام 2000 إلى 2005 أصبحت نسبة خفض الفقر 2% سنوياً لذلك أصبح مجموع خفض نسبة الفقر 20% خلال 15 عاماً وإذا استمررنا بنسبة 2% سنويا سنكون قادرين على تخفيض نسبة الفقر إلى 50% وفقاً لهدف الأمم المتحدة حتى عام 2015 لذلك فنحن على الطريق الصحيح لإزالة الفقر في بنجلاديش، وهناك عدد من الدول سينجح في تحقيق هذا الهدف وبعض الدول قد تقترب من النجاح والبعض قد يخفق بصورة كبيرة.

واليوم يمنح بنك جرامين قروضا لحوالي 7 ملايين من الفقراء في بنجلاديش، 97% منهم من النساء، ومنذ إنشاء البنك عام 1984 حتى الآن قدم المصرف قروضاً لبناء 640 ألف منزل وبلغ مجموع القروض التي قدمها 6 مليارات دولار ووفقاً لبيانات المصرف فإن نسبة 58% من العملاء قد تخطوا حاجز الفقر.

* لماذا لم تنشئ فروعا لبنك جرامين في دول أخرى ومناطق تعاني من الفقر.

ـ مؤسسة جرامين تراست بدأت بالفعل مشاريع في عدد من الدول مثل السعودية والجزائر والمغرب وهي مؤسسة غير حكومية لا تهدف للربح، ووضعت عليها اسم جرامين فقط حتى يربط الناس بيني وبين البنك وبين هذه المؤسسة لكن لا يوجد لبنك جرامين فروع في أي دولة فنحن نعمل فقط في بنجلاديش ولا يسمح القانون الداخلي للبنك بإنشاء فرع آخر خارج الدولة.

اما ما نستطيع تقديمه للدول وجميع المناطق الفقيرة في العالم فهو الفكرة والمبدأ ونحن على استعداد لتدريب الناس ومساعدتهم لتنفيذ نفس الفكرة. فالعالم يوجد به أكثر من مليار شخص يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم. و94% من ثروات العالم تذهب إلى 40% من السكان بينما يعيش 60% من سكان العالم على 6% فقط من الدخل الإجمالي لثروات العالم وهذه ليست معادلة جيدة.

البيروقراطية والفساد

* في رأيك لماذا تفشل أشكال المساعدات المالية التي تقدمها الحكومات للفقراء مثل الدعم المالي ودعم بعض الخدمات؟

ـ المساعدات المالية التي تقدمها الحكومات تواجه عادة كثيراً من المشاكل في أي مكان بالعالم، فهي لا تصل إلى الأشخاص المقدر وصول هذه المساعدات إليهم، كما أنها تتسم بعدم الكفاءة وتفتح الباب للفساد والبيروقراطية.

من جانب آخر فالأشخاص الذين يحصلون على هذا الدعم، لا تختلف حياتهم ولا يغير هذا الدعم من واقعهم أو يدفعهم للتغيير والابتكار، بل على العكس يصبحون أكثر اعتماداً على هذه الأموال التي تصلهم كمساعدات من الحكومة ولا يقومون بأية مبادرة لتغيير أوضاعهم لذلك فالأفضل هو بناء برامج يتم إدارتها بأسلوب البيزنس وان يدرك الناس ان عليهم رد ما اقترضوه وان يحققوا مكسباً حتى يمكنهم رد القروض وتحقيق أرباح لأنفسهم وان يأخذوا الأمر بجدية.

* كيف ترى مسؤولية الدول الغنية ومسؤولية الأغنياء في العالم تجاه الفقراء، فيما يسمى المسؤولية الاجتماعية وهل ترى تقاعساً في هذه المسؤولية؟

ـ لا يوجد تقاعس من الدول الغنية في تقديم مساعدات للدول الفقيرة بل على العكس الدول الغنية مستعدة وتحاول تقديم هذه المساعدات بالإضافة إلى أنها مسؤولية اجتماعية، لكن القضية أنه لا يوجد إطار أو هيكل لتنفيذ هذه المسؤولية، وعندما يصبح البيزنس الاجتماعي معترفاً به، فإن كثيراً من الشركات العاملة ستقدم على تنفيذ هذا النوع من العمل الاستثماري الاجتماعي، وهو مختلف عن المؤسسات غير الهادفة للربح التي تجري وراء المانحين لتستثمر في أنشطتها، وإنما سيكون العمل الاستثماري الاجتماعي مجالاً جديداً للعمل وتحقيق أرباح، ولكي نربط المستثمرين بالعمل الاجتماعي علينا أن نخلق بورصة لأسهم شركات العمل الاجتماعي.

حيث يتم فيها تداول الأسهم، بغرض إيجاد الأموال لهذه الأعمال، إلى جانب تحقيق أرباح، ولكي تعمل هذه البورصة بشكل جيد سنحتاج إلى مؤسسات للتقييم ووضع معايير العمل والمصطلحات، مثل وول ستريت المالي ليكون وول ستريت الاجتماعي، وأن تقدم المدارس الاقتصادية دورات تعليمية لتدريب الطلبة على إدارة شركات اجتماعية بصورة جيدة. وأنا أؤمن بالعولمة وأؤمن بأنها يمكن أن تأتي بفوائد للفقراء، بشرط وضع القواعد التي تحكم اللعبة، بحيث لا تصبح العولمة إمبريالية مالية.

* هل تغيرت حياتك بعد حصولك على جائزة نوبل؟

ـ لقد أعطتني الجائزة شعوراً جيداً وهي جائزة تسعد أي إنسان، وقد غيرت حياتي بالفعل وغيرت العالم من حولي، فالقضايا التي أثيرها أصبحت تحصل على انتباه أكثر من الناس، وهذا يدفعني للقيام بالمزيد من المهام، خاصة أن الناس أصبحت أكثر ثقة فيّ وامتلك الآن مصداقية أكبر، لذلك فقد فتحت لي أبواباً كثيرة.

* ماذا عن الجانب المالي للجائزة الذي قررت التنازل عنه للأعمال الخيرية؟

ـ لقد قررت التبرع بالجانب المالي الذي يبلغ 4,1 مليون دولار للأعمال الخيرية، حيث سأستخدم المال في تمويل المؤسسة المشتركة بين مصرف جرامين ومجموعة دانون الفرنسية في مشروع الأغذية الزراعية، بحيث يتمكن الفقراء من استهلاك أطعمة مغذية بنسبة عالية وسعر مقبول، كذلك سيذهب قسم من الجائزة لإنشاء مستشفى لأمراض العيون ومشروع لتكرير المياه.

من هو محمد يونس

ولد محمد يونس في شيتا غونغ عام 1940، وهو ثالث أبناء أسرة رزقت ب14 طفلاً، توفي خمسة منهم بعد ولادتهم بسنوات قليلة. ويلقب يونس بمصرفي الفقراء، إلا أنه يفضل أن يلقب بمقرض الأمل. عام 1974 عمل يونس رئيساً للبرامج الاقتصادية الريفية بجامعة شيتاغونغ وقام مع طلابه برحلة ميدانية إلى ريف بنجلاديش.

حيث قتلت المجاعة آلاف الأشخاص وغيرت تلك التجربة من مجرى حياته، بعدها أدرك أن قروضاً صغيرة يمكن أن تؤدي إلى تغيير جذري في مصير الفقراء، وبدأ يونس في اقراض مجموعة من السيدات اللاتي يعملن في نسج السلال بقروض إجمالية تعادل 27 دولاراً لتوسيع أعمالهن، وكانت تلك الفكرة نواة لبناء جرامين الذي أنشئ عام 1983 لتوسيع التسهيلات البنكية وتزويد الفقراء بالقروض.

كلمة جرامين بنغالية وتعني القرية وتقوم فلسفة يونس على مساعدة الفقراء عن طريق مساعدة أنفسهم، لذا لا يستجيب يونس على الإطلاق عندما يمد متسول يده للحصول على المال ويحلم بالقضاء الكامل على الفقر في العالم ويقدم «جرامين» رسالة أمل وبرنامجاً لوضع التشرد والفقر في متحف حتى يزوره أطفالنا يوماً ما ويسألون كيف سمحنا لهذا الشيء المفزع بأن يستمر طول هذه الفترة.

ويشعر يونس بالفخر لأن نموذجه لإقراض الفقراء انتشر حول العالم وان البنك الدولي نفسه تبنى الفكرة. تلقى يونس تعليمه في جامعة فندربيلت الأميركية وعمل أستاذاً للاقتصاد والفيزياء في جامعة جيهانجيرنجار وحصل على عدد من الجوائز المحلية والدولية قبل جائزة نوبل للسلام التي تسلمها في العاشر من ديسمبر الماضي بالنرويج.

وكان فوز الاقتصادي البنغالي محمد يونس بالجائزة مناصفة مع بنك جرامين مفاجأة للأوساط السياسية والفكرية، خاصة أن الرئيس الفنلندي السابق «آتاساري» كان على رأس قائمة المترشحين للفوز بالجائزة والذين بلغ عددهم 191 مرشحاً، وهي الجائزة الأرفع والأهم بين جوائز نوبل المختلفة، وقالت اللجنة النرويجية السرية المكونة من خمسة أعضاء في بيان اختيارها للفائزين بالجائزة إن يونس وبنك جرامين منحا الجائزة لجهودهما في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الطبقات الدنيا وأثبتا أن السلام لن يتحقق إلا إذا تمكنت جماعات كبيرة من السكان من كسر قيد الفق.

حوار: هبة القدسي