إحدى عشرة سنة انقضت من عمر تجربة التعليم النموذجي في الدولة تدعونا لوضع تساؤلات عادلة ومتوازنة ومنطقية أيضا للحكم عليه من بينها: ماذا حقق هذا التعليم بعد هذه السنوات، وما هي المعوقات التي اعترضته وأساليب تطوير نموذجه ومردوده التربوي، وأين الدراسات العلمية التي من شأنها وضع حد للاجتهادات الشخصية في عملية إصدار الأحكام على نجاح أو فشل هذه التجربة.
البعض يتساءل: هل النموذجيات مدارس حكومية لصفوة الطلاب التي كشف بعض مسؤولي مدارسها أن معايير اختبارهم لا ترقى إلى مستوى طموح تخريج جيل قيادي متميز، فيما يعتقد بعض آخر أن هذا النوع من التعليم أصل الفجوة بين أبناء المواطنين والوافدين بفصلهما ما أضعف المستوى وبالتالي غابت المنافسة.
التعليم الحكومي يقبل طلبة من مختلف المستويات بينما النموذجي - انتقائي - في طلابه ومعلميه الذي يتردد أن صلاحياتهم انتهت ورشحوا إليه بالتزكية، إلى جانب ما يتمتع به من بيئة محفزة تتمثل في العلاوات المادية التي لا يحظى بها العاملون في المدارس الحكومية العادية.ترى هل نجحت وزارة التربية والتعليم فيما عقدت على التعليم النموذجي من آمال؟.. تابعونا.
الخبير التربوي الدكتور عبد الله الكمالي قال إن المدارس النموذجية تتميز عن العادية بتميز المعلمين والطلاب والبرامج المقدمة، حيث ان فكرتها تقوم على اختيار أكفأ المعلمين ليتولوا عملية التدريس فيها وهي فكرة رائدة، ولكن عزوف كثير من المعلمين المتميزين عن الالتحاق بها خاصة المعلمات نتيجة لطول اليوم الدراسي افقد هذه المدارس هذه الميزة، فضلا عن حاجة معلمي هذه المدارس لاستمرارية التدريب ضمانا للتميز، ونتيجة لعدم وضوح البعد التدريبي في العملية التربوية في الدولة فقد انعكس على هذه المدارس ومعلميها.
اشتراط رسوم
وبالنسبة للطلاب أشار الكمالي إلى ان هذه المدارس لجأت لانتقاء طلبتها ورغم ذلك تدخلت العلاقات فتسرب عدد لا بأس منهم ضعاف المستوى، كما أن قبول البعض دون البعض واشتراط رسوم مقابل الطلاب طرح موضوع عدم المساواة بين مواطني الدولة، مشيرا إلى انه لا يمكن الحكم على نجاح هذه المدارس لكونها لم تخضع للدراسة العلمية الدقيقة ولم تدرس مخرجاتها مقارنة بالمدارس الأخرى، فضلا على عدم تساوي ظروف كل من النموذجية والعادية حتى يمكن الحكم على مخرجاتها.
واستطرد قائلا: تجربة المدارس النموذجية شأنها شأن معظم وربما مختلف التجارب التربوية التي مورست وتمارس في نطاق التربية والتعليم لا يتم تقييمها علميا وبموضوعية بل يتم الدفع باتجاه الإعلان عن نجاحها دون مؤشرات او دلائل أو إحصائيات دقيقة.
موضحا ان أبرز نجاحات هذه المدارس دفع كثيرا من أولياء الأمور لأبنائهم إليها كبديل للمدارس الخاصة المنافسة والتي تميزت بتوفير الخدمات المتميزة التي تفتقدها المدارس العادية، وبالمقابل فان تراجع بعض النموذجيات عن مستوى التميز بالإضافة إلى توقف بعضها عن تقديم المزيد يظهر حالة من عدم الاهتمام والدفع باتجاه تطوير هذا المشروع.
وشدد الكمالي على ان العنصر البشري هو المؤثر الأول في نجاح المدرسة وهذا ما جعل كثيرا من المدارس تتميز رغم عدم توفر العنصر المادي كما هو الحال في النموذجيات نتيجة تميز مدير المدرسة والكادر الذي يعمل معه.
قياس المخرجات
ويرى الخبير التربوي الدكتور عيسى السويدي مؤسس مدرسة الغزالي أول مدرسة نموذجية في الدولة أن المدرسة النموذجية أسست في الأصل كنموذج يحتذى به في المدارس الحكومية، وجاءت بعد دراسة ميدانية تفصيلية عن واقع التعليم في منطقة أبوظبي التعليمية، ورصدت السلبيات والايجابيات في الميدان.
وعلى ضوئها أسست المدرسة النموذجية لتلافي السلبيات في المدارس الحكومية وزودت بمختلف الموارد التي تحتاجها المدرسة المنشودة، فتم تعديل شكل الدوام المدرسي وزيدت بعض الحصص الدراسية لاسيما في مادتي الحاسوب واللغة الانجليزية، إضافة إلى تحديد اليوم الدراسي واستغلاله في أنشطة تهدف إلى بناء شخصية المتعلم، وهو ما كانت تفتقده المدرسة الحكومية الرسمية.
وتابع السويدي قائلا: بعد مرور أربع سنوات من عمر التجربة أجرينا دراسة علمية لقياس مخرجاتها، وأظهرت وجود فوارق واضحة بين مستوى تحصيل الطلاب في المدرسة النموذجية عنها في الحكومية الأخرى، مشيرا إلى ان المشكلات التي تواجه المدارس النموذجية حاليا تكمن في كونها نقلت تجربة مدرسة الغزالي بتفاصيلها دون الأخذ بعين الاعتبار ظروف المنطقة التعليمية التي نقلت إليها المدرسة ما يعني محاكاة تقليدية دون مراعاة ظروف كل مدرسة على حدة.
ولفت إلى ان التجربة نقلت بشكلها دون التركيز على قياس المخرجات في إطار علمي محايد، وتم تسليط الضوء على المظاهر الموجودة من أساس وديكور وطبيعة اختيار أعضاء هيئات التدريس بعيدا عن المستوى النموذجي، إلى جانب سياسة قبول الطلبة التي تجيز انتقال طلاب في مراحل أعلى دون المرور بالصفوف المعنية في المرحلة الأساسية ما أدى إلى تراجع أداء بعض هذه المدارس، ناهيك عن تراجع التدريب والتأهيل فيها، آملا في مخرجات أفضل مما هي عليه، والحلم ان يتخرج الطالب للالتحاق بالجامعة مباشرة دون المرور بسنة التأسيس في الجامعة متقنا إجراءات البحث الأكاديمي واستخدام الحاسوب والانجليزية فضلا عن شخصيته المتكاملة.
قياس الأداء
وشدد السويدي على ان مشروع هذه المدارس ليس فكرة وزارة التربية والتعليم، ولكن المناطق تبنته وهو مشروعها بالدرجة الأولى، كاشفا عن ان بعض طلاب النموذجيات يتعاطون الدروس الخصوصية أكثر من طلاب بعض المدارس الحكومية.
مشيرا إلى ان زياراته للمدارس أظهرت ان هناك إمكانية لدى القيادات المدرسية لتقديم تعليم نموذجي دون ان تكون مدارسهم نموذجية. ويعتقد ان المدارس النموذجية فكرة جيدة تخدم تطوير التعليم لكن يعوزها التنفيذ الصحيح، مطالبا بقياس أداء المدارس النموذجية وإذا كانت مخرجاتها تشبه نظيرتها الحكومية فلا ينبغي توفير أي دعم لها.
وقال عارف فضل مدير مدرسة محمد نور للتعليم الأساسي في دبي إن المدارس النموذجية في بداية مسيرتها في التسعينات استطاعت أن تصنع فرقا في التعليم العام وقدمت تعليما حديثا أثرى المناهج إلى جانب الأنشطة المهارية للطلبة والبيئة الجاذبة للتعلم، لكن المسيرة اختلفت الآن .
ولم يعد هناك فرقا بين نموذجية وأخرى، مرتئيا أن هناك في الغالب العام مدارس غير نموذجية تقدم خدمة تعليمية أفضل من المدارس النموذجية، معتقدا ان السبب يكمن في ان الوزارة لم تضع إلى الآن نظاما معتمدا للتعليم النموذجي ولم تتابع الخبرات المتجمعة في تلك المدارس ولم تقيم أداءها.
ومن جانب آخر ان بعض المدارس الحكومية طورت أداءها وأصبحت تنافس بل تتفوق على هذه المدارس نتيجة مؤثرات مهمة في الميدان مثل جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز وتواجد كفاءات من المديرين والمديرات وغير ذلك.
انطباعات شخصية
فضل قال: إلى الآن لا توجد أية دراسة منهجية لتقييم وضع ونتائج المدارس النموذجية، وكل ما يصدر من أحكام سواء على لسان مسؤولي الوزارة أو العاملين في تلك المدارس قائم على انطباعات شخصية وملاحظات عامة غير دقيقة، مضيفا: هناك فرق كبير بين المدارس النموذجية من منطقة إلى أخرى ناتج عن دعم الحكومة المحلية الذي تلقاه، وهناك تفوق في مستوى البرامج المقدمة في هذه المدارس.
وفي بعض المدارس بحسب رأيه تعتبر هذه المدارس عادية جدا بل مستواها أقل من المدارس الحكومية العادية، لذلك فالآمال التي كانت معقودة على المدارس النموذجية أصبحت اليوم ضعيفة جدا، وصار كثير من أولياء الأمور يفضلون ان يدرس أبناؤهم في المدارس الحكومية المجانية والسبب ان نتائج تلك المدارس لا تختلف عن نظيرتها الحكومية.
فضل أشار إلى ان هناك مدارس ليست نموذجية وتحقق نتائج أفضل بكثير من النموذجية، وأحرى بالوزارة ان تدرس لماذا نجحت هذه المدارس وتميزت دون ان تكون نموذجية، معتقدا أن التعليم النموذجي أصل الفجوة بين أبناء المواطنين والوافدين وفصلهما أضعف مستوى أبناء المواطنين لغياب المنافسة الحقيقية.
مؤسسات تعليمية
نزار صباهي مدرس اللغة الانجليزية بمدرسة عمر بن الخطاب النموذجية في دبي أشار إلى انه من أوائل المعلمين الذين عملوا في المدارس النموذجية في كل من أبوظبي ودبي، وشهد الانطلاقة الأولى لها، لافتا إلى أنها حققت سمعة طيبة من حيث مستوى التعليم المتميز والمناخ الملائم والمحفز للطالب والمعلم على حد سواء.
فيما تحولت بعد سنوات قلائل إلى مؤسسات حكومية تعليمية تنافس المدارس الخاصة ذات السمعة المرموقة في الدولة ما حدا بكثير من المواطنين إلى نقل أبنائهم من المدارس الحكومية العادية وكذلك الخاصة إلى المدارس النموذجية، إلا ان هذا الزخم من النجاح بدأ يخبو قليلا لأسباب عديدة في مقدمتها: عدم خضوع الكثير من الطلبة لامتحان قبول حسبما كان معمولا به، وتقنين فترات الواجبات والمناشط، وتقليص حافز المعلمين المادي، مشيرا إلى ان تلك المآخذ لا تعني عدم نجاح التجربة بل تعني ضرورة دعمها كونها أثبتت وجودها على ارض الواقع باستقطاب شريحة عريضة من المتعلمين.
وطالب بمعالجة بعض أوجه القصور وصولا بهذه المدارس إلى ما تتطلع إليه من أهداف سامية. وتساءل زميله إيهاب عبد الحليم مدرس التربية الرياضية مسلطا الضوء على العملية التعليمية في المدارس النموذجية هل هذه المدارس تتفق في الواقع مع ما كانت تطمح إليه وزارة التربية والتعليم؟
مجيبا بأن تلك المدارس لم ترتق لهذه الطموحات وإن كانت على الدرب، موضحا من واقع تجربته الشخصية في المدارس الحكومية العادية أنه تفوق على نفسه في تطبيق المعنى السليم للتربية الرياضية، فيما قوبل عمله في مدرسته النموذجية بالعديد من الإحباطات التي يفترض ألا تكون في مدرسة بتلك المواصفات النموذجية.
ولفت عبد الحليم إلى ان من بين ما واجهه عدم وتوفر الملاعب وعم اهتمام إدارة المنطقة التعليمية بتوفير الإمكانات اللازمة لتفعيل المادة، إلى جانب عدم وعي البعض بأهمية التربية الرياضية في خلق الشخصية المتوازنة، وغير ذلك من المشكلات يأمل من الله أن تحل في القريب العاجل.
وقال إسماعيل أحمد سليمان مدرس الرياضيات في نموذجية عمر بن الخطاب إن المستويات التعليمية لطلبة المدارس النموذجية أكثر مما توقع، ملاحظا أن أعداد من حصل منهم على معدل أكثر من 80% يفوق ال80% تقريبا والعدد قابل للزيادة مع نهاية الفصل الدراسي الثاني، ما يعني من منظوره أن النظرة إلى المدرسة النموذجية بمفهومها الايجابي للحياة المجتمعية قد تحققت بالفعل.
تحقيق: يحيى عطية